تخطى الى المحتوى
 بقلم المهندس بابه يعقوب أربيه

جدول المحتويات

صراحة، لم تكن طفولة ديدي بتلك البرجوازية التي يعيشها أطفال الآن.

 

لطالما انتظر دوره في مباريات ضربات الجزاء التي كانت تقام في الشارع حتى الثانية والنصف ظهرا، ولطالما سابق أمواج السراب في هجير بتلميت حافي القدمين، لكنه، والحق يقال، كان سعيدا بتلك الخشونة البريئة.

 

ثم تتابعت الأيام والليالي، فانتقل صاحبنا فجأة من الطفولة إلى سن الأربعين.

 

ورغم أن الطفل الأربعيني بارع، حسب قول أساتذته وزملائه، في الرياضيات، فهو يكره الرقمنة، ولولا ضغوط لا يحب صاحبنا الكشف عنها، لما استخدم أي تطبيق بنكي من التطبيقات التي غزت نواكشوط مؤخرا، تماما كما غزتها السيارات المستعملة، وخيام البوادي، وعربات التكتك.

 

المهم أن ديدي تلقى قبل أيام مبلغا ليس بالطائل عبر تطبيق بنكي، ليس من اختياره. ولأن أزمة مضيق هرمز أثرت في نواكشوط أكثر من طهران والمنامة، كان من البديهي أن يخرج ديدي في رحلته الصباحية بحثا عن البنزين.

 

رقصت إبرة مؤشر البنزين، ودارت عقارب الساعة، ثم صار الوقت ظهرا!

 

وأخيرا وجد ديدي محطة تبيع البنزين، فانتظم في الطابور دون انزعاج، لأنه معتاد على طوابير الكرة في شوارع «الكود».

 

لكن نصف مفاجأة كان بانتظاره!

 

عندما حان دوره للتعبئة، أخبره عامل المحطة، بوجه عابس وبقرار نهائي، أنهم لا يستخدمون التطبيق المالي الذي بحوزته، وبالتالي عليه أن يدفع «كاش» أو بواسطة تطبيق آخر ذكره العامل بكل فخر.

 

كانت نصف مفاجأة فقط، لأن ديدي معتاد نوعا ما على أن يمنعه أحد صعاليك «الدنكة» أو «الكود» من اللعب رغم توفره على حق اللعب.

 

عادت إبرة مؤشر البنزين إلى رقصها الغاضب، واشتد اصفرار الإشارة، أو هكذا خُيّل إلى ديدي، ثم بدأت دورة البحث عن إحدى ممثليات التطبيق البنكي الذي رفضه العامل آنفا.

 

كل ممثليات التطبيق إما مغلقة، وإما لا تتوفر على شبكة الإنترنت.

 

وأخيرا خارت قوى الإبرة المسكينة، فتوقفت السيارة بعد هزات وسكرات، في مكان مناسب نوعا ما، ريثما يجد صاحبنا حلا لمشكلة البنزين.

 

كانت هناك سيدة ستينية لم تستسلم بعد لمغادرة عمر الشباب، تماما كما لم يستوعب بعض كبار الموظفين أهمية التقاعد.

 

ربما كانت السيدة طيبة، أو هكذا فكر صاحبنا، حين قبل عرضها بأن يحول المال إلى حسابها في التطبيق نفسه، على أن تحول له المبلغ ذاته إلى حسابه في التطبيق الذي طلبه عامل المحطة.

 

وفعلا نجحت العملية.

 

لكن الكهرباء المقطوعة منذ يومين عن قرية نواكشوط المليونية بدأت تلقي بظلالها على هاتف ديدي، الذي بدأ يغمز بعيون حمراء.

 

أحد سائقي التكتوك نصح ديدي بأخذ «قتينة» خاوية من فئة خمس لترات، والتوجه بها إلى المحطة القريبة، ثم العودة بها إلى سيارته.

 

بدا الحل عمليا، لولا أن عامل المحطة رفض بيع البنزين إلا لمن أتى بسيارته.

 

ورغم أن السيارة كانت في مرمى نظر الجميع، مارس العامل نصيبه من البيروقراطية، تلك التي تعتبر من أعدل الأمور قسمة في هذا الوطن؛ فمن البواب إلى المناصب العليا، هناك علاقة موروثة من المستعمر بين المواطن والإدارة.

 

اقترب العصر، وبدأ الطفل الأربعيني يشعر بالدوار وآلام في الرأس، ومن أجل ذلك أوقف ديدي تاكسي متجها إلى المنزل.

 

وقبل أن يسأله عن أي تطبيق يستخدم، توقفت بطارية هاتف ديدي عن العمل.

 

كان صاحب الدكان المجاور لمنزل ديدي من ضمن الركاب، فعرض أن يدفع عنه أجرة التاكسي. وبعد ساعة إلا ربعا من الزحام البشري داخل التاكسي، نزل صاحبنا مع صاحب الدكان عند دكانه.

 

والحق يقال، كان يمكن اختصار تلك الساعة إلا ربعا في ربع ساعة فقط لو كانت هنالك طرق وشوارع حقيقية.

 

استراح ديدي في دكان الحي، وشحن هاتفه من «الباور بانك»، ثم عاد إلى المنزل.

 

كانت الكهرباء قد بدأت تعود بخجل.

الأحدث