تخطى الى المحتوى

المواهب الموريتانية: هل يلزم الاغتراب للنهوض بموريتانيا؟

الشيخ أحمد ولد محمد – مهندس - رئيس مصلحة "الدراسات والتطوير" بمؤسسة ميناء خليج الراحة "نواذيبو"

جدول المحتويات

تُعدّ التنمية الاقتصادية من القضايا المحورية التي شغلت ولا تزال تشغل بال المفكرين والباحثين في علم الاقتصاد عبر مختلف دول العالم؛ لكونها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الأفراد والجماعات الساعين إلى تحسين مستويات معيشة رفاهيتهم والعيش بكرامة. وفي هذا السياق، يواجه مجتمعنا تحديات جَسيمة تتعلق بسبل تحقيق تنمية اقتصادية ذات ديناميكية فعلية، مما يثير اهتماماً متزايداً بتوفير عناصر الإنتاج اللازمة لتلك الحيوية. ويُشكل التوافر الكمي والنوعي لهذه العناصر شرطاً شارطاً لتحقيق التنمية الاقتصادية واستدامة النمو. ومن بين هذه «العناصر»، يتجلى على نحو متزايد وزن رأس المال البشري - بغض النظر عن تحصيله المعرفي والخبراتي - باعتباره رصيداً استراتيجياً يتسم بأنه طاقة متجددة، وعنصراً يصعب محاكاته أو استبداله.

 

على غرار العديد من الدول، وجدت موريتانيا نفسها غداة الاستقلال أمام واقع اقتصادي متأزم يطغى عليه الأمية المستشرية، والجهل، وضعف البنى التحتية، فضلاً عن هشاشة الأوضاع الاجتماعية والثقافية، ونقص الموارد المالية والبشرية القادرة على رفع التحدي. ومن هذا المنظر، أولت الدولة عناية خاصة لتنمية الموارد البشرية، ولا سيما من خلال إقرار مجانية التعليم والرعاية الصحية، كما بذلت جهوداً حثيثة لتطوير منظومتها التربوية عبر التخطيط التعليمي، ورصد مخصصات مالية مقدرة لمختلف القطاعات، بغية التوصل إلى مخرجات ذات جودة تسهم في العملية التنموية.

 

إن رأس المال البشري ثروة جوهرية يتعين تثمينها واستثمارها وتوظيفها على النحو الأمثل، وإلا تحولت إلى عبء على الاقتصاد الوطني وعائق أمام نموه. وتؤكد تجارب الدول التي حققت طفرات تنموية واختراقات مشهودة في نهضة مجتمعاتها، أن بعثها الحضاري لم يعتمد حصراً على رأس المال المادي، بل إن تنمية رأس المال البشري وإتاحة الفرص الملائمة للإبداع والابتكار والمشاركة الفاعلة يبدأ من الاهتمام المتزايد بالتعليم، باعتباره الركيزة الأساس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

يشهد العالم اليوم ظروفاً اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية بالغة المعقد، تتفاقم بفعل انتشار الفقر، والتوزيع غير العادل للدخل، والبطالة الهيكلية في العديد من الأقاليم. وقد تزامنت هذه الظروف مع الطفرة المتسارعة في ثورة الاتصالات والمواصلات، مما يسر الحركة الدولية للأفراد التائقين لفرص عمل جديدة وحياة اجتماعية أفضل.

 

تندرج ظاهرة نزيف العقول الموريتانية نحو الدول المتقدمة ضمن حراك هجري ممتد تاريخياً؛ حيث كان البريطانيون أول من صاغ مصطلح «استنزاف العقول» (Brain Drain) حين شهدوا هجرة أعداد غفيرة من مهندسيهم وأطبائهم نحو الولايات المتحدة. وتتعدد العوامل المغذية لهذه الظاهرة: فإلى جانب الاستقرار السياسي والاقتصادي لبلدان المقصد، تبرز البيئة العلمية والعملية والاجتماعية والنفسية المتاحة لرعاياها وللمهاجرين ذوي الكفاءات والإبداع، لا سيما نظام التعويضات المالية المباشرة وغير المباشرة، وتثمين التخصصات والخبرات عبر إسناد الوظائف القيادية للكفاءات الأجدر.

 

غير أن معظم مقومات هذا الإطار المؤسسي لا تزال غائبة في البيئة الوطنية، ومن أبرز أوجه هذا القصور: غياب الأولوية المطلقة للبحث العلمي الذي ترصد له الدول المتقدمة ميزانيات ضخمة، وتدني جودة التعليم العالي مقارنة بالنظم العالمية، وضعف أداء المنظومة الاجتماعية في تجسيد قيم الكرامة الإنسانية، واحترام العمل والوقت، والانضباط التنظيمي. وقد اعتاد بعض نخبتنا الوطنية ممن أتموا دراستهم في الخارج على هذه البيئة المحفزة، غير أنهم يصطدمون عند عودتهم بصعوبة إدماج تلك الممارسات في بيئتهم الأصلية، مما يجعل الهجرة خياراً اضطرارياً لتحقيق الذات والتفتح المهني.

 

مركزية القرار، واستشراء البيروقراطية، والفساد الإداري

في عصر أضحت فيه الكفاءات العلمية والتقنية والمعرفية المصدر الرئيس للتنافسية بين الأمم وسبباً راجحاً للتفوق الحضاري، يشكل نزيف العقول الموريتانية عقبة كؤوداً أمام تحقيق تنميتنا الشاملة. ورغم أن هذه الهجرة قد تبدو في ظاهرها النظري إيجابية للتنمية الاقتصادية - باعتبارها تؤدي مستقبلاً إلى عودة العمالة الماهرة محملة بالخبرات والدربة الفنية لتسهم في بناء اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا - إلا أنها تظل إشكالية معقدة. وتؤكد البيانات الإحصائية في هذا الصدد أن هذه العودة غالباً ما تكون مؤقتة، ولا تتعدى زيارات عائلية أو عطلاً سنوية.

 

وعليه، تظل ظاهرة نزيف العقول من أخطر التحديات التي تواجه البلد، حيث يعجز الاقتصاد الوطني عن استغلال طاقاته البشرية وعقوله المبدعة بالوجه الأمثل نتيجة الهجرة نحو بلدان توفر شروط دراسة ومعيشة ملائمة. ولا يعني ذلك أن الاستثمار في الإبداع والفكر ليس هو المحرك الفعلي للنمو والازدهار الاقتصادي وتحسين مؤشرات التنمية المستدامة، بل يؤكد أن الإنسان هو جوهر التنمية وغايتها. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن مسار التقدم يتأثر مباشرة برأس المال البشري كماً ونوعاً؛ فكلما ارتفعت مؤهلات هذه الموارد في مختلف المجالات، غدت محركاً لتقدم البلاد، والعكس بالعكس.

 

إن الهجرة الكفاءاتية ستستمر في التفاقم ما لم تتبنَّ الدولة استراتيجية واضحة للحد من تسرب مواهبها إلى الخارج، تبدأ بالتشخيص الدقيق للدوافع الطاردة قبل الشروع في معالجتها. وستعمل هذه الاستراتيجية على تحويل نقاط الخلل إلى حوافز للعودة، أو على الأقل اتخاذ تدابير لتثمين هذه المواهب حتى وهي في المغترب.

 

ومن أهم هذه التدابير، بحسب تقديري:

تفعيل دور الأفراد في خدمة أهداف التنمية الوطنية، وتحسين بيئة العمل وتوفير آفاق مهنية محفزة ترتقي بالرضا الوظيفي وتُعزز الانتماء الوطني.

إيجاد مناخ عام جاذب يضمن احتفاظ البلد بالكفاءات المحلية ويحد من النزعة المادية الطاغية.

حصر الاستعانة بالخبرات الأجنبية في حالات النقص الحاد في الكفاءات الوطنية.

اعتماد التحويلات المالية للمغتربين وقدراتهم العلمية والإبداعية كأحد المصادر الرئيسة لتمويل التنمية ودعمها.

إشراك الكفاءات المهاجرة عن بُعد عبر تبادل الخبرات والاستثمارات، وهو ما يتطلب تحديث الإطار المؤسسي والتنظيمي لإدارة هجرة العمالة الماهرة.

تحديث قاعدة البيانات الخاصة بأعداد ونوعية الكفاءات الموريتانية المهاجرة وأوضاعها في الخارج.

الرفع من مستوى الوعي بدورهم التنموي وكيفية تفعيله بما يخدم المصالح المشتركة، من خلال تطوير شبكات تواصل قادرة على صون وتغذية روامز الارتباط بالوطن، لتحفيزهم على الإسهام الفاعل في نهضته.

الأحدث