تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

شرعية السلاح

لا طحنا يرى الناس من الجعجعة التي لا تهدأ في لبنان حول المقاومة والدولة، وسيظل المراء قائما ما بقي الصهيوني جاثما على أرضنا بالجوار؛ لذلك لا أرى حاجة في إشراك من لا يريد المقاومة وتقديم ما يلزم في مقارعة المحتل، كما لا أرى حاجة في إشراك من لا يؤمن بدولة على الطريقة اللبنانية في الخضوع إليها. على المقاومة بكل أطيافها أن تطرح بقوة مشروع الانفصال عن لبنان وتأسيس دولة مستقلة تبدأ حدودها من جنوب بيروت فتريح وتستريح. ومن هذا الخط حتى الحدود الفلسطينية المحتلة ليفعل المقاومون ما شاؤوا بدولتهم من أجل المقدسات، وليحوّل المنادون بالسلام مع الصهاينة شطر لبنان المتبقي إلى "سويسرا الشرق".

 

احتكار الدولة في لبنان يشبه احتكار السلاح. ففي الوقت الذي سيطر فيه حزب الله ومن حالفه على قرار الدولة في ما سبق اتهمته الطوائف المعارضة له بأخذ الدولة اللبنانية رهينة لديه، وها هي الطوائف التي كانت معارضة تستخدم الأسلوب نفسه اليوم، في عملية تطييف للدولة مرة لهذا وأخرى لذاك. والواقع أنه من الصعب إذا لم يك من المستحيل أن يجتمع اللبنانيون على المواطنة كأساس للدولة، لأن اللبناني لديه قناعات عابرة للدولة القطرية بصيغتها اللبنانية، ما يعني أن فرض منطق الدولة اليوم عملية لاغية، كما حدث في زمن الوصاية السورية. والدواء المسكن الذي وصفه الأطباء لهذا الداء العضال غير متوفر لدى الصيدليات اللبنانية، وربما يحتاج إلى طلبية من "برا".

 

على السوريين أن يحددوا لأنفسهم الأرضية التي عليها يقفون، ولأية أمة هم ينتمون. ولا يكونوا انتقائيين، لأنهم سيقعون في تناقضات هم عنها مغنون. رفض الإعدام من هيئات دولية كمنظمة العفو يعتبر من مخرجات الحضارة الغربية، وموقف هذه المنظمة متناسق إلى حد كبير مع الثقافة المدسترة عن حقوق الإنسان في تلكم البلدان "المتقدمة". ومن نظّر طويلا للديمقراطية ودعا لاستلهام النموذج الغربي للدولة المعلمنة إلى بلده سورية يصعب عليه اليوم أن يرفع عقيرته عاليا في انتقاد موقف المنظمات الحقوقية الرافض لأحكام الإعدام بحق سفاح كبشار الأسد وزبانيته؛ لذلك أرى أنه من الواجب على السوريين أن يتمايزوا ثقافيا وسياسيا عن المنظومة المعولمة في الإدارة والحكم ويمضوا قدما رافعين رؤوسهم شامخة، فما لديهم من تراث سياسي معتق، يكفي سورية ويفيض بغناه على العالم بأسره.

 

إن السيوف لا بد له من أيد قوية يتسم أصحابها بالحكمة، والحكمة تقول إن الملك عقيم ولا يجتمع سيفان في غمد واحد. وإنه لظاهر للعيان تخوف القبائل الليبية من السلطة إذا ما أعطتها الولاء الكامل ومكنتها من السلاح، وحق لها ذلك شريطة ألا تنازع الأمر أهله بعدما بايعته. ولا ضير بأن تكون للقبائل منعة حينما تحتفظ بسلاحها وتستخدمه في مواضعه الحقة. وبين الاحتفاظ والاستخدام ثقافة شرعية عميقة، تجعل من الكليات العامة للشريعة السمحة نبراسا تهتدي به، وفي طليعتها الوحدة بين المؤمنين لحفظ الدين وسياسة الدنيا به، وحرمة الدم والعرض والمال.

 

شرعية الحكم الحقيقية تستمد من المجاهدة الشرعية لتحرير المقدسات لا من الصفة التنظيمية أو الممارسة السياسية بالأطقم الرسمية. إنه من أكبر المدافن لحقوق الشعوب المسلمة التحاكم إلى صندوق انتخابي، الذي يأتي إليه كل من هب ودب، وكل من خرج لتوه من السبات والبيات. على الإخوة الذين قاتلوا الاحتلال في غزة ألا يقامروا بحقهم في إدارتها بعد كل هذه التضحيات، فليس الحكم كعكة يمكن تقاسمها مع من رضي بأن يكون مع الخوالف، أو قبل بقسمة ضيزى مع الصهاينة على حساب دينه وعرضه ووطنه. ثم ما هذه البدعة المستحدثة في التشريعيات عن نصيب الثلث للمرأة؟ ولماذا الثلث وليس أقل منه أو أكثر؟ نعم للمرأة التي لديها الكفاية، ومن ليست كذلك فلها مجالات أخرى هي بها جديرة، وما أكثرها في الحياة الخاصة والعامة!

 

مناهج المقاومة والتحرير

هذه هي طبائع الاحتلال وطبائع من رضي بالخنوع له، فلم الاستغراب! كانت مناهج الدراسة في العهد الاستعماري للجزائر مفرنسة بالكامل، وكانت تهدف لغسل الأدمغة منذ الصغر. ولكن الأمة كانت حية، وقاومت ذلك بنشر التعليم القرآني في الكتاتيب وفي البيوتات وفي كل زاوية لا تصلها أعين الاحتلال. فمن تعلم فيها نجا، ومن جمع بينها وبين التعليم الفرنسي حُصِّن، ومن اكتفى بالرسمي لا يزال يعاني إلى اليوم من آثار تلك السياسة التربوية المسمومة للاستعمار. ثم كبرت تلك الأجيال وثارت على المحتل وانتصرت. من المهم ألا يفتقد الفلسطيني روح المقاومة ولو كان يدرّس في مدارس الاحتلال الصرفة، القناة البصرية بين المعلم والمتعلم ترسخ في النشء ما لا يرسخه المنهاج. وماذا لو لم يك هنالك كتاب وكانت المناهج مفتوحة؟ أليس فيها فسحة للحرية يفتقدها المعلم إذا ما ألزم بكتاب مرقوم؟ 

 

هنالك غباء متراكب لدى الدول المانحة ولدى الاحتلال أيضا حينما يتدخلون لتغيير هوية شعب يرزح تحت الاستعمار عبر المناهج التربوية وخاصة في هذا العصر، حيث تجاوز وعي المتعلمين بالوسائط الحديثة ما يقدمه الكتاب المدرسي أو المنهاج التربوي. على القيادة الفلسطينية أن تستفيق من سكرة السلطة ومن تأثير المال السياسي. وعلى أحرار فلسطين أن يعلِّموا أبناءهم أن الهوية لا تقبل التغيير والمساومة ولو كلف ذلك التلاميذ أن يتوقفوا عن الدراسة النظامية أو كلف الأساتذة أن يرفضوا الرواتب المسيسة، التي ما هي إلا رشوة لأداء عمالة ضد وطنهم ودينهم، {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا، إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

 

ليس التنكر الدولي لحكومة طالبان وعدم الاعتراف بها مرجعه لملف حقوق الإنسان وخاصة التعليم والمرأة، إن ذلك مجرد شماعة يخفون بها رفضهم لحكم إسلامي أصيل، يعيد شوكة المسلمين كما كانت منذ سقوط دولة الروم وحتى نهاية الخلافة العثمانية، يكفي أن تقرأ تاريخ البشرية عبر ثلاثة عشر قرنا الأخيرة لتدرك نوايا الغرب الحقيقية. 

 

ثم إن تقويم التعليم لا يكون عبر منظمة اليونيسكو، التي تعادي التعليم الديني الإسلامي ابتداء، علينا أن نسأل الأفغان عن شأنهم فهم أدرى بأحوالهم. لقد جرّبت دول إسلامية تعليم المرأة حتى نهايته كما جربت توظيفها في كل الإدارات، فحصلت على امرأة مسترجلة، تتنكر للأسرة ولا تبالي بالأخلاق؛ فقل النسل وارتفعت الشيخوخة في مجتمعات كانت بخير وعافية إلى عهد قريب، وكانت تباهي العالم بنسبة الشباب العالية فيها. وإنه لا السلطات الحاكمة في هذا البلدان ولا المثقفون يجرؤون على مراجعة الحصيلة الفاشلة لهذا الرهان الخاسر، لأنهم يعلمون بأنهم سيرون آيات الله تعالى في الأنفس بجلاء، أنه لا يصلح للنساء غير التعليم الإسلامي في بعده الكفائي.

 

وليس الإسفاف في الخطاب أثناء المحاورة من أدب الكلام، يوجد دائما من لا يملك غير هذه اللغة الوضيعة. وليست بضاعة الكلام المزجاة هذه عندنا نحن فقط، ففي المنصات الإعلامية للدول "المتقدمة" ذباب الكتروني يذب عن قيمه الحضارية أيضا إذا اشتم من الناقد رأيا يخالف ما اعتاد عليه. وعلى كل حال، فجدلية "الرأي الحر والحوار الهادئ"، لها قيمة ذاتية تفرض نفسها تلقائيا على الملقي والمتلقي على السواء؛ بمعنى أن الرأي الحصيف سيلقى متلقيا مقدرا له، وإذا امتلك هذا الرأي عمقا في التفكير فسيجذب إليه عقولا هادئة تحاوره. 

 

والذي يبدو لي أن ما تشتكي منه بعض الكاتبات المشرقيات والمغربيات من "تنمر" الكتروني مجهول له أسبابه، فعندما يخاطب مثقف ما مجتمعا - له عقائد راسخة لها سند من النبوة المعصومة من الخطأ - في قضايا متنوعة محاولا قلب قناعاته أو الطعن فيها فستثور ثائرة الناس تلقائيا، ولكل لغته ساعتذاك في التعبير عن رأيه هدوءا أو غضبا. ولو أن هؤلاء النسوة المثقفات كتبن نقدا موضوعيا في أي مجال من المجالات واحترمن مقدسات القارئ ذي الخصوصية التي ذكرت، فلا أظن بأن أحدا سيظهر لهن ما يهين. ولقد عبرت في حياتنا العقلية نسوة كاتبات حظين باحترام واسع ولا يزلن قدوة تقتدى، كعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ (رحمها الله).

الأحدث