جدول المحتويات
ليست الأوسمة الكبرى مجرد قطع معدنية تعلق على الصدور، وإنما هي في كثير من الأحيان رسائل سياسية وأخلاقية تختزل مسارات طويلة من العمل والإنجاز. ومن هذا المنطلق يكتسب حصول فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على أعلى وسام تمنحه المنظمة الدولية للفرنكفونية أهمية خاصة تتجاوز شخص الرئيس لتشمل موريتانيا ومكانتها ودورها في محيطها الإقليمي والدولي.
فالتكريمات الدولية ذات المصداقية لا تمنح عادة استنادا إلى الخطابات والشعارات، بل تبنى على تقييم حصيلة من المواقف والسياسات والنتائج. وعندما تختار منظمة بحجم المنظمة الدولية للفرنكفونية تكريم رئيس دولة بهذا المستوى من التقدير، فإنها في الواقع تقدم شهادة دولية على نجاح نموذج سياسي قائم على الاعتدال والحوار والاستقرار والانفتاح.
لقد استطاع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال سنوات قيادته للبلاد، أن يرسخ صورة موريتانيا بوصفها دولة مستقرة في محيط إقليمي مضطرب، وأن يجعل من التهدئة والحوار منهجا ثابتا في إدارة الشأن العام. ففي وقت انجرفت فيه دول عديدة نحو الاستقطاب الحاد والصراعات السياسية والاجتماعية، اختارت موريتانيا طريق التوافق الوطني وتعزيز السلم الأهلي والحفاظ على مؤسسات الدولة.
ولعل أبرز ما يميز تجربة الرئيس الغزواني أنها قامت على قناعة راسخة بأن التنمية والاستقرار وجهان لعملة واحدة. فالأمن وحده لا يصنع الدول، كما أن التنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة. ومن هنا جاء التركيز المتواصل على تعزيز الأمن، ومواصلة بناء المؤسسات، وإطلاق المشاريع التنموية الكبرى، وتوسيع دائرة الخدمات الأساسية، وإعطاء الأولوية للفئات الهشة والولايات الداخلية التي ظلت لعقود طويلة تتطلع إلى مزيد من العناية والإنصاف.
وفي المجال الأمني، جاءت قيادة الرئيس الغزواني امتدادا لمسار مهني طويل أسهم خلاله في بناء عقيدة أمنية وعسكرية جعلت موريتانيا نموذجا للاستقرار في منطقة الساحل. وقد أثبتت الأحداث المتلاحقة في الإقليم أن الرؤية الاستباقية التي تبنتها الدولة الموريتانية كانت خيارا استراتيجيا ناجحا، مكن البلاد من تجنب كثير من التحديات التي عصفت بدول أخرى.
أما على المستوى الخارجي، فقد نجح الرئيس الغزواني في تكريس صورة موريتانيا كشريك موثوق وصوت معتدل يحظى بالاحترام والتقدير. وقد برز ذلك من خلال حضوره المؤثر في الملفات الإقليمية والقارية، ومن خلال دوره في تعزيز الحوار والتقارب بين مختلف الأطراف، بما جعل الدبلوماسية الموريتانية تستعيد حضورها ومكانتها في دوائر القرار الإفريقية والدولية.
إن قيمة هذا التكريم لا تكمن فقط في كونه وساما رفيعا، بل في كونه اعترافا دوليا بنهج كامل في الحكم والإدارة. نهج يقوم على الحكمة بدل المغامرة، وعلى التوافق بدل الصدام، وعلى البناء الهادئ بدل الضجيج السياسي. وهي خيارات قد لا تصنع عناوين مثيرة في وسائل الإعلام، لكنها تصنع دولا أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة المستقبل.
ومن حق الموريتانيين اليوم أن ينظروا إلى هذا التكريم باعتباره تكريما لبلدهم أيضا؛ لأنه يعكس ما تحقق من حضور واحترام ومصداقية على الساحة الدولية. كما أنه يؤكد أن موريتانيا، بقيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، أصبحت تمتلك من الرصيد السياسي والأخلاقي ما يجعل صوتها مسموعا ومحل تقدير في المحافل الدولية.
إن الأمم لا تقاس فقط بما تمتلكه من ثروات وإمكانات، وإنما كذلك بما تمتلكه من قيادات قادرة على تحويل تلك الإمكانات إلى مشاريع استقرار وتنمية ونفوذ إيجابي. وفي هذا السياق يأتي تكريم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بوصفه شهادة تقدير دولية لرجل اختار أن يقود بلاده بالحكمة والتوازن، فكان طبيعيا أن تتسع دوائر التقدير له في الداخل والخارج، وأن يتحول اسمه إلى عنوان للحكمة والاتزان والرصانة، في محيط إقليمي بالغ التعقيد.