تخطى الى المحتوى

الحكومة تريد إقناعنا بأن سياساتها في مكافحة الفقر حققت نجاحا

بيرام الداه أعبيد - نائب برلماني - رئيس قطبي المعارضة المنافحة والتناوب 2029

جدول المحتويات

حاول وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية إقناع الموريتانيين بأن مكافحة الفقر تمثل أحد أبرز إنجازات النظام القائم. غير أن هذا العرض مضلل. فالأرقام التي استند إليها صادرة عن الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي (ANSADE)، وأنا لا أشكك في الإحصاءات متى ما أُنجزت وفق منهجية علمية معترف بها. لكنني أرفض، بكل وضوح، الطريقة التي توظف بها الحكومة هذه الأرقام لتحويل واقع اجتماعي مقلق إلى حملة دعائية سياسية.

 

كيف يمكن الحديث عن نجاح، في حين ما يزال 25.7% من الموريتانيين يعيشون تحت خط الفقر، ويقبع 11.2% من المواطنين في دائرة الفقر المدقع فقط بعد ست سنوات من الحكم؟، وهو ما يعني أن مواطنا واحدا من كل أربعة ما زال فقيرا. هذا الوضع لا يسمح لأي حكومة جادة أن تطلب التصفيق، بينما يظل ربع شعبها أسيرا للفقر، أي ما يعادل مليون ومئتي ألف موريتاني. فهذا ليس إنجازا يُحتفى به، بل إنه دليل على أن السياسات المعتمدة لم تتمكن من انتشال مئات الآلاف من الأسر من براثن الهشاشة والفاقة.

 

والأخطر من ذلك أن الوزير زعم أن موريتانيا تجاوزت ما سماه "الهدف العالمي" المتمثل في خفض الفقر بنسبة 1% سنويا. وهذا الهدف غير موجود أصلا. فلا الأمم المتحدة ولا البنك الدولي حددا مثل هذا المعيار السنوي. إن هدف البنك الدولي يتعلق بالوصول إلى مستوى عالمي معين من القضاء على الفقر المدقع، وليس بفرض وتيرة سنوية موحدة على جميع الدول. وبالتالي، فإن مقارنة موريتانيا بمعيار لا وجود له ليست توضيحا علميا للبيانات، بل اختلاق يراد به إضفاء مسحة علمية على خطاب سياسي.

 

كما تفاخر الوزير بارتفاع متوسط إنفاق الأسر ليستنتج منه تحسن القدرة الشرائية. وهذا الاستنتاج مضلل كذلك. فارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة. فعندما ترتفع الأسعار، وتضطر الأسر إلى تخصيص جزء أكبر من دخلها للغذاء والسكن والعلاج والنقل، فإن زيادة الإنفاق قد لا تعكس إلا ارتفاع تكلفة الحياة، وليس تحسن أوضاع الأسر. وفي علم الاقتصاد، فإن المعيار الحقيقي لتحسن مستوى المعيشة هو الدخل الحقيقي بعد احتساب التضخم، ومدى قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. وفي هذه النقطة، لم تقدم الحكومة أي دليل مقنع.

 

وفي الوقت الذي كان فيه الوزير يحتفي بتراجع الفقر، نشر البنك المركزي الموريتاني، خلال الأسبوع نفسه، أرقاما تروي قصة مختلفة تماما. فقد ارتفع معدل البطالة من 12.29% إلى 13.12% خلال عام واحد، بينما تراجع معدل التشغيل من 44.37% إلى 43.45%. أما الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فإن قرابة شاب واحد من كل خمسة منهم عاطل عن العمل، وفق تقديرات البنك الدولي. ولا يمكن لحكومة أن تعلن انتصارها على الفقر، في الوقت الذي يفقد فيه مزيد من المواطنين وظائفهم. فالخطابان لا ينسجمان. ويضاف إلى ذلك تباطؤ النمو الاقتصادي، الذي انخفض من 6.3% سنة 2024 إلى 4.0% سنة 2025 بحسب البنك الإفريقي للتنمية. وهذه ليست مؤشرات بلد يسرّع وتيرة القضاء على الفقر كما يدعي الوزير.

 

ويقر الوزير نفسه بأن الفقر لا يزال يتمركز أساسا في الأرياف، لكنه يعرض هذه الحقيقة وكأنها مجرد ملاحظة إحصائية، بينما هي في الواقع أحد أكبر إخفاقات السياسات العمومية. فمنذ عقود، ظلت المناطق الريفية في موريتانيا الأكثر تهميشا، وهي تعاني من عجز مزمن في التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية وفرص العمل والاستثمار العمومي. وما تزال ولايات كيديماغه وتكانت ولبراكنه ولعصابه تسجل معدلات فقر تتجاوز 39%، وهي نسب تفوق بكثير المعدل الوطني. والأسوأ من ذلك أن ولايتي كيديماغه وكوركول مصنفتان اليوم، من قبل وكالات الأمم المتحدة، ضمن المناطق التي تجاوز فيها سوء التغذية الحاد لدى الأطفال عتبة الطوارئ البالغة 15%. وتشير التقديرات إلى أن نحو 179 ألف طفل دون الخامسة سيعانون هذا العام من سوء التغذية الحاد في موريتانيا، من بينهم أكثر من 42 ألف طفل في حالة سوء تغذية حاد وخيم. هذه هي الحقيقة التي تخفيها الأرقام التي تعرض في مؤتمر صحفي على أنها إنجاز.

 

وتبرز أيضا مسألة جوهرية أخرى. فالحكومة تتحدث عن نتائج لم يُنشر تقريرها الكامل بعد. وعلى خلاف مسح سنة 2019، المتاح منذ سنوات، فإن بيانات مسح 2025 – 2026 لم تُعرف إلا من خلال نتائج أولية عُرضت في مجلس الوزراء. وفي أي نظام ديمقراطي، ينبغي أن تكون الإحصاءات التي تستند إليها الحكومة في الدفاع عن حصيلتها متاحة كاملة أمام المواطنين والباحثين والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام. فالشفافية لا تعني انتقاء بعض المؤشرات الإيجابية خلال مؤتمر صحفي، بل تقتضي نشر التقرير كاملا، ومنهجيته، وجميع بياناته.

 

وبعيدا عن لغة الأرقام، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها. فما زالت موريتانيا تحتل المرتبة 157 من أصل 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ضمن فئة البلدان ذات التنمية البشرية الضعيفة. والمؤشرات الاقتصادية الكلية، مهما بدت إيجابية، لا تكفي لقياس الواقع الاجتماعي. فقد ترتفع الإيرادات العامة أو تتدفق عائدات الغاز، بينما تتزايد البطالة، ويبقى الخريجون بلا عمل، وتتواصل الفوارق بين المناطق، ويعاني آلاف الأطفال من سوء التغذية.

 

إن الموريتانيين لا يعيشون داخل الجداول الإحصائية التي تعرضها الحكومة، بل يعيشون في الأحياء الشعبية، والقرى المنسية، وأدوابه، حيث تقاس التنمية بقدرة الشاب على العثور على وظيفة، وقدرة الأسرة على توفير غذائها، وتمكين الطفل من مدرسة جيدة، والحصول على علاج لائق، ومياه صالحة للشرب، وكهرباء مستقرة، وخدمات عمومية محترمة.

 

واليوم تطلب الحكومة من الموريتانيين أن يصدقوا الرسوم البيانية أكثر مما يصدقون واقعهم اليومي. لكن لا جدول في الميدان الإحصائي يمكن أن يمحو بطالة شاب جامعي، ولا نسبة مئوية تستطيع أن تملأ مائدة أسرة تكافح لتأمين قوتها، ولا مؤشر في الجانب الاقتصادي يمكن أن يعوض مدرسة تؤدي رسالتها، أو مركزا صحيا مجهزا، أو فرصة عمل تحفظ الكرامة.

 

إن نجاح مكافحة الفقر لا يقاس بخطب الوزراء، بل يقاس بحياة المواطنين اليومية. وما دام موريتاني واحد من كل أربعة ما يزال يعيش تحت خط الفقر، فلا يحق لأي حكومة أن تزعم، جادة، أنها حققت نجاحا في مكافحة الفقر.

الأحدث