تخطى الى المحتوى

لعصابة بين شعارات التنمية وواقع المواطن: هل تبدأ التنمية من الإنسان؟

محمد محمد المختار

جدول المحتويات

في كل مرة يفتح فيها الحديث عن تنمية ولاية لعصابة، تتكرر العناوين نفسها: مشاريع، برامج، وخطط تستهدف النهوض بالولاية. لكن التنمية لا تقاس بعدد التصريحات ولا بحجم الشعارات، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية من خدمات وكرامة وظروف عيش أفضل.

 

ومن هذه الزاوية، فإن واقع مدينة كيفه، عاصمة الولاية، يطرح أسئلة مشروعة حول أولويات التنمية وحضور المواطن في صلب السياسات العمومية.

 

فكيف يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بينما يبقى المستشفى الجهوي في مدينة كيفه دون جهاز "اسكانير" منذ أشهر؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن صحته أولوية وهو يضطر إلى قطع مئات الكيلومترات نحو لعيون أو نواكشوط بحثا عن فحص طبي قد يكون حاسمًا في إنقاذ حياته؟

 

إن الأجهزة الطبية ليست كماليات، والمستشفى الذي لا يمتلك الحد الأدنى من التجهيزات لا يستطيع أن يؤدي الدور المنوط به تجاه سكان ولاية كاملة.

 

إن معاناة المواطن لا تتوقف عند أبواب المستشفى، بل تمتد إلى واقع المدينة نفسها. فكيفه، رغم مكانتها كعاصمة لولاية كبيرة، لا تزال تعاني من ضعف واضح في البنية التحتية، ومن أحياء تفتقر إلى الربط الجيد، ومن غياب رؤية عمرانية تمنحها مظهر المدينة الحديثة.

 

ومن المفارقات المؤلمة أن الطريق المؤدي إلى المستشفى، الذي يفترض أن يكون شريانا حيويا للوصول إلى مؤسسة صحية تستقبل المرضى، يمر عبر منطقة سوق تعاني من الاختناق والفوضى. طريق واحد، ضيق ومتعب، يصبح خلال النهار شبه مغلق بفعل كثرة سيارات الأجرة والعربات، فيما يتحول الوضع خلال موسم الخريف إلى معاناة إضافية بسبب صعوبة الحركة والعزلة.

 

أما القطاع الصحي الخاص، فهو بدوره يحتاج إلى وقفة جادة، إذ لا يمكن أن تصبح صحة المواطنين مجالًا للفوضى أو التجارب. انتشار بعض العيادات التي لا تتوفر فيها الشروط اللازمة من حيث المساحة والتجهيزات والمعايير المهنية يطرح سؤال الرقابة والمسؤولية، لأن حياة الإنسان لا تحتمل التساهل.

 

وفي مجال التخطيط الحضري، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية جديدة تعيد للمدينة توازنها. فالتوسع العمراني لا يمكن أن يستمر دون تخطيط، ومدينة بحجم كيفه تحتاج إلى طرق عصرية، وملتقيات منظمة، ومساحات حضرية تواكب نموها وتطلعات سكانها.

 

إن التنمية التي لا تصل إلى المواطن تبقى تنمية ناقصة، والمشاريع التي لا تنعكس على الصحة والخدمات والبنية التحتية تبقى بعيدة عن جوهر التنمية الحقيقي. فالمواطن لا يطلب المستحيل إنه يريد مستشفى مجهزا، وطرقا صالحة، ومدينة منظمة، وخدمات تحفظ كرامته.

 

وهذا الطرح ليس موقفا معارضا لمجرد المعارضة، ولا محاولة لتشويه أي جهد يبذل، بل هو صوت مواطن يريد الإصلاح، ونقد مسؤول يلفت الانتباه إلى مكامن الخلل. فالمجتمعات لا تتقدم بالصمت عن المشاكل، وإنما بمواجهتها بصدق وشجاعة.

 

إن ولاية لعصابة لا تحتاج فقط إلى خطابات عن التنمية، بل تحتاج إلى تنمية يشعر بها المواطن في صحته، وفي طريقه، وفي حيه، وفي تفاصيل حياته اليومية فالمواطن يجب أن يكون نقطة البداية والنهاية في كل مشروع تنموي، لأن أي تنمية لا تضع الإنسان في مركزها تظل مجرد عنوان بلا مضمون.

الأحدث