تخطى الى المحتوى

ماذا حقق نظام تأهيل وتصنيف مؤسسات البناء والأشغال العمومية في موريتانيا؟

المهندس محمد محمود ولد الصيام - مهندس في الهندسة المدنية - Siyammed@gmail.com

جدول المحتويات

قبل إطلاق نظام تأهيل وتصنيف مؤسسات البناء والأشغال العمومية، كان أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع يتمثل في صعوبة التمييز بين المؤسسات بحسب قدراتها الحقيقية، الفنية والمالية والبشرية، وما يترتب على ذلك من تفاوت في القدرة على تنفيذ المشاريع العمومية واحترام آجالها وجودتها.

 

ومن هنا جاء المرسوم رقم: 172 – 2022 بتاريخ: 21 نوفمبر 2022 ليؤسس لنظام وطني لتأهيل وتصنيف المؤسسات العاملة في قطاع البناء والأشغال العمومية، على أساس معايير موضوعية، بحيث تتقدم كل مؤسسة إلى الصفقات التي تتناسب مع إمكاناتها وتصنيفها.

 

وبعد ما يقارب سنتين ونصف من بدء التطبيق الفعلي في يناير 2024، بدأت تظهر نتائج ملموسة في بنية قطاع المقاولات الموريتاني.

 

في أغسطس 2025، أعلنت وزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي أن 255 مؤسسة وطنية أصبحت مصنفة، بعد استقبال المنصة الإلكترونية لنحو 973 ملفاً منذ إطلاقها في يناير 2024. وكانت المؤسسات المصنفة موزعة على عشرة مجالات، من بينها المباني، وشبكات المياه، وحفر الآبار، والطرق، والسدود، والصرف الصحي، والكهرباء والأحواض والاستصلاح الزراعي.

 

وبحلول مارس 2026، أعلنت وزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي أن عدد المؤسسات المصنفة وصل إلى 380 شركة مقاولة.

 

هذا التطور العددي يعكس اتساع قاعدة المؤسسات التي أصبحت مطالبة بإثبات قدراتها الفعلية قبل دخولها في تنفيذ المشاريع التي تتناسب مع تصنيفها.

 

النتيجة الأخرى التي تستحق التوقف عندها هي أثر النظام على سوق العمل.

 

فبحسب معطيات يناير 2026، فإن تصنيف 350 شركة مكّن، بعد سنة من التطبيق، من توفير أكثر من 2800 فرصة عمل مباشرة، خصوصاً للكفاءات الهندسية والفنية. 

 

وهنا تظهر إحدى النتائج المهمة للإصلاح: فالتصنيف أصبح عاملاً يدفع المؤسسات إلى تنظيم مواردها البشرية وإثبات توفرها على الكفاءات المطلوبة.

 

من النتائج اللافتة أيضاً أن التصنيف لم يتعامل مع قطاع البناء والأشغال العمومية باعتباره مجالاً واحداً.

 

فالمؤسسات المصنفة أصبحت موزعة على تخصصات مختلفة؛ وفي بيانات أغسطس 2025، كان من بينها 142 مؤسسة في مجال المباني، و40 في شبكات المياه، و13 في حفر الآبار، و8 في السدود، و7 في الصرف الصحي، و9 في الطرق، إضافة إلى مؤسسات في إنتاج وتوزيع الكهرباء والأحواض والاستصلاح الزراعي.

 

وهذا يعني أن السوق بدأ يتحول تدريجياً من نموذج المقاولة التي تقدم نفسها لتنفيذ مختلف أنواع الأشغال إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالتخصص والقدرة الفنية.

 

ومن أهم التحولات التي رافقت الإصلاح إنشاء منصة إلكترونية مخصصة لتأهيل وتصنيف مؤسسات البناء والأشغال.

 

أنشئت هذه المنصة بالتعاون مع وزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي بهدف زيادة الشفافية وتحسين الأداء والامتثال التنظيمي للمؤسسات العاملة في القطاع.

 

كما نص النظام منذ البداية على الاستناد إلى المعلومات المتعلقة بالقدرات المالية واليد العاملة للمؤسسات، بما في ذلك البيانات المرتبطة بالضرائب والضمان الاجتماعي، وهو ما يجعل التصنيف أقرب إلى تقييم فعلي لقدرة المؤسسة، وليس مجرد اعتماد على التصريحات المقدمة في الملفات.

 دخلت السلطات مرحلة مراجعة وتطوير النظام. ففي ديسمبر 2025، عقدت اللجنة الوزارية المكلفة بتصنيف المؤسسات اجتماعاً خصص لتقييم التجربة، وأشارت المناقشات إلى أهمية النتائج المحققة والحاجة إلى تحسين بعض الإجراءات وتسريع وتيرتها وضمان دقة المعلومات المعتمدة في التصنيف.

 

في أغسطس 2026، ترأس الوزير الأول اجتماعاً للجنة الوزارية المكلفة بتأهيل وتصنيف المؤسسات، بهدف مراجعة المرسوم بعد نحو سنتين من التطبيق، واستيعاب الملاحظات التي أفرزتها التجربة الميدانية، ومواءمته مع مدونة الطلبية العمومية الجديدة. كما وجه اللجنة إلى مواصلة العمل على الصيغة النهائية للمرسوم والمنصة الرقمية للتصنيف.

 

تكتسب المستجدات التي قدمتها وزيرة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي، السيدة الناها بنت حمدي ولد مكناس، عقب اجتماع مجلس الوزراء الأخير، أهمية خاصة.

 

فالإصلاح الجديد لا يكتفي بتطوير تصنيف المقاولات، بل يتجه إلى اعتماد مكاتب الإشراف والرقابة وأرباب الأعمال المنتدبين العاملين في قطاع البناء والتجهيزات العمومية.

 

وبحسب المعطيات حول مشروع المرسوم الجديد، يتضمن الإصلاح تقليص أعضاء لجنة التأهيل والتصنيف من 22 إلى 15 عضواً، وخفض النصاب القانوني لاجتماعاتها إلى 50% زائد واحد، وإنشاء لجنة فرعية فنية، إلى جانب دمج بعض مجالات التأهيل.

 

وهذا التطور يعكس انتقال الإصلاح إلى الحلقة الثانية من منظومة المشروع العمومي: فبعد تنظيم من ينفذ المشروع، يأتي تنظيم من يتولى الإشراف عليه ومراقبته.

 

إذا كانت المرحلة الأولى قد ركزت على سؤال: "من يستطيع تنفيذ المشروع؟»، فإن المرحلة الجديدة تضيف سؤالاً آخر: «من يراقب جودة التنفيذ ويتابع احترام الالتزامات والآجال؟".

 

وبذلك يمكن النظر إلى تجربة التصنيف خلال العامين الماضيين باعتبارها مرحلة تأسيسية لإعادة تنظيم سوق البناء والأشغال العمومية في موريتانيا.

 

الأرقام تقدم مؤشرات واضحة ولعل الذي يكتسي أهمية بالغة هو أن الدولة صارت تمتلك، للمرة الأولى، آلية مؤسسية لتحديد قدرات المقاولات وتصنيفها وربط حجم المشاريع بقدرات الشركات، مع اتجاه واضح نحو الرقمنة وتعزيز الشفافية، ثم توسيع النظام ليشمل مكاتب الإشراف والرقابة.

 

وبالتالي، فإن نجاح المرحلة المقبلة يتمثل في مدى انعكاس التصنيف والاعتماد على جودة المنشآت، احترام الآجال، كفاءة الإنفاق العمومي، تطوير المقاولات الوطنية، ورفع مستوى المسؤولية المهنية في مختلف مراحل تنفيذ المشروع.

الأحدث