جدول المحتويات
أصاب البارون "أوسمان" الذهول حين وطئت قدماه مطار أم التونسي في نواكشوط، وبحلق في كلمة "دولي"، مستغربا أنه لم يسمع صوت أي طائرة تهبط أو تقلع عدى طائرته، ولم ير سوى طائرتين على المدارج، يبدو أن إحداهما تسرق غفوة بينما تأخذ الثانية حماما يبدو لطيفا.
لكن البارون كاد يصعق حين وصل إلى وسط مدينة نواكشوط واكتشف أن الجغرافيا في نواكشوط لا تتبع القواعد العمرانية البسيطة، فقام فوراً بتعديل بوصلته الهندسية لتتناسب مع الواقع، ورسم في مخيلتهِ بذكاءٍ خارطةً جديدة للمدينة.
ولكن لنعد قليلا إلى الوراء…
من هو البارون أوسمان؟
هو "جورج - أوجين أوسمان"، "مهندس باريس الحديثة" الذي عمل بتفويض من نابليون الثالث. اشتهر بجرأته في هدم الأحياء العتيقة والضيقة ليشق "البولفارات" الواسعة. كان يؤمن أن المدينة كالجسم البشري؛ تحتاج إلى شرايين (طرق) واسعة، ورئتين (حدائق)، ونظام تصريف (صرف صحي) قوي لتظل حية.
أوسمان في نواكشوط: "إعادة بناء الشرايين"
وقف أوسمان عند "كرفور مدريد" مرتدياً دراعة خفيفة زرقاء من نوع "فنيار"، وطلب من مساعديه توضيح المحاور الجديدة للعاصمة، ثم بدأ انقلابه العمراني:
1. شريان الشرق: من توجنين إلى قلب العاصمة (كبيتال):
أدرك أوسمان أن الضغط الأكبر يأتي من "توجنين" باتجاه مركز المدينة (كبيتال)، فصاح بمساعديه: "هنا يجب أن نشق "أوتوستراد الأمل!".
أزال كل الأرصفة الحجرية التي كانت تخنق الطريق وصرفت عليها المليارات، واستبدلها بطريق فسيح يمتد كالسهم من مخارج توجنين حتى قلب السوق المركزي في كبيتال، جاعلاً الرحلة التي كانت تستغرق ساعات تمر في دقائق معدودة.
2. محور الشمال: من تيارت ولكصر إلى دار النعيم:
التفت البارون إلى المحور الشمالي، فربط بين عراقة لكصر وكثبان تيارت الغربية وبين "امگيزيرات الثلاث" وأحياء "دار النعيم"، شق طرقاً دائرية ذكية تسمح بانسياب المرور بين هذه المقاطعات الثلاث دون المرور بعنق زجاجة "كرفور الحي الساكن" ولا "عقدة" كرفور عزيز.
في دار النعيم، صمم ساحات كبرى وأزال بقايا المستنقعات، معلقاً: "الهندسة هي أن تجعل البعيد قريباً، لا أن تحبسه خلف جدار من الحجارة الغالية!"
3. تطهير "السبخة" و"الميناء"، ونصر "الرياض"
توجه أوسمان إلى السبخة، والميناء، حيث خاض معركته الكبرى ضد الأوساخ والمستنقعات. أنشأ شبكة صرف صحي باريسية تحت الأرض، وحول الأحياء الموبوءة إلى شوارع مرصوفة بالحجارة ومبلطة باحتراف وجمال، أما في "الرياض" و "الترحيل"، فقد مدّ خطوط الترامواي التي تجعل المواطن هناك يشعر أنه في قلب العاصمة وليس في أطرافها.
4. الخاتمة: وداعاً لـ "حمان الراص":
في نهاية ذلك اليوم اللطيف، وقف أوسمان في "لكصر"، ينظر إلى انسيابية المرور بين تيارت ودار النعيم، وإلى السيارات القادمة من توجنين في وسط كبتال، وهي تمر قرب ما كان يوما يسمى "قيادة أركان الحرس الوطني" بسلام، تنهد وقال بابتسامته الساخرة: "الآن يا أهل انواكشوط، بـ50 ملياراً بنينا مدينة حقيقية. اذهبوا إلى "الغداء الگايله" وأنتم مطمئنون؛ فالهواء يدور، والماء يُصرف، والسيارات تجري.. وداعاً لحجارةٍ كانت تسدّ الأفق وتزيد حمان الراص!".