جدول المحتويات
شهدت السنغال ليلة البارحة تحولا سياسيا وتاريخيا كبيرا بإعلان الوزير الأول الجديد أحمدو الأمين محمد لو تشكلته الحكومية الجديدة، والتي تم تعيينها بموجب المرسوم رقم: 1130 - 2026، الصادر فاتح يونيو 2026، لتكون بذلك أول حكومة سنغالية ما بعد فراق الثنائي السياسي الطموح "بصيرو اديوماي افاي" و"عثمان سكونو".
جاء الإعلان عن التشكلة الحكومية الجديدة، والتي تضم 30 عضوا في سياق سياسي خاص جدا، أبرز ملامحه الخلاف المتصاعد بين الصديقين اللدودين، افاي وسونكو، واختيار الأول للتحالف الداعم له سندا سياسيا، وعمقا داعما، وتجيير الأخير لمشروعهما المشترك حزب "الوطنيون الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة" المعروف اختصارا بـ"باستيف".
كما جاءت في سياق إعلان "باستيف PASTEF" عدم مشاركته في الحكومة، ومغادرة العديد من قادته للجهاز التنفيذي، وتوجه الدولة نحو "تحالف جوماي رئيسا"، ببقية مكوناته السياسية، مع الاستعانة بخبرات تكنوقراطية، وشخصيات مستقلة لإدارة المرحلة القادمة من عمر التجربة السنغالية.
وتؤكد الأحداث والتطورات المتلاحقة في السنغال أن القائدين الطموحين دخلا مبكرا في أتون "معركة 2029"، والسعي لنيل ثقة الناخب السنغالي فيها، وهي المعركة التي نجح سونكو في "إزالة العقبات" القانونية التي كانت تقف في وجهه قبل مغادرة "السراي الحكومي" في داكار.
يمكن تصنيف أعضاء الحكومة الجديدة بناء على عدة معايير، إذ ضمت شخصيات يمكن اعتبارها تمثل الاستقرار والاستمرارية، وأخرى تشكل عنوانا للانفتاح والاختيار على أساس الكفاءة والاستقلالية، فضلا عن تصنيف ثالث يتعلق بالثقة لتولي حقائب القطاعات السيادية والاستراتيجية.
وزراء الاستقرار والاستمرار
وفي التصيف الأول، يمكن تقديم عدة وزراء في الحكومة الجديدة أنموذجا عليه، وهي شخصيات نالت حقائها في الحكومة بناء على تجربتها الطويلة، وخبرتها العالية في مفاصل الدولة، ويشكل وجودها ضمانة للاستقرار الحكومي، والسياسي في التحالف السياسي الذي اختاره الرئيس عمادا له.
ومن أبرز هذه الشخصيات:
1. وزير الداخلية والأمن العام: محمد المختار سيسي، وهو شخصية ذات تجربة إدارية وسياسية معتبرة، حيث شغل سابقا العديد من المناصب، من بينها مدير ديوان الرئيس، ووزير الطاقة، والمدير العام لشركة الكهرباء "Senelec"، والمدير العام للجمارك.
2. وزير الاقتصاد والمالية والتخطيط: الشيخ ديبا، تم التجديد له مع توسيع صلاحياته، ليصبح "الرجل القوي"، في إدارة الملفات المالية والاقتصادية، لا سيما في ظل أزمة المديونية، والمفاوضات العويصة الجارية بين السنغال وصندوق النقد الدولي وبقية الشركاء الماليين الدوليين.
3. وزيرا التربية الوطنية: مصطفى مالمبا غيراسي، والصحة العامة: إبراهيما سي، تم التجديد لهما في منصبيهما لضمان مواصلة ما تصفها السلطات السنغالية بالإصلاحات في قطاعيهما، وتجنب أي هزات اجتماعية أو نقابية في هذين القطاعين الحيويين.
الثقة والسيادة والقطاعات الاستراتيجية
مشاورات افاي والآمينو لو، أفضت إلى اختيار شخصيات محددة لتولي الحقائب السيادية، والقطاعات الاستراتيجية، وتوجيه دفتها نحو ما يخدم مشروعهما المشترك خلال السنوات القادمة، ومن بينهم:
1. وزير الطاقة والنفط: الحاج عبد الرحمن ديوف: أسندت إلى ديوف حقيبة القطاع الأهم في السنغال اليوم، والذي ربما يعول عليه بعضهم لإخراج السنغال من أزمتها الاقتصادية أو تخفيف وقعها من خلال تعظيم العوائد المحلية، وتسيير هذه الثروة الحيوية، وذلك مع دخول البلاد مرحلة إنتاج النفط والغاز (مثل مشروعي سانغومار واحميم).
انتقل ديوف إلى حقيبة الطاقة والنفط قادما من حقيبة البيئة، ليتولى أحد القطاعات الأكثر أهمية واستئثارا بمتابعة السنغاليين حاليا.
2. وزير التكامل الإفريقي والشؤون الخارجية والسنغاليين في الخارج: الشيخ نيانغ: دبلوماسي سنغالي مخضرم، صاحب تجربة طويلة في أروقة الدبلوماسية الدولية، حيث مثل بلاده لدى الأمم المتحدة، ويعكس تعيينه رغبة في العودة إلى الدبلوماسية المؤسسية التقليدية لحسم مواقف السنغال في الفضاء الإقليمي عموما، وفي المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس"، بشكل خاص، واستعادة شيء من الألق الدبلوماسي الدولي والإقليمي.
3. وزير القوات المسلحة: انكوبا ديمي: حول من وزارة النقل إلى وزارة الدفاع، في "قفزة" تعكس مستوى من الثقة والقرب من دوائر التأثير في القصر، يوصف ديمي بأنه من المقربين من الرئيس اديوماي فاي، وتنتظره على الطاولة ملفات كبيرة، من أبرزها ملف تحديث الجيش، وتأمين الحدود، والتعاطي مع التطورات الأمنية الإقليمية المتسارعة، والصراع الدولي المحتدم على النفوذ في المنطقة.
وزراء الانفتاح والكفاءة
كما عرفت التشكلة الحكومية الثانية لباصيرو اديوماي افاي دخول شخصيات بارزة قادمة خارج التحالف الحزب الداعم له، في رسالة انفتاح على الطيف السياسي السنغالي، وتعزيز للكفاءة والتكنوقراطية:
1. وزير البنى التحتية: ديتيه فال: وهو شخصية سياسية اشتهرت بمهارتها الفنية، ومعارضتها السابقة، وقد أوكل له ملف محوري ضمن عمل الحكومة الجديدة، حيث سيتولى تنفيذ المشاريع الكبرى للطرق والسكك الحديدية والتجهيز.
2. وزير الاتصال والعلاقات مع المؤسسات، الناطق باسم الحكومة: باكاري سامبي: وهو بروفسير وباحث أكاديمي مشهور دوليا، متخصص في قضايا الأمن والجيوسياسات في منطقة الساحل، وكان يتولى إدارة معهد تمبكتو للدراسات، وقد أوكلت له مهمة صياغة الخطاب الرسمي، والسعي لإقناع الجمهور السنغال برؤى الحكومة واختياراتها، وتوجيه التواصل الحكومي.
إعادة هيكلة وتوزان
عرفت الحكومة السنغالية الجديدة إعادة هيكلة لم تغب عنها رؤية وأجندة التحول الوطني "السنغال 2050"، وذلك بهدف تسريع تنفيذ البرامج والاستراتيجيات، حيث انتقل الوزير الأول الجديد من منصب قيادة ومتابعة وتقييم هذه الرؤية إلى موقع التنفيذ ومعمان الفعل الإداري والسياسي اليومي.
ومن معالم هذه الهيكلة وجود 26 وزيرا من وزراء الحكومة الثلاثينية بصلاحيات كاملة، وفي قمر قيادات قطاعات رئيسية، إضافة لأربعة وزراء قطاعيين، أو منتدبين ملحقين بوزارات كبرى، كالميزانية، والثقافة، والثروة الحيوانية، والتخطيط، في مسعى حكومي لضبط الموازنة، وتطوير الاقتصاد، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الخاصة بالسيادة الغذائية.
ماذا بعد الحكومة؟
يمكن وصف إعلان الحكومة الجديدة، واستباق الوزير الأول عثمان سونكو لإعلانها بموقف جازم بأنه حزبه لن يكون ممثلا فيها بعد وصوله المشاورات بينه والرئيس إلى طريق مسدود، بأنه المحطة "الأبرز" ضمن رحلة انتقال "باستيف" من حزب حاكم، إلى حزب معارض، وأن إعلانها سيكون فاتحة "صراع" سياسي قوي ومفتوح على كل الخيارات، وقد لا يحسم بشكل نهائي قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها 2029.
وقد عرفت الأحداث الأخيرة حصول مستوى من التعادل بين طرفي المعادلة، فالرئيس افاي أحكم سيطرته على التحالف الذي أوصله لسدة الحكم 2024، بعد خروج "باستيف" منه، وسونكو استعاد هيبته بالتربع بقوة على رأس السلطة التشريعية، وأثبت ثقته ومصداقيته في صفوف حزبه من خلال التصويت الكبير له في ظل مقاطعة المعارضة للعملية.
ستجد الحكومة الجديدة تحديا حقيقيا في تمرير سياستها العامة أمام البرلمان، وفي المصادقة على الاتفاقيات والقوانين التي تحتاجها في سير عملها في حال تجاوزت "امتحان" السياسة العامة، كما أن عدم انسجامها مع الأغلبية البرلمانية سيجعلها في حالة مشاكسة دائمة، وتنافس سياسي محتدم.
أما في حال فشلت الحكومة في نيل سياستها العامة ثقة البرلمان، فإن ذلك قد يدخل البلاد في مرحلة من انعدام الاستقرار الحكومي، قد يدفع بالرئيس لحل البرلمان فور امتلاكه لهذا الامتياز نوفمبر القادم، وهو ما سيعجل موقعة المواجهة الانتخابية بين "افاي" و"سونكو" من 2029 إلى 2027.
ومع احتدام التنافس، وحجم التنازع، وأدلة الخلاف القوي بين الطرفين، فإن "أمل" التوافق بينهما يبقى قائما، وحبل الود بينهما قد يعود كما كان، في حال تحركت وساطات بينهما، واستثمر سابق العلاقة والتجربة "والعيش المشترك"، لإعادة اللحمة لقادة مشروع سياسي كان الكثير من الأفارقة – بل السنغاليين – يعول عليه في تقديم تجربة سياسية ناضجة، وبناء نموذج حكم إفريقي ديمقراطي شبابي واع ومتحرر من عقدة التبعية والدونية التي حكمت عقول وأذهان النخب الإفريقية المتصدرة خلال العقود الماضية.