تخطى الى المحتوى

مركز الدراسات الموريتانية: ذاكرة ووثائق

محمد سالم ولد لكبار

جدول المحتويات

في الرابع من مارس سنة 1935، شهدت مدينة "سان لويس" حدثا إداريا وعسكريا و أكاديميا، قد يبدو عابرا في سجلات الإدارة الاستعمارية الفرنسية، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات بالغة الأهمية لفهم الطريقة التي كانت بها السلطة الاستعمارية تنظر إلى المجتمع الموريتاني وتدرسه وتتعامل معه، ففي ذلك التاريخ، افتتح مركز للدراسات الموريتانية في سان لويس، أنشأه حاكم موريتانيا تنفيذا لتوجيهات الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية، وبالتنسيق مع القيادة العسكرية العليا، لم يكن المركز مؤسسة تعليمية بالمعنى التقليدي، وإنما كان أشبه بمدرسة متخصصة لإعداد الضباط والموظفين الذين سيعملون في موريتانيا، وتأهيلهم لفهم البيئة المحلية والتعامل مع تعقيداتها الإدارية والسياسية والاجتماعية.

 

وكان إنشاء هذا المركز مستوحى من مؤسسات مماثلة أُنشئت في الرباط والجزائر وبيروت لتكوين العاملين في المصالح الخاصة والشؤون الأهلية في المغرب، ومناطق الجنوب الجزائري، وتونس، وبلاد الشام، وهنا تكمن أهمية الوثيقة، فالسلطة الاستعمارية لم تكن تنظر إلى موريتانيا باعتبارها مجرد مجال جغرافي يحتاج إلى إدارة، بل كانت ترى أن السيطرة الفعالة عليها تتطلب معرفة المجتمع، وبنياته، وثقافته، ولغته، وموازين القوى داخله، وأنماط حياته، وطرق التعامل معه، ولهذا أُعد برنامج دراسي واسع ومثير للاهتمام، فالدروس شملت:

-       التشريع والإدارة.

-       الاقتصاد والمالية.

-       جغرافية موريتانيا وتاريخها.

-       الإثنولوجيا الموريتانية والسودانولوجيا.

-       أساليب عمل الشرطة في الصحراء.

-       تقنيات البيطرة.

-       الصحة العامة.

-       اللغة العربية واللهجة الحسانية.

 

أي أننا أمام برنامج يجمع بين القانون والإدارة والاقتصاد والجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا واللغة والعمل الأمني، وهذا يعني أن المركز لم يكن يعد الموظف ليكون إداريا فقط، وإنما كان يسعى إلى تكوين موظف يعرف المجتمع الذي سيحكمه، و أُسندت إدارة الدروس إلى السيد شازلاس (Chazelas)، وهو إداري رئيسي سبق أن شغل منصب أمين اللجنة الوزارية المشتركة للشؤون الإسلامية، كما عمل مدرسا في المدرسة الاستعمارية، وكانت خبرته في المنطقة قد تعززت من خلال إقامته في موريتانيا، ولا سيما بعد مهمة الاتصال التي قادها في ديسمبر 1934 إلى المناطق الحدودية الجزائرية المغربية، حيث أتاح له ذلك الاطلاع على عدد من مشكلات الصحراء الغربية، كما شارك في التدريس أيضا عدد من الموظفين والقضاة والضباط والأساتذة والتقنيين العاملين في المصالح المحلية، ومن بينهم المقدم أوبير (Aubert)، قائد القوات العسكرية في موريتانيا، الذي كُلّف بتدريس موضوع بالغ الدلالة: تقنيات عمل الشرطة في الصحراء، أما المفتش العام للتعليم شارتون (Charton)، الحاصل على الأستاذية في التاريخ والجغرافيا، فكان مكلفا بتقديم دروس حول الظروف الجغرافية للحياة في الصحراء، انطلاقا من قناعة الإدارة الاستعمارية بأن السياسة في موريتانيا مرتبطة ارتباطا وثيقًا بطبيعة الأرض والمناخ.

 

وبذلك يصبح مركز الدراسات الموريتانية في "سان لويس"، بالنسبة إلى الباحث اليوم، أكثر من مؤسسة استعمارية عابرة؛ إذ يمثل نافذة مهمة على الكيفية التي صنعت بها المعرفة الاستعمارية عن موريتانيا، وعلى الأدوات التي اعتمدتها الإدارة الفرنسية لفهم المجتمع الموريتاني وتصنيفه وإدارته، فالضابط الذي كان يدخل موريتانيا لم يكن يُترك لملاحظاته الشخصية وانطباعاته الميدانية فحسب، بل كان يتلقى تكوينا منظما في اللغة العربية و اللهجة الحسانية، والتاريخ، والجغرافيا، والإثنولوجيا، والاقتصاد، والإدارة، والصحة، و البيطرة، وأساليب العمل الشرطي والأمني.

 

ومن الطبيعي أن تكون وراء هذا التكوين غاية عملية واضحة: معرفة المجال، وفهم السكان، وتوجيه السياسة، وضبط الأمن، والتعامل مع القوى الاجتماعية والمحلية، وإدارة العلاقات مع القبائل والزعامات والمؤسسات الدينية والقضائية، ومن هنا تبرز القيمة الاستثنائية لهذا المركز بالنسبة إلى المؤرخ الموريتاني المعاصر، فإذا كانت مقرراته ومحاضراته وتقاريره، وملاحظات أساتذته وطلابه، وما نتج عنه من ملفات إدارية وأمنية وميدانية، قد بقيت محفوظة، فإنها قد تشكل مادة وثائقية بالغة الأهمية لدراسة موريتانيا خلال النصف الأول من القرن العشرين، بل يمكن أن تكون بمثابة «صندوق أسود» يكشف جوانب كثيرة من المجتمع الموريتاني في تلك المرحلة:

-       كيف كانت الإدارة الاستعمارية تصنف السكان؟

-       كيف كانت تقرأ القبيلة والسلطة والزعامات المحلية؟

-       كيف كانت تنظر إلى العلماء والقضاة والشيوخ؟

-       كيف فهمت العلاقة بين السلطة والمجتمع؟

-       ماذا كانت تعرف عن طرق التجارة والتنقل والرعي؟

-       كيف كانت تجمع المعلومات عن المناطق والقبائل والأفراد وموازين القوى؟

 

والأهم من ذلك كله: أين يوجد اليوم أرشيف مركز الدراسات الموريتانية في سان لويس؟ وهل بقيت سجلاته ومحاضراته وتقاريره ومذكرات الضباط والأساتذة محفوظة في الأرشيفات الفرنسية؟ وهل توجد نسخ منها في أرشيف السنغال؟

 

وهل وصل شيء منها إلى الأرشيف الوطني الموريتاني؟

 

وإذا كانت هذه الوثائق لا تزال موجودة، فهل جرى فهرستها ودراستها وإتاحتها للباحثين الموريتانيين؟

 

إن البحث عن أرشيف هذا المركز لا يتعلق فقط بتاريخ مؤسسة أنشأتها الإدارة الاستعمارية، وإنما يتعلق باستعادة جزء مهم من ذاكرة موريتانيا الحديثة؛ لأن أولئك الذين درسوا المجتمع الموريتاني آنذاك، وسجلوا ملاحظاتهم عنه، ورفعوا تقاريرهم إلى السلطة، تركوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شهادة تاريخية عن مجتمع كان يعيش تحولات عميقة، فكل تلك الوثائق تقدم وصفا لموريتانيا لم يكتبه الموريتانيون أنفسهم، لكنه يظل، رغم طبيعته الاستعمارية وما ينطوي عليه من انحيازات، مراجع لا غنى عنها لفهم كيفية رؤية السلطة الاستعمارية لموريتانيا، وكيفية قراءتها لمجتمعها، وكيف صنّفت مكوناته، وكيف بنت سياساتها تجاهه.

 

ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس فقط: ماذا كان مركز الدراسات الموريتانية في سان لويس؟

 

بل أيضا: أين أرشيفه؟ وماذا يخفي ذلك الأرشيف عن موريتانيا والموريتانيين؟ و من المعلوم أن هذا المركز أغلق أبوابه منذ عقود طويلة، لكن أوراقه - إن كانت لا تزال موجودة - قد تحمل صورة دقيقة ومفصلة عن مجتمع موريتاني كامل، وعن علاقته بالسلطة، وعن الأدوات والمعارف التي استخدمت لفهمه وإدارته.

 

يمكن القول إن هذه الوثيقة فتحت نافذة على جانب من تاريخ موريتانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وفي الوقت ذاته تطرح سؤالا عميقا: ماذا يوجد وراءها؟ فمثل هذه الوثيقة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها نصا منفردا، بل بوصفها أثرا يقود إلى شبكة أوسع من التقارير والمراسلات والدراسات والملاحظات التي كانت الإدارة الاستعمارية تجمعها عن المجتمع الموريتاني، وتوظفها في فهمه وإدارته، ومن هنا، فإن قيمة هذه الوثيقة لا تكمن فقط في المعلومات التي تحملها، وإنما أيضا في قدرتها على الدلالة على أرشيف أوسع ما يزال بحاجة إلى التنقيب عنه، وتتبع مساراته، ومعرفة أماكن حفظه، وربط أجزائه المتناثرة.

 

فهل نملك اليوم من المثابرة العلمية، والصبر البحثي، والقدرة على خوض هذا المسار الأرشيفي الطويل، لفتح ما وراء هذه الوثيقة، والبحث عن أرشيف قد يكون واحدا من المفاتيح المهمة لفهم موريتانيا في النصف الأول من القرن العشرين؟ إن استعادة هذا الأرشيف ليس عودة إلى الماضي فحسب، بل هي محاولة لاستعادة جزء من الذاكرة الوطنية، وفهم الكيفية التي كتب بها التاريخ الموريتاني المعاصر، ومن كتب عنه، ولأي غرض، وما الذي بقي من تلك الشهادة في أرشيفات اليوم.

 

المصدر:

Bulletin d'Information et de Renseignements، العدد 33، 18 مارس 1935، حكومة إفريقيا الغربية الفرنسية (Gouvernement Général de l'Afrique Occidentale Française).

الأحدث