تخطى الى المحتوى

نواكشوط ومحيطها: من المركز العسكري إلى العاصمة الوطنية (1903 – 1975)

محمد سالم ولد لكبار 

جدول المحتويات

مقدمة

يمثل تطور التنظيم الإداري لنواكشوط جزءًا أساسيا من تاريخ تشكل المجال الإقليمي والسياسي لموريتانيا الحديثة، فقد بدأ المكان سنة 1903 كمركز عسكري في ظل الإدارة الاستعمارية الفرنسية، ثم تحول تدريجيا إلى مركز إداري وقسم إداري تابع لدائرة الترارزة، قبل أن يكتسب مكانة جديدة مع اختيار نواكشوط عاصمة للدولة الموريتانية في نهاية خمسينيات القرن العشرين.

 

ومع قيام الدولة الوطنية، فرض النمو الحضري والسكاني للعاصمة إعادة تنظيم مجالها الإداري، فتكرست خصوصيتها بإنشاء منطقة نواكشوط سنة 1968، بالتوازي مع إعادة تنظيم المجال الريفي المحيط بها من خلال إنشاء مقاطعة بيلا سنة 1969، ثم نقل مقرها إلى واد الناقة سنة 1975، ويعكس هذا المسار انتقال نواكشوط من موقع عسكري وإداري محدود إلى عاصمة وطنية ومركز للحكم، كما يكشف عن الجهود المبكرة للدولة الموريتانية لإعادة تشكيل المجال الترابي بما يتلاءم مع نمو العاصمة وعلاقتها بمحيطها الريفي والاجتماعي.

 

أولا: تأسيس المركز العسكري لنواكشوط وبدايات التنظيم الإداري الاستعماري (1903 - 1908)

يرتبط تاريخ التنظيم الإداري لنواكشوط ببدايات الوجود الاستعماري الفرنسي في المنطقة؛ إذ لم تنشأ المدينة، في أصلها، بوصفها مركزا حضريًا أو عاصمة سياسية، وإنما بدأت كموقع عسكري فرضته اعتبارات السيطرة والأمن وتأمين طرق الاتصال داخل المجال الموريتاني، ففي 27 دجمبر 1903، أنشأت السلطات الاستعمارية الفرنسية مركز نواكشوط العسكري، ليكون رابع مركز عسكري تنشئه الإدارة الفرنسية في الإقليم الموريتاني، بعد مراكز كيهيدي وسهوت الماء وخروفه، وتزامن إنشاء هذا المركز مع بداية وضع أسس التنظيم الإداري الاستعماري في الإقليم؛ ففي 16 أكتوبر 1904 صدر أول تقسيم إداري للإقليم الموريتاني، وأنشئت بموجبه مجموعة من الدوائر، منها دائرة الترارزة الغربية، وكان مركزها نواكشوط.

 

غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلا؛ إذ صدر مقرر بتاريخ 26 دجمبر 1905 دمج دائرتي الترارزة في دائرة واحدة، اتخذت من بوتلميت عاصمة لها، وهو ما أعاد نواكشوط إلى وضعية المركز التابع ضمن المجال الإداري للترارزة، وفي سنة 1908 اضطرت السلطات الفرنسية إلى إخلاء المركز نتيجة تصاعد ضربات المقاومة المحلية واستهداف الوجود العسكري الفرنسي، وبعد الإخلاء بقي الموقع مهجورا لعدة عقود، قبل أن تعود الإدارة الاستعمارية إلى الاهتمام به في سياق جديد فرضته حاجات المراقبة الإدارية والأمنية وتنظيم طرق الاتصال.

 

ثانيا: إعادة إنشاء المركز الإداري (1929 – 1947)

شهدت نواكشوط تحولا جديدا سنة 1929، عندما أعادت الإدارة الاستعمارية إنشاء مركز إداري في الموقع، فأصبح تابعا لقسم المذرذرة الإداري ضمن دائرة الترارزة. ويعكس هذا الإجراء عودة نواكشوط إلى الخريطة الإدارية بعد فترة طويلة من الفراغ، ولكن ضمن إطار إداري لم يمنحها بعد مكانة مستقلة، وأُسندت مهام رئيس المركز الإداري إلى الضابط المسؤول عن فرقة الرماة السنغاليين المتمركزين في نواكشوط، بما يكشف عن استمرار التداخل بين الوظيفة الإدارية والوظيفة الأمنية في إدارة المجال آنذاك، وكانت مهام رئيس مركز نواكشوط ذات طبيعة عملية وأمنية في آن واحد؛ فقد كان مكلفا، من بين مهامه، بمراقبة وصيانة الطريق السيارة الرابطة بين نواكشوط وبرجيمات، وذلك بمساعدة العمال الذين يكلف بهم قائد دائرة الترارزة أو المقيم في المذرذرة، كما كان يتولى مراقبة مرور القوافل وتأمين متابعتها، مع الاستعانة بمساعدين وفق الشروط نفسها.

 

وتكشف هذه المهام عن أن أهمية نواكشوط في هذه المرحلة لم تكن مرتبطة بعمران حضري، وإنما بموقعها الجغرافي ووظيفتها في مراقبة طرق الاتصال وحركة القوافل، فضلا عن دورها في إحكام الرقابة الإدارية والأمنية على المجال الممتد بين الترارزة والمناطق الصحراوية، وفي إطار تطور هذا الوضع، صدر المقرر المحلي رقم 1019 بتاريخ 6 سبتمبر 1947، الذي أحدث قسم نواكشوط الإداري التابع لدائرة الترارزة. ويمثل هذا الإجراء محطة مهمة في تاريخ التنظيم الإداري للمدينة؛ إذ انتقلت نواكشوط من مركز إداري تابع إلى وحدة إدارية أكثر وضوحا داخل التقسيم الترابي الاستعماري، وإن ظلت مرتبطة إداريا بدائرة الترارزة.

 

ثالثا: من القسم الإداري إلى العاصمة الوطنية وإقليم نواكشوط (1947 – 1968)

ظل وضع نواكشوط كقسم إداري تابع لدائرة الترارزة قائما خلال المرحلة السابقة للاستقلال، إلى أن أدى اختيارها عاصمة لموريتانيا في نهاية خمسينيات القرن العشرين إلى تحول جذري في مكانتها السياسية والإدارية، فمع قيام الدولة الموريتانية الحديثة، لم تعد نواكشوط وحدة إدارية تابعة لدائرة إقليمية فحسب، وإنما أصبحت مركز الدولة السياسي والإداري، وبدأت مؤسسات الجمهورية الناشئة تتمركز فيها، كما شهدت المدينة نموًا عمرانيًا وسكانيًا متسارعًا، وأدى ذلك إلى ظهور وضع إداري جديد فرض التمييز بين المجال الحضري للعاصمة والمجالات الريفية والاجتماعية المحيطة بها.

 

وتم ذلك بإنشاء بلدية نواكشوط الحضرية، وتبلور هذا الاتجاه بصورة واضحة مع أول تقسيم إداري شامل بعد الاستقلال، بموجب المرسوم رقم 344 - 68 الصادر في 30 يوليو 1968، الذي أنشأ الولايات السبع ومنطقة نواكشوط، وكان إنشاء منطقة نواكشوط خطوة أساسية في تكريس الخصوصية الإدارية للعاصمة؛ إذ أصبحت المنطقة تمثل المجال الحضري لنواكشوط، وشمل نطاقها الجغرافي مجال بلدية نواكشوط الحضرية سابقا، وبذلك انتقلت العاصمة من وضعها السابق كقسم تابع لدائرة الترارزة إلى مجال إداري يتمتع بوضع خاص داخل التنظيم الترابي للدولة.

 

ويعكس هذا التطور التحول الذي طرأ على وظيفة نواكشوط نفسها؛ فقد أصبح من الضروري أن يتلاءم التنظيم الإداري مع حقيقة جديدة تتمثل في وجود عاصمة وطنية حديثة تتجمع فيها مؤسسات الدولة والإدارة المركزية، في حين بقيت المجالات الريفية والتجمعات السكانية الواقعة حولها بحاجة إلى إطار إداري مستقل.

 

رابعا: إنشاء مقاطعة بيلا وإعادة تنظيم المجال الريفي المحيط بنواكشوط (1969)

لم يكتمل إعادة تنظيم المجال الإداري للعاصمة بإنشاء منطقة نواكشوط سنة 1968، وإنما استُكمل بإعادة ترتيب وضع المجال الريفي المحيط بها، ففي هذا السياق، صدر المرسوم رقم 69 - 236 الصادر بتاريخ 4 يوليو 1969، المتعلق بنقل عاصمة مقاطعة نواكشوط إلى بيلا وتعديل حدودها الإقليمية، وبموجب المادة الأولى من المرسوم، نُقل مقر مقاطعة نواكشوط إلى بيلا، وأصبحت المقاطعة تحمل اسم (مقاطعة بيلا)، ولم يكن هذا الإجراء مقتصرا على نقل مقر إداري، وإنما مثل إعادة تعريف للعلاقة الإدارية بين العاصمة ومجالها الريفي.

 

وبعد إنشاء منطقة نواكشوط باعتبارها المجال الحضري للعاصمة، أصبح من الضروري إيجاد وحدة إدارية تتولى الإشراف على المجالات الواقعة خارج النطاق الحضري المباشر. ومن ثم، يمكن فهم إنشاء مقاطعة بيلا باعتباره جزءا من سياسة تنظيمية هدفت إلى الفصل بين المركز الحضري للعاصمة والمجال الريفي والاجتماعي المحيط بها، دون أن يعني ذلك انفصال المجالين من الناحية الوظيفية، كما حرص المرسوم على تحديد الحدود الترابية للمقاطعة الجديدة بالاستناد إلى معالم وخطوط جغرافية وطبيعية وبشرية، بما يضمن وضوح نطاق الاختصاص الإداري، ونص على أن تحديد القبائل والجماعات التي ستلحق بالمقاطعة يتم بموجب مقرر يصدره وزير الداخلية. وهو ما يعكس طبيعة التنظيم الترابي في تلك المرحلة، حيث كانت الاعتبارات السكانية والاجتماعية حاضرة إلى جانب الاعتبارات الجغرافية في تحديد الوحدات الإدارية.

 

ويكشف ذلك عن مرحلة انتقالية في بناء الإدارة الترابية الموريتانية؛ إذ كانت الدولة تعمل على إدماج المجالات التي كانت تخضع بدرجات متفاوتة للأطر التقليدية والاجتماعية ضمن مؤسسات الإدارة الحديثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معرفة دقيقة بالبنية السكانية ومواقع التجمعات والقبائل، ومن هذه الزاوية، فإن مقاطعة بيلا لم تكن تقتصر على تغيير تسمية مقاطعة نواكشوط أو نقل مقرها، بل كانت تعبيرًا عن سياسة ترابية هدفت إلى تنظيم المجال المحيط بالعاصمة في إطار إداري مستقل، في الوقت الذي أخذت فيه نواكشوط نفسها موقعها باعتبارها عاصمة وطنية ومركزا للحكم والإدارة.

 

خامسا: نقل مقر مقاطعة بيلا إلى واد الناقة وتطور الخريطة الإدارية (1975)

لم يكن التنظيم الذي أُقر سنة 1969 نهائيا؛ إذ سرعان ما فرضت التحولات السكانية والعمرانية واتساع مجال الدولة الحاجة إلى مراجعة مراكز الإدارة وحدود اختصاصاتها، وفي سنة 1975، جرى نقل مقر مقاطعة بيلا إلى واد الناقة، فأصبحت هذه الأخيرة عاصمةً للمقاطعة. ويأتي هذا التحول في إطار سلسلة من المراجعات التي عرفها التنظيم الإداري الموريتاني خلال مرحلة بناء الدولة، والتي سعت إلى جعل مراكز الإدارة أكثر ملاءمة للواقع الجغرافي والسكاني والاقتصادي والأمني للمجالات التي تشرف عليها.

 

ولا ينبغي النظر إلى انتقال مقر المقاطعة من بيلا إلى واد الناقة باعتباره قطيعة مع التنظيم الذي تأسس سنة 1969، وإنما بوصفه امتدادًا له وإعادة توزيع لمركز الثقل الإداري داخل المجال الذي كانت المقاطعة تشرف عليه، ومن ثم، فإن تاريخ التنظيم الإداري لنواكشوط ومحيطها لا يمكن اختزاله في مجرد سلسلة من عمليات نقل المراكز أو تغيير أسماء الوحدات الإدارية، بل يمثل مسارًا متدرجًا يعكس تحول المكان من موقع عسكري استعماري إلى مركز إداري، ثم إلى قسم إداري، وأخيرًا إلى عاصمة وطنية ومركز للحكم.

 

وفي المقابل، شهد المجال المحيط بها إعادة تشكيل متواصلة هدفت إلى إيجاد صيغة إدارية تستوعب التحولات السكانية والاجتماعية والجغرافية التي رافقت نشأة الدولة الموريتانية الحديثة.

 

الخاتمة

تشكل الفترة الممتدة من 1903 إلى 1975 مرحلة تأسيسية في تاريخ التنظيم الترابي لنواكشوط، إذ انتقلت خلالها من مركز عسكري ارتبط بالسيطرة ومراقبة الطرق والقوافل إلى مركز إداري، ثم إلى عاصمة وطنية ومركز حضري وإداري للدولة، وعكست هذه التحولات تطور وظيفة المجال وتدرج الإدارة من التنظيم العسكري والأمني إلى بناء هياكل الإدارة الترابية الحديثة، بما رافق ذلك من إعادة تحديد الحدود والاختصاصات ومراكز السلطة.

 

وفي المقابل، أُعيد تنظيم المجال المحيط بالعاصمة وفق متطلبات المرحلة، فانتقل مركز الإدارة من نواكشوط إلى بيلا ثم إلى واد الناقة، في مسار يعكس التمييز التدريجي بين المجال الحضري للعاصمة والمجال الريفي المحيط بها، وهكذا، لم تكن هذه التحولات تغييرات إدارية روتينية، بل شكلت جزءًا من مسار بناء الدولة الموريتانية وتنظيم مجالها الترابي وإدماج سكانه ضمن مؤسسات الإدارة الحديثة.

الأحدث