تخطى الى المحتوى

حراك النخب في كيفه: بين المبادرة المشروعة والاستعجال السياسي

الدكتور سيدي محمد محمد عبدي - أستاذ القانون والفقه المقارن

جدول المحتويات

تتقدم الأوطان حين تتقدم فيها المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وحين تتحول المنافسة السياسية والاجتماعية إلى تنافس في خدمة المواطن، لا إلى صراع على النفوذ والمواقع.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الحراك الذي شهدته مدينة كيفه، وما أثير حول مشاركة بعض الفاعلين السياسيين والحزبيين فيه، يستحق وقفة متأنية؛ لا من باب تخوين أحد أو اتهامه، وإنما من باب التساؤل عن التوقيت والدوافع والنتائج.

 

فالسؤال ليس فقط: ماذا تريد هذه النخب؟ وإنما: لماذا الآن؟ ومن المستفيد من هذا الحراك؟ وهل يخدم المصلحة الوطنية أم يسبق الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية؟

 

التوقيت جزء من السياسة

لا خلاف في حق المواطنين والنخب في التعبير عن آرائهم والمطالبة بما يرونه إصلاحا، ما دام ذلك في إطار الدستور والقانون.

 

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المبادرات إلى وسيلة للضغط أو فرض مواقف مسبقة، في وقت تستعد فيه البلاد لحوار وطني يفترض أن يناقش القضايا الكبرى التي تعيق مسيرة التنمية والاستقرار والوحدة الوطنية.

 

وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

 

وهي قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار والمواقف، خصوصا عندما تكون لها آثار على المجتمع والعلاقات بين الناس.

 

دعم مسار الرئيس لا يكون بإرباكه

من حق المواطنين أن يختلفوا في تقييم أداء الحكومة، وأن يطالبوا بالمزيد من الإصلاح، لكن دعم رئيس الجمهورية وبرنامج "أولوياتي" ينبغي أن يظهر في دعم الاستقرار، وإنجاح البرامج، وتقوية المؤسسات، وإنجاح الحوار، لا في صناعة معارك جانبية تستنزف المجتمع.

 

فالدولة القوية ليست التي تستجيب لكل ضغط، وإنما التي تسمع للجميع، ثم تتخذ قراراتها عبر المؤسسات والقانون والمصلحة العامة.

 

وإذا كان الحوار الوطني المرتقب سيبحث في الملفات الكبرى، فما الداعي إلى استعجال بعض القضايا وإدخالها في صراعات محلية أو سياسية قبل أن تأخذ طريقها الطبيعي إلى طاولة الحوار؟

 

من المستفيد؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مواطن:

إذا كان هذا الحراك سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، فمن المستفيد؟

هل هو المواطن؟

هل ستتحسن الخدمات؟

هل ستتقدم التنمية؟

هل ستتوحد النخب حول قضايا الولاية؟

 

أم أن المستفيد هو بعض الأشخاص الذين يرون في الصراع فرصة لإعادة بناء النفوذ أو تسجيل نقاط سياسية؟

 

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات أن تصبح القضايا العامة أدوات للصعود الشخصي.

 

وقد حذر القرآن من صناعة الأخبار وإشاعة المخاوف، فقال تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60].

 

والإرجاف ليس مجرد اختلاف في الرأي؛ وإنما هو إشاعة ما يثير الخوف والاضطراب، أو تضخيم الأحداث بما يضر بالمجتمع ويقوض الثقة.

 

النفاق والكذب ليسا طريقا للإصلاح

الإصلاح لا يقوم على المبالغة، ولا على تزييف الحقائق، ولا على تقديم الولاءات الشخصية في صورة مصلحة وطنية.

 

وقد وصف الله المنافقين بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145].

 

وقال النبي ﷺ: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متفق عليه.

 

كما قال ﷺ: (إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار) متفق عليه.

 

وهذه النصوص لا ينبغي أن تتحول إلى سلاح لتصنيف الأشخاص أو اتهامهم بالنفاق؛ وإنما هي تذكير بأن العمل العام مسؤولية أخلاقية، وأن الكلمة السياسية أمانة، وأن الكذب والإرجاف لا يمكن أن يكونا أساسا لبناء وطن مستقر.

 

 كيفه تحتاج إلى التنمية أكثر من صراعات النخب

مدينة كيفه وولاية لعصابه أمامهما ملفات كثيرة تستحق اهتمام النخب: التعليم، والصحة، والمياه، والطرق، والزراعة، والثروة الحيوانية، وفرص العمل، والاستثمار، وتحسين الخدمات. وهذه القضايا أولى بأن تتنافس النخب في تقديم الحلول بشأنها، بدلا من الدخول في صراعات تستنزف المجتمع.

 

ولا يعني ذلك إهمال القضايا السياسية والوطنية الكبرى، وإنما وضعها في إطارها الصحيح، بعيدا عن الاستقطاب والحسابات الشخصية.

 

الحوار هو الطريق

إذا كانت هناك مطالب أو قضايا وطنية كبرى، فمكانها الطبيعي هو المؤسسات والحوار. ولا ينبغي أن يدخل الحوار وقد حُسمت القضايا مسبقا في الشارع، أو أن تتحول الحشود إلى وسيلة لفرض نتائج قبل بدء النقاش.

 

فالحوار الحقيقي يعني أن تأتي الأطراف بأفكارها وحججها، وأن تستمع إلى غيرها، وأن تقبل بما تقتضيه المصلحة الوطنية.

 

خاتمة

ليس المطلوب إسكات النخب، ولا منع المواطنين من التعبير، وإنما المطلوب أن ندرك أن التوقيت جزء من السياسة، وأن الوسيلة قد تفسد الهدف، وأن القضية العادلة يمكن أن تخسر إذا أُديرت بطريقة خاطئة.

 

ومن هنا يبقى السؤال:

لمصلحة من هذا الحراك؟ ومن المستفيد الفعلي منه؟

فإن كان الهدف خدمة المواطن والإصلاح، فالأبواب مفتوحة: الدستور، والقانون، والمؤسسات، والحوار، والحجة، والعمل الجاد.

 

أما إن كان الهدف تسجيل نقاط سياسية، أو إعادة توزيع النفوذ، أو إثارة الاستقطاب، أو فرض أمر واقع قبل الحوار، فإن ذلك لا يخدم الرئيس، ولا برنامجه، ولا مدينة كيفه، ولا موريتانيا.

 

لقد دعا رئيس الجمهورية إلى الحوار، والمأمورية الحالية لم تنتصف بعد؛ ومن الحكمة أن تمنح الدولة فرصة للعمل، وأن تمنح الأطراف فرصة للحوار، وأن تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية.

 

فليس كل من رفع شعار الوطن خدم الوطن، وليس كل من أكثر من الحديث عن الإصلاح كان مصلحا.

 

والفيصل في النهاية هو الصدق، والعمل، والنتائج، ومقدار ما يقدمه المرء لوطنه، لا مقدار الضجيج الذي يصنعه حول نفسه.

الأحدث