تخطى الى المحتوى

برنامج "عون" بين الدعم الاجتماعي والتنمية المستدامة

محمد محود العتيق - Atigg2016@gmail.com

جدول المحتويات

أثار الإعلان عن برنامج "عون" الكثير من الترحيب، كما أثار في الوقت نفسه أسئلة مشروعة حول طبيعة البرنامج وأثره الحقيقي على القوة الشرائية للمواطنين.

 

فمن حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على أي مساعدة تصل إلى أسرة فقيرة أو مواطن محتاج، ولا على سعي الدولة إلى التخفيف من معاناة الفئات الهشة. لكن تقييم السياسات العمومية لا يكون بالنوايا الحسنة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.

 

لقد قُدِّم البرنامج للرأي العام باعتباره دعماً للقوة الشرائية. وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل يمكن فعلاً لتحويل نقدي لا يتجاوز 15 ألف أوقية قديمة لحوالي 350 ألف أسرة، ولـ155 ألف سلة غذائية لا تكاد تغطي نصف حاجيات الأسرة من المواد الاستهلاكية الضرورية تصرف لمرة واحدة فقط، أن يشكل دعماً حقيقياً للقوة الشرائية؟

 

إن القوة الشرائية لا تتحسن بمنحة عابرة تنتهي آثارها خلال أيام، وإنما تتحسن عندما يجد المواطن عملاً، أو يرتفع دخله، أو تنخفض الأسعار، أو تتحسن الخدمات الأساسية التي تستنزف ميزانيات الأسر. أما المساعدات الظرفية فتبقى، مهما كانت أهميتها الإنسانية، مجرد مسكنات اجتماعية مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة.

 

وإذا كانت الدولة قد خصصت لهذه العملية عشرات المليارات من الأوقية القديمة، فمن حق المواطنين أن يتساءلوا عما إذا كان توجيه هذه الموارد إلى مشاريع إنتاجية أو برامج تشغيل أو دعم للزراعة والتنمية المحلية هل يمكن أن يحقق أثراً أكثر استدامة وأعمق تأثيراً على حياة الناس.

 

فالأسرة التي تحصل اليوم على مبلغ محدود ستجد نفسها بعد أيام بل ساعات قليلة أمام نفس التحديات التي كانت تواجهها قبل الحصول عليه. أما الأسرة التي يحصل أحد أفرادها على فرصة عمل، أو تمويل مشروع صغير، أو تكوين مهني يفتح له باب الرزق، فإن أثر ذلك قد يمتد لسنوات طويلة.

 

ومن الملاحظ أيضاً أن الخطاب الرسمي ركز على رقم يتجاوز مليوني مستفيد. غير أن هذا الرقم يحتاج إلى شيء من التدقيق. فالمستفيدون المباشرون ليسوا مليوني شخص تلقوا مساعدات بأسمائهم، وإنما عدد محدد من الأسر حصلت على تحويلات أو سلات غذائية، بينما يمثل الرقم الأكبر مجموع أفراد تلك الأسر.

 

ولا اعتراض على اعتماد هذا الأسلوب الإحصائي إذا تم تقديمه بوضوح، لكن الإشكال يبدأ عندما يُستخدم الرقم الإجمالي بطريقة توحي بأن ملايين المواطنين تلقوا دعماً مباشراً، في حين أن المستفيد المباشر هو رب الأسرة أو الأسرة نفسها، أما بقية الرقم فهو تقدير نظري للمستفيدين غير المباشرين.

 

إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس فقط توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وإنما الانتقال من منطق المساعدة إلى منطق التمكين، ومن معالجة نتائج الفقر إلى معالجة أسبابه، ومن توزيع الموارد للاستهلاك الفوري إلى استثمارها في خلق الثروة وفرص العمل.

 

فالدولة ليست جمعية خيرية، ومهمتها الأساسية ليست توزيع الإعانات الموسمية، بل بناء اقتصاد منتج يتيح للمواطن أن يعيش من عمله لا من انتظار المساعدة. أما برامج الدعم الاجتماعي، مهما كانت ضرورتها في بعض الظروف، فيجب أن تبقى جزءاً من سياسة تنموية شاملة لا بديلاً عنها.

 

ويبقى السؤال الذي يستحق النقاش: إذا كانت مليارات الأوقية قد صُرفت وانتهى أثرها بعد أيام قليلة، فهل نكون قد دعمنا القوة الشرائية فعلاً، أم أننا اكتفينا بتأجيل المشكلة إلى موعد آخر؟

 

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعيداً عن المزايدات السياسية، وبعيداً عن منطق التصفيق أو الرفض المسبق، لأن ما يهم في النهاية ليس حجم الأموال الموزعة، بل حجم الأثر الذي تتركه في حياة المواطنين.

الأحدث