تخطى الى المحتوى

العلَّامة ابن أحمد الخديم: مصلح سلاحه الوقت

المختار بن نافع

جدول المحتويات

رزء كبير حلت بالأمة الإسلامية بوفاة الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم؛ العلامة الذي أحيا دارس العلوم تأليفا وتدريسا، والصالح الذي أعاد سمت السلف عبادة وزهدا، نسأل الله أن يحسن فيه عزاء المسلمين عامة وأهل بلدنا خاصة، وأن يجزيه أحسن الجزاء ويجزل له المثوبة الحسنى.

كرس الشيخ رحمه الله شبابه المبكر للتعلم والتخلق سعيا لإصلاح نفسه وتزكيتها، ثم كرس بقية حياته لإصلاح حال الأمة ببث العلم في صدور الرجال، وتأليف الكتب النافعة، وبالإرشاد الاجتماعي والوقوف في وجه الانحراف الذي يطرأ في مختلف جوانب حياة المجتمع.

وقد نجحت جهود الشيخ الإصلاحية بفضل الله ثم بما وهبه الله من صفات المصلح، وفي مقدمتها همته العالية وحرصه على عدم إضاعة الوقت، وهي صفة تحلى بها منذ أيام طلبه للعلم وواظب عليها بتوفيق من الله سبحانه وتعالى بقية عمره فتبارك الله أحسن الخالقين.

يروي فضيلة الإمام أحمد فال بن سيد أحمد بن أحمد يحيى في ترجمته للشيخ المنشورة مع كتابه "مرام المجتدي في شرح كفاف المبتدي" أن فترة طلب الشيخ للعلم "كانت ظروف دراسته صعبة جداً فقد كان الطلبة لا يشربون ـ في الغالب ـ إلا الماء.. ولا يأكلون ـ إن أكلوا ـ إلا الخبز الجشيب، وقد تكون المحظرة من الأهل على بعد 60 كلم والغالب فيه قطعها على الأقدام مع حمل ما تيسر من الزاد.. ورغم ذلك فقد كان مجداً كل الجد في تحصيل العلم.. فكان يسكن في عريش لاصق بالمسجد ولا يخرج منه إلا إلى المسجد... ولا من المسجد إلا إلى العريش.. وربما يلقاه بعض رجال الحي فيسألنه متى قدمت؟ اعتقاداً منه أنه كان غائباً. ومن جِده أنه قرأ ربع الألفية باحمرار ابن بونه ونقله كله مع ما تعلق به من طرر وحواش خلال شهرين فقط!! وهو أمر لا تَرقى إليه رفيعات الهمم" قلت: بهذا الجد والاجتهاد لحق الشيخ بطبقة كبار تلامذة المرابط محمد سالم ابن ألما رحمهم الله مع أنه من أصغرهم سنا

عاش الشيخ رحمه الله عمره المبارك بفضل الله على نفس المنوال، فكان يومه موزعا بين التدريس والتأليف والعبادة ونسخ الكتب، وأذكر في الفترة التي درست عليه فيها -وكانت قصيرة للأسف- أنني شاهدت منه ذلك، فقد كان يذهب وقت الضحى إلى متعبده خارج القرية ويمكث بعض الوقت ثم يجلس للتدريس بعيد الضحى ويبقى كذلك إلى اقتراب صلاة الظهر، ثم يعود للتدريس عند صلاة العصر، وفي أيام عطلة الأسبوع المحظرية (لخميسة) يكرس وقته للكتب مطالعة وتأليفا ونسخا.

وهذا الاقتران بين العبادة والعلم في السلوك العملي للشيخ يعكس اقترانهما النظري في مشروعه الإصلاحي والتربوي، يقول في منظومته البديعة: "نصائح ذوي التشوف إلى طرائق التصوف"

هذا والاستقامة احتاجت إلى

علم فلا تصح ممن جهلا

إذ اجتناب وامتثال قد ينال

بالعلم والتقوى اجتناب وامتثال

 

وإلى جانب هذا المنهج في الإصلاح التربوي كان للشيخ منهج في الإصلاح السياسي لخصه تلميذه فضيلة الإمام أحمد فال ابن أحمد يحي بأنه كان "لا يرى مخالطة سلاطين الجور، ولا ينكر على مخالطيهم"

اهتم الشيخ كذلك بالإصلاح الاجتماعي متخذا من ملكته الأدبية الراقية وسيلة لإنكار المنكرات والحض على الأخلاق الفاضلة ومن ذلك منظومته في تحريم سفور المرأة وخروجها على نحو يخالف الشرع التي يقول في بدايتها:

 

قد حدثت في عصرنا عساكر

تمنع أن تغير المناكر

فكشفت سلمى النقاب عنها

وأظهرت ما كان يخفى منها

ونُظِّمت في نسوة ملائمة

وأُكرمت بها الوفود القادمة

وعلى ذكر مكانته الأدبية أقول إن الشيخ يحق له أن يتمثل قول الإمام الشافعي رحمه الله:

ولولا الشعر بالعلماء يزري

لكنت اليوم أشعر من لبيد

فالشيخ رحمه الله شاعر مفلق بالفصيح -وذلك مما سارت به الركبان- وبالشعبي الحساني؛ ومن ظريف أدبه الحساني التوجيهي "الكاف" التالي الذي يحذر فيه من الانشغال بالهواتف عن الحضور في الصلاة:

اكفل جوال لا تشغل

تو اتصلي عنها بالك

رانك تفتح كبل اتعدل

تسبيح اصلاتك جوالك

رحم الله شيخنا محمد الحسن بن أحمد الخديم فقد أقام الحجة على أهل عصره وأثبت لهم بالدليل العملي أن ما يحكى عن السلف الصالح من علو همم واستغلال للوقت وإنجاز للمهام الكبيرة.. كلها قصص واقعية وأكثر من ذلك يمكن أن تعاد إذا وجدت من يترفع عن السفاسف ويغامر في الشرف المروم!

الأحدث