جدول المحتويات
أعدت بلادنا خطة استراتيجية للقطاع المينائي تُشكل إطاراً متكاملاً لإيجاد حلول ناجعة للاحتياجات المعبَّر عنها على كافة المستويات: الوطنية والإقليمية والمحلية والقطاعية. وتتميز هذه الاستراتيجية بارتكازها على اعتماد الموانئ الموريتانية كرافعة اقتصادية تتماشى مع التوجهات العالمية، وتحويلها إلى محطات محورية لا غنى عنها على طرق الملاحة البحرية الدولية. كما تتفرد بتبني خطة استثمارية تأخذ في الحسبان القدرات التمويلية المتاحة وتحدد الأولويات بدقة، وتجعل من الأطراف المعنية شركاء فاعلين في صياغة الخيارات، ومن الموارد البشرية دعامة أساسية لتحقيق الكفاءة اللازمة لتنفيذ المشاريع بالجودة السرعة المطلوبة.
تُعد الخطة الاستراتيجية للقطاع المينائي إطاراً استشرافياً وشاملاً ومترابطاً للتنمية المتوازنة للموانئ، ومرجعاً مشتركاً بين كافة الفاعلين في القطاع. وهي تأخذ بالاعتبار الاستراتيجيات القطاعية كافة، وتحدد الرؤية الاستراتيجية والأهداف والآليات المعتمدة لتحقيقها، كما تتناول خطة التطوير المينائي المقترحة.
تلبية الطلب المتزايد
استناداً إلى خبرتي الممتدة لاثنين وعشرين عاماً كمهندس خبير في هذا المجال، ورئيساً لمكتب الدراسات "B.E.MEGELEC"، ترتكز رؤيتي المينائية على استراتيجية تنموية طموحة تتوافق مع سياسات إعداد التراب الوطني وحماية البيئة، من خلال إرساء أقطاب مينائية تنخرط كلياً في خيار تطبيق اللامركزية وتنمية الأقاليم.
وكانت لي فرصة تقديم تقرير مفصل لرئيس الجمهورية عام 2011 حول هذه الرؤية المينائية، أوضحت فيه الأهمية القصوى للنهوض بهذا القطاع الحيوي، ولا أزال في انتظار اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه. يضم القطاع المينائي العديد من الموانئ المفتوحة أمام التجارة الخارجية، وثلاثة موانئ للصيد البحرية، ومرفأين للصيد التقليدي، وستة موانئ للأنشطة الترفيهية. ويبلغ الحجم الإجمالي للنشاط المينائي مئات الملايين من الأطنان، مع تسجيل أكثر من ثلاثين ألف عملية إرساء للسفن. وقد تطلب إعادة تأهيل القطاع خلال العشرية الماضية تخصيص استثمارات سنوية تتجاوز مائتي مليون دولار. وخلال هذه الفترة، سجل الطلب على الخدمات المينائية والتدفقات التجارية نمواً مستقراً بمتوسط 6% سنوياً، بفضل سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتبعة في سياق يضمن اندماج الاقتصاد الموريتاني في المنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وفي هذا الصدد، يجدر بالذكر وجود عوامل أخرى تسهم في زيادة الطلب، أبرزها الاستراتيجيات القطاعية المعتمدة، والقرب الجغرافي من أوروبا الذي يتيح فرصاً للتبادل الحر وانسيابية حركة الصناعات والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى تبلور مفهوم "المحاور اللوجستية" (حاويات وبضائع صلبة)، وانفتاح الاقتصاد الموريتاني على العالم. تتيح هذه العوامل فرصاً واعدة على المستويين الوطني والخارجي، مما يتطلب استثمارات ضخمة وتخصيص مساحات واسعة لتطوير الموانئ. ومن أهم الاستراتيجيات القطاعية المحفزة للطلب: استراتيجيات الطاقة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والصيد الشاطئي، والسياحة.
أثر السياسات الاستراتيجية على الإنتاج
إن أثر هذه السياسات والاستراتيجيات على الإنتاج والاستهلاك، إلى جانب استغلال الفرص المتاحة، سيؤدي إلى تسارع وتيرة الطلب على الموانئ بحلول عام 2030. وتزداد هذه الوتيرة بفعل نشاط الصيد في الأعالي والأنشطة الترفيهية التي تشهد نمواً ملحوظاً. وأمام هذا الطلب المستقبلي القوي، الذي قد يحقق رقماً للمبيعات يستوفى منه أكثر من ثلاثمائة مليون دولار سنوياً، يُصبح من الضروري ضمان جودة الخدمات المقدمة وتحسين أداء وكفاءة الحركة المينائية لضمان الاستجابة السريعة والدقيقة للمنظومة.
ستشكل التطورات المسجلة والتحولات المرتقبة في توجيه المجالات المينائية الملامح الأساسية للمنظومة المينائية خلال العقدين القادمين. بيد أن هذه التحولات يجب أن تراعي العلاقة المتناغمة بين المدينة والمرفأ. وبناءً على رؤيتي الفنية وخبرتي الميدانية، يتوجب على الاستراتيجية المينائية تبني مقاربة جديدة لتحسين الأداء وتعزيز التنافسية. هذه الرؤية، التي انطلقت مع بدء إصلاح المنظومة المينائية، يجب أن تتضمن خلق قيمة مضافة لجميع الفاعلين في القطاع، وتنافسية الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية للمناطق المختلفة وفق متطلبات التنمية الجهوية. واستناداً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، تطمح بلادنا إلى تبوؤ مركز طليعي في سوق المسافنة عبر المحيط الأطلسي واستغلال الفرص المتاحة في المنطقة.
تهدف السياسة المينائية المقترحة إلى الاستجابة المتزامنة للمتطلبات الاقتصادية والسياسية، عبر تلبية الطلب على الموانئ والمساهمة في تحقيق الأهداف الوطنية، والتي تتجلى أساساً في تثمين المزايا التنافسية، وتحصيل حصة عادلة من التبادل التجاري عبر المحيط الأطلسي، والإسهام في إرساء التوازنات الجهوية ودعم الديناميكية الاقتصادية.
الاستراتيجية المينائية للعقود القادمة
ترتكز هذه الاستراتيجية على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وطنياً وإقليمياً بما ينعكس إيجاباً على كافة الأطراف المعنية. وتتجسد هذه المساهمة في توفير بنيات تحتية ومنشآت وخدمات مينائية وفق المعايير الدولية، وتحسين الفرص وخلق قيمة مضافة للفاعلين الاقتصاديين وللمواطنين، مع الالتزام بمعايير الاستغلال المسؤول والمسؤولية البيئية المستدامة.
تستند الاستراتيجية المينائية على محاور رئيسية سبعة:
- السعي لتحسين الأداء عبر تشجيع الابتكار.
- تطوير الأداء اللوجستي.
- التثمين الأفضل للبنى التحتية المينائية.
- التموضع الفعال في السياق الوطني والإقليمي والدولي.
- الاستفادة من الدور الهيكلي للموانئ.
- دمج الأهداف البيئية والحضرية منذ مرحلة تصميم المشاريع الاستثمارية.
- القدرة على التكيف مع المتغيرات طويل الأمد.
تعتمد هذه الاستراتيجية أيضاً على تسعة أقطاب مينائية تسهم في إرساء تنمية جهوية استراتيجية تدور حول ميناء محوري كبير يلعب دوراً رئيسياً في التهيئة الترابية وتنفيذ الاستراتيجيات القطاعية، في حين تضطلع الموانئ الأخرى بأدوار تكاملية أو تخصصية. وسيتغير المظهر العام لكل قطب خلال العقدين المقبلين بحسب مهامه الخاصة.
إن إنشاء البنى التحتية المينائية خلال العشرين سنة القادمة يتطلب استثمارات مالية ضخمة؛ وسيعتمد التوافق بين طموحات الاستراتيجية المينائية والطلب المتزايد على التنفيذ التدريجي لهذه الاستثمارات وفق أولويات محددة مسبقاً وتوجهات تضمن الاستجابة التكيفية المتناسبة مع المتطلبات الجديدة للموانئ.
يتوزع البرنامج الاستثماري بين تمويل المشاريع الاستراتيجية الأساسية لرسم مستقبل المنظومة المينائية، أو تمويل مشاريع هامة يمكن تأجيلها لحين توفر الظروف المناسبة، أو تمويل مشاريع مرتبطة بفرص استثمارية أو صناعية تحيط بها بعض الشكوك. وتُمول هذه الاستثمارات من طرف الدولة، أو الهيئات المينائية، أو الفاعلين القطاع الخاص عبر عقود الامتياز أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
يعتمد تنفيذ الاستراتيجية المينائية المقترحة على الارتكاز على التخطيط المرن والمنفتح بدلاً من التمسك ببرنامج استثماري صلب ممتد على عشرين عاماً. وخلال مرحلة التنفيذ، يتم تعديل البرامج الاستثمارية وملاءمتها مع تطور الاستراتيجيات القطاعية الوطنية والدولية، واستراتيجيات الفاعلين، وتغيرات الطلب الفعلي على الموانئ، بما يضمن لبلادنا الاستغلال الأمثل للفرص المتاحة.
خاتمة
لكي تكون الاستراتيجية المينائية ذات طابع عملي، يجب أن تتوفر السلطات العمومية على أداة تتبع ومراقبة تمكنها من تحديد التوقيت المناسب لإنجاز الاستثمار والتحضير الملائم له. ويسري هذا على كل ميناء في إطار رؤيته طويلة المدى ضمن المنظومة المينائية الموريتانية. ولهذا الغرض، تعتمد هذه الأداة على مسارات استثمارية تغطي خيارات متعددة للاستجابة للطلب عندما يصبح العرض غير ملائم، كما تستند إلى مؤشرات إنذار مبكر تتيح للحكامة المينائية الاستباق والتنبؤ بتطورات الطلب.