جدول المحتويات
منذ وصول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، اتخذت السياسة الخارجية الموريتانية منحى يقوم على بناء الثقة، وتوسيع الشراكات، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني. وهي مقاربة قد تبدو هادئة في زمن الصراخ السياسي والاستقطاب الإقليمي، لكنها أثبتت، مع مرور الوقت، قدرتها على إنتاج مكاسب ملموسة.
لم يكن انتخاب الدبلوماسي الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد أميناً عاماً لمنظمة التعاون الإسلامي مجرد فوز دبلوماسي عابر، ولا مناسبة للاحتفاء بشخصية موريتانية وصلت إلى موقع دولي رفيع؛ بل هو، قبل ذلك وبعده، اختبار حقيقي لحجم الرصيد الذي راكمته موريتانيا في علاقاتها الدولية خلال السنوات الأخيرة..
فحين تختار 57 دولة من العالم الإسلامي شخصية موريتانية لقيادة منظمة بحجم منظمة التعاون الإسلامي، فإن الرسالة تتجاوز حدود الشخص إلى الدولة التي ينتمي إليها. إنها تزكية سياسية لصاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني الذي بني لموريتانيا موقعاً متقدما بين الأمم وأن دبلوماسيتها الهادئة أحد مصادر قوتها الناعمة.
ومن هنا جاء الحضور الموريتاني المتنامي في الملفات الإفريقية والعربية والدولية، وصولاً إلى رئاسة الاتحاد الإفريقي، حيث أتيحت للقارة فرصة اختبار قدرة موريتانيا على إدارة ملفات قارية بالغة التعقيد وبناء مساحات للتوافق بين أطراف متباينة.
والأهم أن هذه الدبلوماسية لم تقم على البحث عن الخصوم، بل على توسيع دائرة الأصدقاء والشركاء. فموريتانيا حافظت على علاقات متوازنة مع محيطها العربي والإفريقي، وانفتحت على شركائها الدوليين، وتعاملت مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة بمنطق المصالح الوطنية لا بمنطق الاصطفاف الأعمى.
وفي هذا السياق تحديداً ينبغي قراءة انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد. فالرجل ليس مجرد مرشح موريتاني نجح في سباق دبلوماسي؛ إنه نتاج مدرسة دبلوماسية موريتانية تمتلك خبرة عميقة في إدارة الأزمات والوساطة والتفاوض.
كما أن تجربته الطويلة في الأمم المتحدة، ومهمته مبعوثاً أممياً إلى اليمن، فضلاً عن تجربته الحكومية، تمنحه الأدوات التي يحتاج إليها منصب أمين عام منظمة بحجم منظمة التعاون الإسلامي.
ومن ثم فإن المكسب الموريتاني لا يتوقف عند وصول ولد الشيخ أحمد إلى قمة المنظمة، وإنما يتمثل في أن اسم موريتانيا أصبح مرتبطاً بالكفاءة والاعتدال والقدرة على بناء التوافق. وهذه سمعة لا تُشترى بالمال ولا تُنتزع بالضجيج السياسي، وإنما تُبنى بالمواقف المحسوبة والعلاقات المتوازنة والثقة المتبادلة.
إن انتخاب ولد الشيخ أحمد يقدم، في نهاية المطاف، صورة مكثفة لما يمكن أن تحققه الدبلوماسية حين تتحول إلى سياسة دولة: شخصية وطنية ذات كفاءة دولية، ورصيد متراكم من الثقة، ورؤية رئاسية تقوم على الانفتاح والاعتدال، وبلد يثبت أن النفوذ لا يُقاس دائماً بحجم الاقتصاد وإنما بقدرة الدولة على أن تكون شريكاً موثوقاً وصوتاً مسموعاً ووسيطاً مقبولاً.
وهنا تكمن القيمة السياسية الأهم للحدث موريتانيا لم تصل إلى هذا الموقع لأن العالم الإسلامي احتاج إلى اسم موريتاني فحسب، وإنما لأن اسم موريتانيا أصبح، في لحظة الاختيار، قادراً على جمع مساحة واسعة من التوافق. وتلك في لغة العلاقات الدولية، واحدة من أثمن ثمار دبلوماسية الثقة.