جدول المحتويات
لم يكن كل الأبطال التاريخيين الذي خلدتهم ذواكر الأمم محل إشادة في عصرهم، بل تفاوت الاختفاء بهم تفاوتا بينا؛ فمنهم من فتحت له أبواب الذاكرة الجماعية وهو حي، ومنهم من عاش منبوذا ولم يقدر حق قدره إلا بعد رحيله بأزمنة طويلة، وبين هذا الحدين درجات أخرى يواجه فيها صناع المجد معاملات مختلفة من مجتمعاتهم، يستوي في ذلك القادة السياسيون والأبطال العسكريون والعلماء المفكرون والشعراء المبدعون.
في تاريخ أمتنا أمثلة كثيرة على أنواع المعاملات التي تلقاها من سكنوا لاحقا وجدان الأمة ما بين احتفاء وجفاء، وفي تاريخ الأمم الأخرى مثل ذلك، ولكن سأختار مثالا هو الذي عن لي أولا، رغم أنه قد يكون من آخر الأمثلة التي تطرف على البال، لأنه ليس من أهل الحكم الذين بنوا الدول ولا أهل الحرب الذين سطروا البطولات، بل ولا من أهل العلم الذين اختطوا المذاهب وافترعوا النظريات، وإنما هو شاعر خاض معركة الخلود في دروب القصيد، ولاقى ما لاقى من احتفاء وجفاء تحت ظلال القوافي، ولعل القارئ قد تبين الآن أن مثالنا هو أبو الطيب!
تعرف الدنيا اليوم كلها من هو أبو الطيب، لكن هذه الصورة التي خلد بها لم تتشكل كلها في حياته، أو في أقل تقدير لم تسلم من تشويه سعى له بعض صناع الصورة في عصره بما يمتلكون من قدرات لا يستهان بها في صناعة الصورة، من ذلك مثلا أن أحدهم حاول بكل ما أوتي من ملكات شعرية وفكاهية أن يختزل "مالئ الدنيا وشاغل الناس" على النحو التالي:
أي فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا
عاش دهرا يبيع بالكوفة الما ء وأضحى يبيع ماء المحيا
هاذان البيتان ومضة من الدعاية الهجائية في قمة الألق الشكلي تجمع بين الشعر والصورة القلمية والكاركتير، وربما نظر إليهما وقت "بثهما" على أنهما سيقبران صورة المتنبي إلى الأبد ، لكن دوِي خالد الذِّكر والشعر كان أبقى، وعند الدنيا الخبر اليقين.
في توقعنا لنظرة التاريخ للأمير حمد بن خليفة رحمه الله، نرى أنه سيخلده في نفس "الجناح" من معرضه لعظماء الأمة، فقد عاش نفس السيرة التي عاشها العظماء الذين كافحوا واقعا غير موات واجترحوا البطولات في وقت تعد فيه البطولة معرة، ولم يبالوا بالضجيج الفارغ الذي يملأ الدنيا من حولهم، بل نظروا إلى ما سيمكث في الأرض وينفع الناس، ودفعوا ضريبة التشويه الآني مقابل التطلع إلى تخليد أسمائهم في سجل الخالدين حين يزول غبار المعارك وتنجلي صورة البطل، فضلا عن استعدادهم لدفع ثمن المجد من انتباذ سبل السلامة وسلوك طريق الخطر، وكأنهم أدركوا بعمق وصدق معنى قول الشاعر العربي:
حب السلامة يثني قلب صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل
كان الأمير حمد رحمه الله ينظر للتاريخ الفسيح المشرع على دفتي ماض تليد ومستقبل إنساني، لا إلى اللحظة البائسة من عمر البشرية التي نعيشها، وهذا هو سر قوته على الوقوف التاريخي في لحظات يرى غيره أن الموت التاريخي للأمة "لا شك فيه لواقف" كذلك كان يوم أطلق قناة الجزيرة ويوم دعم الثورات ويوم تنحى عن السلطة، ويوم واصل قراره التنحي عن السلطة، وقبل ذلك وبعده يوم وقف بقوة مع قضايا أمته وفي مقدمتها قضية الأرض المباركة فلسطين...فسلام على الأمير حمد في العالمين.