تخطى الى المحتوى

موريتانيا بين استقرار السلطة واستقرار الدولة.. حين يصبح الحوار بديلا عن الإصلاح!

أحمدو امباله/ نائب في البرلمان الموريتاني

جدول المحتويات


ليست المعضلةُ الأساسية التي تواجه موريتانيا اليوم تعثرَ الحوار الوطني، وإنما هي اتساعُ الهوة بين دولة تتحدث بلغة الإنجازات الكلية ومجتمعٍ يعيش يوميا أعباءَ الأزمات المعيشية والخِدمية، فالحوار المتعثر ليس أصلَ الأزمة بل هو أحدُ أعراضها، أما جوهرُها الحقيقي فيكمن في أزمة ثقةٍ متنامية بين السلطةِ والمجتمع، وفي عجزِ المنظومةِ السياسيةِ عن تحويل الاستقرار الأمنيِّ والمواردِ الاقتصاديةِ المتزايدةِ إلى شعورٍ عامٍّ بالعدالة والإنصاف.
لقد نجحت الدولةُ خلال السنوات الأخيرة في المحافظة على قدرٍ من الاستقرار في محيطٍ إقليميٍّ شديدِ الاضطراب، لكنّ الاستقرارَ الذي لا ينعكس على حياة الناس يظل استقرارا هشا وقابلا للتآكل. فالدول لا تُقاس صيانتُها فقط بسلامةِ حدودها، بل أيضا بمتانة عَقْدها الاجتماعي.
وفي هذا السياق يبدو السؤال المركزي اليوم: لماذا تتزايد مظاهر التململ الاجتماعي في الوقت الذي تدخل فيه البلاد عصر الغاز وتحققُ مؤشراتٍ اقتصاديةَ إيجابيةَ على الورَق؟


الحوار الوطني: من أداة للإصلاح إلى آلية لإدارة الانتظار
منذ الإعلان عن مشروع الحوار الوطني، ساد الاعتقادُ بأن البلادَ مقبلةٌ على مراجعةٍ جادةٍ لقواعد اللعبةِ السياسية، تسمح بمعالجة الاختلالات المتراكمة في النظام الانتخابي والحَكامة وتوزيعِ الثروةِ والسلطة.
لكنّ ما حدث عملياً هو أن الحوار تحول إلى أفقٍ مؤجّلٍ باستمرار، ومع مرور الوقت بدأ يتشكل انطباعٌ لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من الرأي العام بأن السلطة تنظر إلى الحوار باعتباره وسيلةً لإدارة التوازنات السياسية وامتصاصِ الضغوط أكثرَ من كونه مَدخلا لإصلاحاتٍ عميقة.
فالحوارات لا تقاس بعدد الاجتماعات التحضيريةٍ ولا بحجم التوافُقات اللفظية، بل بقُدرتها على إنتاج تحولاتٍ ملموسةٍ في حياة المواطنين وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن الأزمةَ الحاليةَ ليست أزمةَ غياب حوارٍ بقدر ما هي أزمةُ غياب إرادةٍ سياسيةٍ تمنح الحوارَ معنى حميدا ونتائجَ مثمِرة، وتستشعر حجم الواقع الذي يَظهر جليا في الفجوةِ الكبيرة بين لغةِ الأرقام الرسميةِ ومعاناةِ المواطنِ اليومية في عيشِه.


مفارقة النمو والفقر.. أين تذهب ثمار الاقتصاد؟
تقدم المؤسسات المالية الدولية صورة إيجابية نسبيا عن الاقتصاد الموريتاني، فقد سجل الاقتصاد نموا بلغ 4.2% سنة 2025، مع توقعات بمواصلة النمو مدعوما بإنتاج الغاز الطبيعي، كما تَراجعَ عجزُ الميزانية إلى نحو 0.3% من الناتج المحلي، واستمرَّ الدَّينُ العموميُّ في الانخفاض ليصل إلى حوالي 42% من الناتجِ المحليِّ الإجمالي، كما دخلت البلادُ مرحلةَ تصدير الغاز، وهو ما عزز الإيراداتِ العموميةَ والاحتياطياتِ الخارجية. غيرَ أنّ السؤالَ الذي تطرحه الأسواقُ والأحياءُ الشعبية ليس حجمَ النمو، بل عدالةُ التوزيع؛ فوَفْقَ بيانات البنك الدولي ما يزال نحوُ ربُع الموريتانيين يعيشون تحت خط الفقر؛ إذْ ناهَزَت نسبةُ الفقر 25.2% سنةَ 2025، أي ما يقارِبُ مليونا ورُبُعَ المليونِ مواطنٍ تقريبا، كما ظلت البِطالة في حدود 10.3% رسميا، نسبةٌ بدت أكثرَ حدةً بين الشباب وحَمَلةِ الشهادات.
وهنا تبرز المفارقةُ الكبرى: كيف يمكن لبلدٍ تتزايد مواردُه من المعادن والغاز والثروةِ الحيوانيةِ والصيدِ والزِّراعةِ أنْ يَستمِرَّ في تسجيلِ هذا الحَجمِ مِن الهَشاشةِ الاجتماعية؟
إن المشكلةَ لم تعد في حجم الموارد؛ بل في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسِه، فالنموُّ الذي لا يخلق وظائفَ كافية، ولا يَرفعُ جودةَ الخِدماتِ الأساسية، ولا يُوسِّعُ الطبقةَ الوُسطى، يتحول إلى نموٍّ بلا أثرٍ اجتماعي.
الغاز.. فرصة تاريخية أم إعادةُ إنتاجٍ للاقتصادِ الرَّيْعِي؟
تعيش موريتانيا لحظةَ اقتصاديةَ استثنائيةَ مع انطلاق إنتاج الغاز من حقل السلحفاة "آحمَيِّمْ الكبير" وقد روجت السلطة لهذا الحدث بوصفه بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ من الازدهارِ الاقتصادي.
غير أن تجارِِبَ الدول الغنيةِ بالمواردِ الطبيعية تعلمنا أن الثروةَ ليست ضمانةً للتنمية؛ بل قد تتحول إلى لَعنة إذا غابت الشفافية والرِّقابة والمؤسساتُ القادرةُ على حماية المالِ العامّ.
فالتحدي الحقيقي ليس في استخراج الغاز، بل في الإجابة عن سؤالٍ بسيط: كيف ستنعكس عائداتُه على المدرسة العمومية والمستشفى العموميِّ وشبكاتِ المياه والكهرباء وفُرَصِ العمل؟
إن التاريخَ الإفريقي مليء بالدول التي ازدادت ثراءً في باطن الأرض وازدادت فقرا فوقَها.


الخِدمات العمومية.. الوجه الآخرُ للأزمة
في بلد لا يتجاوز عدد سكانه خمسةَ ملايين، ما تزال أزمات الماء والكهرباء تتكرر بصورة موسمية، وما تزال المنظومة الصحيةُ عاجزةً عن كسب ثقة المواطنين، وما يزال التعليمُ يُواطئُ إنتاجَ مخرَجات لا تتناسب مع حاجات التنميةِ وسوقِ العمل.
وتكشف مؤشراتُ رأس المال البشري أن الطفلَ الموريتاني لا يحقق سوى 38% من إمكاناته الإنتاجيةِ المستقبلية حَسْبَ تقديراتِ البنك الدولي، كما لا يتجاوز متوسطُ سنوات التمدرسِ الفعلي 4.2 سنة، وهذه الأرقام والنِّسَب ليست مجردَ مؤشراتٍ تقانية؛ بل تعبيرٌ عن أزمة أولوياتٍ سياسيةٍ وتنموية.


العبودية ومخلفاتها.. العدالة الاجتماعية الغائبة
..رغم التطور القانونيِّ في مكافحة العبودية، فإن آثارها الاجتماعيةَ والاقتصادية ما تزالُ حاضرةً في بنية المجتمع، ولا يمكن الحديثُ عن دولة المواطنة الكاملةِ وسْطَ استمرار الفوارق العميقة في النَّفاذ إلى التعليم، والمِلكية، والتمكينِ الاقتصادي.
إن جوهر القضية لم يعد قانونيا فحسب؛ بل هو تنموي وتعليمي فالدولة مطالَبة بإطلاق سياساتٍ جريئةٍ لمعالجة التفاوتات التاريخية؛ لأن بناء الوحدة الوطنية لا يتم بالإنكار ولا بالشعارات، وإنما بتوسيع دائرة العدالة والفرص.


الإرث الإنساني.. المصالحة التي لم تكتمل!
ما يزال ملف الإرث الإنساني يمثل أحد الاختبارات الكبرى للدولة الموريتانية الحديثة، فالأحداث المؤلمة التي عرفتها البلاد خلال العقود الماضية لم تتحول بعد إلى ذاكرة وطنية مشتركة قائمة على الحقيقة والإنصاف.
إن المصالحة ليست منحة تمنحها السلطة؛ بل هي حقُّ للمجتمع، والدولةُ القوية ليست تلك التي تتناسى أخطاءَها؛ بل هي التي تمتلك الشجاعةَ الأخلاقيةَ للاعتراف بها ومعالجتِها.


المعارضة.. بين التهدئة والواجب الوطني
لقد اختارت قطاعاتٌ واسعة من المعارضة خلال السنوات الماضية منح النظام فرصةً للعمل بعيدا عن مُناخ الصدام الدائم، وكان ذلك خيارا وطنيا مفهوما في ظل الظروف الإقليمية المعقّدة.
لكنّ التهدئة لا يمكن أن تتحول إلى غاية في ذاتها؛ فالمعارضة التي تتخلى عن دورها الرقابي تفقد مسوِّغَ وجودها، والسلطة التي لا تواجه نقدا حقيقيا تصبح أكثرَ ميلا إلى الاكتفاء بإدارة الأزمات بدلا من حلها.
والمطلوبُ اليوم ليس معارضةً تسعى إلى إسقاط الدولة، ولا سلطةً تسعى إلى تدجين المعارَضة، بل تنافسٌ ديمقراطيٌّ يضع مصلحةَ المواطن فوق حسابات النُّخَب.


الحاجة إلى عَقد وطني جديد
إن التحديَّ الأكبرَ الذي يواجه موريتانيا ليس نقصَ الموارد ولا ضعفَ الفُرَص، بل غيابُ التوافُق الوطنيِّ حول كيفية تحويل الموارد إلى عدالةٍ اجتماعية وتنميةٍ متوازِنة.
لقد انخفض الدَّينُ العمومي وتحسّنت المؤشراتُ الاقتصادية الكلية -نظريا- وبدأ تصديرُ الغاز، لكنّ كلَّ ذلك سيظل محدودَ الأثر ما لم يشعر به المواطن في دخله وتعليمه وصحته وخِدماتِه الأساسية.
فالدول لا تستقر حين تزداد مواردُها فقط؛ بل حين يزداد شعور مواطنيها بالإنصاف.
ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى شعارات تدغدغ مشاعر المواطن وإنما هي حاجة إلى إرادة إصلاحية تعيد تعريفَ العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المساءلة والعدالة وتكافؤ الفرص، إذ استقرارُ السلطة قد يصنع هدوءا مؤقتا، أما استقرار الدولة فلا يصنعه إلا مواطن يشعر بأن وطنَه يتسع له، وأن ثرواتِه ليست أرقاما في التقارير؛ بل حقوق في حياته اليومية، ولا يتحقق ذلك الا بحوار جاد يتناول كافة الإشكالات ويرسم الحلولَ الجذرية لها ويضمن أليات إنفاذها.

الأحدث