تخطى الى المحتوى

من نقد السياسات إلى محاكمة النوايا: في الأسس المعرفية والاجتماعية لتُهمة النفاق

لبروفيسور/ محمدو لمرابط اجيد - أستاذ جامعي

جدول المحتويات

في كلِّ سِجالٍ عموميٍّ عندنا كلمةٌ تُسَلُّ من غِمدها قبل أن تُسَلَّ الحُجّة: «منافق»، «متملّق»، «مطبِّل»؛ تُرمى بها من أعلن تأييدًا، أو أثنى على مُنجَزٍ رآه بعينه، أو دافع عن سياسةٍ ببرهانٍ يملكه، فتُغني قائلَها عن عناء الردّ، وتُخرج خصمَه من دائرة النقاش قبل أن يدخلها.

ولستُ أكتب هذا من موقع الحياد المُدّعى؛ فأنا أرى التأييدَ المُعلَّل موقفًا مشروعًا كالمعارضةِ المُعلَّلة سواءً بسواء، وأنّ ما يفصل كلًّا منهما عن رذيلته هو الحُجّة لا الشعار. 

لكنّي أزعم أنّ هذه الظاهرة ليست مصادفةً في القول، بل لها جذورٌ ضاربةٌ في اللغة، وفي النفس، وفي اجتماعنا السياسيّ واقتصاده، وأنّ تشريحها أنفعُ من الاشتباك معها.

وأوّلُ ما يُلاحَظ أنّ التهمة تقوم على خلطٍ مُريح؛ فالنفاق في أصله حُكمٌ على السرائر: إظهارُ ما يُبطَنُ خلافُه، وهو لذلك من عِلم الله وحده، ولهذا لمّا قتل أسامةُ بن زيدٍ رجلًا في الحرب بعد أن نطق بـ«لا إله إلا الله»، ظنًّا منه أنّها تقيّةٌ وخوفٌ من السيف، قال له النبيّ ﷺ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟»؛ وما أشدَّ حاجتَنا اليوم إلى هذه الكلمة. 

ثمّ إنّ علماءنا — كابن بطّالٍ والقرطبيّ وابن حجرٍ — فرّقوا بدقّةٍ بين المُداراة والمُداهنة، فقالوا: المداراةُ بذلُ الدنيا لصلاح الدين، والمداهنةُ بذلُ الدين لصلاح الدنيا؛ وبينهما مسافةٌ لا يقطعها هُتاف، أمّا التأييد السياسيّ فليس من هذا الباب أصلًا، إذ هو رأيٌ في سياساتٍ عامّةٍ يُقاس بالدليل والنتيجة، لا بالضمير المستور. 
وأوّلُ ما يفعله الخطابُ الاتهاميّ أنّه يُذيب هذه الحدود الأربعة في كلمةٍ واحدة، ليكسب بالمصادرة ما عجز عن كسبه بالمناظرة.

ولهذا الاختصار سببٌ بسيطٌ لا يليق أن نُغفله: أنّه أرخص؛ فمناقشةُ برنامجٍ تُكلِّف قراءةً وأرقامًا ومقارنةً واعترافًا بما نجح، أمّا اتهامُ صاحبه في نيّته فينتهي في سطرٍ واحد، وهو ما سمّاه المناطقةُ «مغالطةَ الشخص» و«مغالطةَ الدافع»: الانتقالُ من تقويم القول إلى اتهام قائله، أي مهاجمةُ صاحب الحجّة بدل تفنيد الحجّة نفسها، حتى إذا ثبت سوءُ الرجل صار قولُه باطلًا بالتبعية. 

وأخطرُ ما في هذه المغالطة أنّها لا تقبل الدحض؛ فكلُّ دفاعٍ يُقرأ دليلَ إدانة، وكلُّ صمتٍ يُقرأ اعترافًا، ومن المعلوم بداهةً أنّ ما لا يمكن تكذيبه لا يمكن أن يكون حُجّة، وإنّما هو سِحرٌ لفظيٌّ يُخفي وراءه فراغًا.

على أنّ رُخصَ التهمة لا يُفسّر وحده ما يصحبها من حرارة؛ فالمقتصدُ في جهده يصمت ولا يصيح، ووراء كثيرٍ من هذا الصياح كيمياءُ نفسٍ دقيقة، سمّاها (نيتشه) ومن بعده (ماكس شيلر) «الضغينة»، وحاصلُها أن يَقصُر المرءُ عن غايةٍ بلغها سواه، فيُعيد ترتيب العالم على مقاس عجزه، ويجعل من حرمانه فضيلةً ومن إخفاقه شهادةَ نزاهة؛ فهو لا يقول «لم يُفتَح لي الباب»، بل يقول «إنّي أرفعُ من أن أطرقه»، وبهذا الانقلاب الصغير يستحيل البقاءُ خارج الدائرة صكَّ طهارة، ويصير كلُّ من في داخلها متّهمًا لمجرّد أنّه فيها. 

ويشدّ من هذا ما قرّره (ليون فستنجر) في «التنافر المعرفي»، من أنّ النفس تضيق بالمسافة بين صورتها عن ذاتها وبين واقعها فتُسارع إلى ردمها بأيسر ما تجد؛ ومن راهن على سقوطٍ لم يقع، أو خرج من دائرة القرار وهو يعدّها حقًّا له، لم يجد أمامه غير طريقين: مراجعةُ الرهان وهي موجعة، أو تخوينُ من بقي وهي مريحة، فيختار الأيسر. 

وهكذا يتبيّن أنّ أشدَّ التهم حِدّةً ليست في حقيقتها حُكمًا على الآخرين، بل صُلحًا داخليًّا يعقده الرجلُ مع نفسه بلسانٍ مشهورٍ على غيره.

ويُعين على هذا الانزلاق ميلٌ تلقائيٌّ في الإدراك يسمّيه علمُ النفس الاجتماعي «خطأ الإسناد الأساسي»، ومؤدّاه أنّنا نردّ مواقفنا نحن إلى المبادئ والظروف، ونردّ مواقف غيرنا إلى الطباع والمنافع؛ فتأييدي قناعة، وتأييدُ سواي صفقة. وهو ميلٌ لا يشترط سوء الطويّة، ولذلك كان أخطر؛ لأنّ صاحبه يجري عليه وهو يحسب نفسه من أعدل الناس. 

فإذا أضفتَ إليه ما بيّنه (هنري تاجفل) من أنّ المرء يستمدّ قيمة نفسه من رجحان جماعته، وما سمّاه (دانيال بار-تال) «نزعَ الشرعية» — وهو أن تُلصق بالخصم صفةً أخلاقيةً هابطة تُخرجه من عداد من يُحاوَرون — استبان لك كيف يهاجر الخلافُ من ميدان السياسات إلى ميدان الذِّمم، وكيف تُوصَد بعد ذلك أبوابُ التسوية كلُّها؛ إذ المختلِفُ في الرأي يُقنَع، أمّا المتّهمُ في ذمّته فلا يُجالَس.

ثمّ إنّ للمسألة وجهًا آخر أبردَ وأدقَّ حسابًا، فمن قواعد (بيير بورديو) أنّ لكلّ حقلٍ اجتماعيٍّ رأسمالَه الرمزيّ الذي يتنافس عليه أهلُه؛ وحيث تكون صفةُ «المعارض» أو «المستقلّ» رصيدًا معنويًّا نادرًا تُشترى به الوجاهة، يغدو رميُ الآخرين بالنفاق أداةَ تمايزٍ واحتكارٍ للفضيلة، وصيانةً للمسافة التي منها يستمدّ الرامي قيمتَه. وبلغةٍ أكثر عُريًا: هو سلوكٌ ريعيٌّ محض، إزاحةُ منافسٍ عن سوقٍ ضيّقِ المقاعد بالطعن في بضاعته بدل تجويد البضاعة. وتحت هذا كلّه تعمل بنيةٌ نبّه إليها ابن خلدون منذ قرون، حين جعل العصبيةَ سابقةً على البرنامج في اجتماعنا السياسي؛ فحيث تتشابك شبكاتُ القرابة والجهة والزبونية، يصير الحكمُ الأخلاقيّ ذيلًا للولاء: المؤيّد من قومي «مُخلص»، والمؤيّد من غيرهم «منافق»، والفعلُ واحد، وإنّما اختلف النَّسب.

ويبقى سببٌ هو ألطفُها مسلكًا وأخفاها أثرًا: الإسقاط. فمن أسرف في المديح بالأمس يطلب اليوم براءةً عاجلة، وليس إلى تحصيلها سبيلٌ أقصرُ من أن يعلوَ صوتُه في تخوين المادحين؛ فكثيرٌ ممّا نحسبه غيرةً على الحقّ إنّما هو سيرةٌ ذاتيةٌ تبحث عن كفّارة، ورجلٌ يرمي الناس بما يعرفه من نفسه.

وليس ضررُ هذا السلاح مقصورًا على من يقع عليه. فأوّلُ ضحاياه الكلمةُ ذاتها؛ إذ متى صار كلُّ مؤيّدٍ منافقًا لم تعد الكلمةُ تُفزع منافقًا حقيقيًّا، وذلك تضخّمٌ لغويٌّ يُسقط قيمة العملة فلا تُجدي يوم الحاجة إليها. وثانيها أهلُ الاختصاص، فقد وصفت (إليزابيث نويل-نيومان) ما سمّته «حلزون الصمت»، وهو أن يبتلع المرءُ رأيه خشيةَ العزلة؛ فينكفئ الكفءُ عن قولٍ نافعٍ لئلّا يُقال فيه ما قيل في غيره، فتخسر البلادُ أصواتًا هي أحوجُ ما تكون إليها. 

وثالثها النقاشُ العامّ نفسه، إذ يستحيل محاكمةَ نوايا لا فحصَ سياسات، ويُنسى في الزحام السؤالُ الوحيد الذي يعني الناس في بيوتهم: هل تحسّنت حياتُهم أم لا؟

ولستُ في هذا كلّه أُنكر وجود التزلّف أو أُبرّئ منه أحدًا؛ فهو داءٌ قديمٌ في بلاط كلّ سلطان، ذمّه الشرعُ وأدبُ العرب قبل أن تذمّه منابرُنا. 

لكنّ الفصل بين التأييد والتملّق يُدرَك بموازين ظاهرةٍ لا بادّعاء علمِ الغيب: أن تنظر في اتّساق الرجل قبل الحظوة وبعدها، وفي قدرته على المخالفة في مسألةٍ واحدةٍ على الأقلّ — فمن عجز عنها فولاؤه لشخصٍ لا لفكرة — وفي لغته أيُحاجّ بالأرقام والوقائع أم يكتفي بالنعوت والأوصاف، وفي توقيت موقفه أثابتٌ ساعةَ الشدّة أم هاتفٌ ساعةَ الرخاء، وفي استعداده لأداء ثمن رأيه؛ فمن دفع الثمن فقد ملك الرأي. موازينُ في متناول كلّ ذي عينين، وهي أشرفُ من أن نتقاسم التهم جملةً واحدة.

وليس المطلوب في آخر المطاف أن نُحسن الظنّ بكلّ مادح، بل أن نُحسن الحُكم؛ أن نناقش القولَ لا القلب، والسياسةَ لا السريرة. فما نهضت أمّةٌ بمن يُجيد اتهام النيّات، وإنّما تنهض بمن يُجيد فحصَ النتائج. ومتى صار الاتهامُ أرخصَ من الحُجّة خسر الفريقان معًا: يخسر المؤيّدُ حقَّه في أن يُسمَع، ويخسر المعارضُ — وتلك أدهى وأمرّ — مصداقيةَ نقدِه يومَ يكون على حقّ.

الأحدث