تخطى الى المحتوى
سيد محمد الإمام

جدول المحتويات

يكشف التاريخ السياسي المعاصر أن اللعب على أوتار العواطف الجمعية واستدعاء جراح الماضي مهما كان لونها هو سلاح ذو حدين، حيث يصدق قول الكذاب نيتشه: (من يصارع الوحوش عليه أن يحذر لئلا يصبح هو نفسه وحشا) وبالتالي من يصارع العنصرية عليه أن يحذر من أن يصبح عنصريا.

 

في السياق الموريتاني، مثل استخدام تهمة العبودية وإرثها التاريخي رافعة سياسية قوية، تجلت بوضوح عندما آل مسار حركة الحر إلى قيادة مسعود ولد بلخير، الذي سارع إلى استمالة الشارع الحرطاني بخطاب شعبوي لامس الآمال البسيطة لشرائح واسعة كانت تتشكل آنذاك من الحمالة وعمال المنازل وبائعات الكسكس، اللواتي وعدن بقلب المعادلات الاجتماعية التقليدية، وهو ما يذكرنا بمقولة الفيلسوف أرسطو بأن (الشعبوية هي الفساد الذي يصيب الديمقراطية عندما يعد القادة الجماهير بما لا يمكن تحقيقه).

 

​لكن الزعيم مسعود حفظه الله بحنكة السياسي الرائد الذي أدرك مبكرا أن (السياسة هي فن الممكن) كما يرى بسمارك، تخلص بسرعة من هذا الخطاب الضيق وعاد ليخاطب مجتمع الدولة الكلية بشقيه الأسود والأبيض، مستوعبا أن البناء الوطني لا يقوم على عزل المكونات، ومجسدا مقولة مانديلا: (إذا كنت تريد صنع السلام مع عدوك، فإنه يتعين عليك أن تعمل معه). غير أن استخدامه الأولي للمقاربة اللونية كان قد مهد له الطريق بالفعل لصناعة مكانة سياسية راسخة، وحين تخلى عن حدة ذلك الخطاب، ترك فراغاً كبيراً سرعان ما التقطه النائب بيرام ولد الداه اعبيد، رئيس حزب (الرك) وحركة (إيرا) ولكن بأسلوب أكثر راديكالية وحدة، تطبيقا لمقولة المفكر الفرنسي غوستاف لوبون: (الجماهير لا تقتنع بالبراهين، بل بالشعارات الرنانة).

 

​واليوم، يجد بيرام نفسه في الورطة ذاتها التي واجهها سلفه فبمجرد أن بدأ يتجه نحو الاعتدال والمأسسة السياسية، التي يقتضيها ويفرضها فرضا الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، قفزت شخصيات جديدة مثل مريم جينغ وقامو عاشور على الخطاب الراديكالي الحاد، وبدأتا بسحب البساط من تحت قدميه عبر المزايدة في التشنج العنصري. هذا المأزق يجسد تماما مقولة توماس هوبز بأنه (في غياب سلطة ضابطة، تصبح حياة الإنسان صراعاً للجميع ضد الجميع).

 

​أمام هذا الضغط المتصاعد والمنافسة الشرسة على ريادة الخطاب المتفجر، وجد بيرام نفسه مضطرا للتصعيد اللفظي وحدة أكبر للحفاظ على قاعدته، وهو ما يهدد بوضعه في عزلة سياسية بجناح واحد جناح أسود منغلق في مواجهة استحقاقات الحوار الوطني الشامل. وفي نهاية المطاف، إذا ما اختار رفض الحوار والتقارب الوطني خوفا من خسارة خطابه المتطرف، فإنه سيبدو في نظر الرأي العام بمظهر الشرير الذي يعيق الاستقرار، يقول السيد شكسبير: (الشر الذي يصنعه الرجال يعيش بعدهم، بينما يدفن الخير مع عظامهم) ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الأحدث