تخطى الى المحتوى

رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية بشأن الحوار الوطني

الشيخ أحمد ولد محمد – مهندس - رئيس مصلحة "الدراسات والتطوير" بمؤسسة ميناء خليج الراحة "نواذيبو"

جدول المحتويات

فخامة رئيس الجمهورية،

أتقدم إليكم عبر هذه الرسالة ببعض الأفكار التي أراها مفيدة ووجيهة للأخذ بها بعين الاعتبار عند إطلاق الحوار الوطني.

 

يمر العالم اليوم بمرحلة مفصلية تتسم بتسارع الأحداث، وتفاقم التحديات، وبروز نزعة هيمنة تسعى القوى العظمى لإخفائها وراء شعارات "المجتمع الدولي" و"القانون الدولي الإنساني" وغيرها من الخطابات البراقة. لقد طغى ملف تضارب المصالح بين الدول المهيمنة على السطح، مما أدى إلى صراعات مكشوفة ولا ترحم، تُستخدم فيها كل الوسائل الممكنة.

 

إن مجاراة رتم الأحداث المتسارع أضحى أمراً في غاية الصعوبة، ولم تعد أي دولة بمنأى عن تداعياتها، ولا سيما في ظل السياق الإقليمي وتطورات الموقف الدولي. وهو ما يتطلب تضافر الجهود وتعبئة كافة الطاقات صوناً للمكتسبات، وضماناً للأمن الوطني بأبعاده الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتصدي الحاسم للمشكلات. كما يستدعي ذلك خلق مناخ إيجابي يشعر فيه المواطن بمسؤوليته الكاملة عن الدفاع عن أمن وطنه، تعزيزاً للوحدة وبناءً لـ"البنيان المرصوص" الذي لا غنى عنه لمواجهة حجم التحديات، والصمود أمامها، وإدارتها بنجاح.

 

وفي هذه المرحلة، أحيي مبادرتكم الداعية إلى حوار وطني شامل وجامع، لمناقشة كافة القضايا وتناول جميع الملفات التي من شأنها إثارة الانقسام في البلاد. ويهدف هذا الحوار إلى تعزيز اللحمة الوطنية، وقطع الطريق على الانتهازيين وذوي النيات السيئة، ومواجهة التحديات الإقليمية وتداعياتها المحتملة. ولا شك أن مثل هذه المبادرات ستسهم في بناء الثقة، وبعث الأمل، وترسيخ التماسك الاجتماعي، وتثبيت قيم العفو والإنصاف والتسامح والعدل والإحسان؛ وهي القيم التي تمثل جوهر ديننا الإسلامي الحنيف الذي نعتز بالانتماء إليه، وتجسد تعاليم وأخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت نموذجاً مشرقاً في تاريخنا المجيد، وثقافة سلوكية توارثتها الأجيال عن الآباء والأجداد.

 

إن الحوار الوطني مسار حيوي لإقامة شراكة مع كافة الفاعلين الاجتماعيين لتحقيق أهداف مشتركة. وهو موجه للمتفقين والمختلفين على حد سواء؛ إذ إن المساحات المشتركة والمبادئ الجامعة تخلق فضاءً مفتوحاً وشاملاً للجميع. فالجوامع أكبر بكثير من نقاط الخلاف، وهو ما يتطلب مشاركة جميع الموريتانيين ويحثهم على بناء مستقبل واعد ومشرق لبلادنا؛ مستقبل يضمن قوتها ويحقق الازدهار والرفاه للوطن وللأجيال القادمة.

 

آفاق مستقبلية

إن تاريخنا القريب والبعيد غني بالنجاحات والفضائل، وبالتجارب والدروس، ويشكل سجلاً حافلاً بالإنجازات والذكريات والمحن. وإن العبرة تكمن في استخلاص الدروس، واستيعاب إيجابيات الماضي وتثمينها وتطويرها، متجاوزين العقبات، ومستفيدين من أخطائنا ونقاط ضعفنا، ومتجنبين الوقوع في الفخاخ "كي لا نُلدغ من الجحر مرتين". فـ"في كل محنة منحة"، وقد أثبتت الأحداث المتسارعة التي نعيشها، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الحياة الكريمة لا تتأتى إلا بالتمسك بمبادئنا الثابتة والتكرس لرفعة وطننا.

 

فخامة رئيس الجمهورية،

إن الحوار الوطني بين كافة الموريتانيين كفيل بحل جميع الصعاب التي تواجه بلدنا. غير أن ثمة عقبات عديدة يجب تذليلها ليتوج هذا النقاش بالنجاح في تعزيز العدالة الاجتماعية، وتجاوز التحديات لترسيخ اللحمة الوطنية، وتحديث نظامنا الانتخابي، وصون حرية التعبير، وإنجاز الإصلاحات المؤسسية تجنباً لأي أزمات جديدة.

 

ونحن على ثقة تامة وأمل كبير في أن المستقبل سيكون أفضل من الماضي؛ فلنبعث هذا الأمل في قلوبنا، ولتقوَ عزيمتنا، ولتصدق نياتنا لنتطلع إلى غد واعد للأجيال القادمة!

 

إن ذلك مرهون بمدى فهمنا لمهمتنا، وما تتطلبه هذه المرحلة من يقظة ووعي ومسؤولية تاريخية. وحينها فقط سنتمكن من مواجهة التحديات أياً كان نوعها أو مصدرها، دون أن تُضعفنا التقلبات الدولية من حولنا، ولا محاولات التضليل أو الخلط أو الابتزاز أو إشاعة اليأس.

 

وفي ختام رسالتي تقبلوا فخامة رئيس الجمهورية أسمى عبارات التقدير والاحترام.

الأحدث