جدول المحتويات
"هنا سوسة، أول محطات قافلة كسر الحصار، نسأل الله التوفيق".
بهذه الجملة المختصرة افتتح الأمين رحمه الله، تدويناته عن مشاركته في القافلة وأرفقها بصور من مشاركته، وهي لحظات سبقتها عاطفة جياشة، وتصميم مشهود وقرار مشاركة من رجل ينهش السكري جسمه، ويعاني من مرض القلب، ولكن روحه محلقة في فضاء الجهاد، ونفسه متعلقة بالعزائم، ولا يرى لنفسه قرارا في غير ساحات الجهاد والنفير والنصرة.

في قلب الطوفان من أول يوم
لم تحط كتائب العز المظفرة طائراتها الشراعية في غلاف غزة المغتصب، حتى كان الأمين رحمه الله ملتحما مع الطوفان بلسانه، وقلمه وماله، فأرسل في لحظات الطوفان الأولى مبالغ لخلانه من الأساتذة، وأمرهم بإعداد وليمة في دارهم، فرحا بهذا اليوم العظيم، وأمر بذلك أهل بيته، وأن يدعو ممثل الخضراء ليتقاسموا معه بهجة هذه الغزوة المباركة، وقد ظل على نفس العاطفة لم تنقص عاطفته، ولم يخف عمله، مساهما في الطوفان من كل موقع تتيحه له قدراته ومواهبه، وتأثيره، فكان يفتتح به كل مجلس وينشد عند أول كلام له.
حكاية الجرح أن الجرح آلمنا *** وأن غزة عنوان العناوين
وكان يترنم بآيات الجهاد، في كل صلواته الجهرية، ويشارك بجهد منقطع النظير في كل الفعاليات والاعتصامات المناصرة لغزة، وكم كان مؤثرا أن يبيت رجل في مرضه وواقعه الصحي، أمام سفارة البغي الأمريكي، ينتقل من الكلمات، إلى الأناشيد، ويصر على المرابطة حتى ينبلج الفجر، رغم طلب أقرب الناس منه أن يأخذ راحة ولو كانت قليلة.
قرار المشاركة وطريقته
كانت قافلة كسر الحصار البري، تعد عدتها للانطلاق، وكان الأمين يراقب تحركها ويسأل عن برنامجها، ويرى أن وجود الموريتانيين فيها من الواجب العيني لأن القدرة قائمة والنصرة مطلوبة، ومع ذلك لم يشر لعزمه على المشاركة، بل أخبر ابن الأخت وحده - رغم صغره - على عزمه على المشاركة واستكتمه على الأمر، وأمره أن يدعو له، وقد فعل ذلك، فلم يخبر الصغير أحدا من العائلة بذلك، ولعله قصد تربيته على النصرة وأراد له أن يفهم قيمة المشاركة، في هذه المعركة، رتب الأمين أوراقه وحجز تذكرة ووصل إلى تونس في ليلة العيد الثالثة، تحفه دعوات المقربين، ويرجو له والداه حفظا وأمانا بعد أن أخبرهم في آخر الوقت.
المشاركة الفاعلة
أنا مسلم هي أن تعيش لفكرة كبرى *** فتظفر أو تموت أو تعذرا
نشر الأمين هذا البيت وهو يلتحم مع المشاركين، في قافلة كسر الحصار، يجهزون أمتعتهم ويخططون لقطع المفاوز نصرة لأهل الثغر، ورغم تأخر لحاقه بالقافلة - مقارنة مع المشاركين من دول المغرب الأخرى- إلا أن وجوده الفاعل وتعدد مواهبه وقدراته جعلته، في مقدمة وجوه القافلة، فكان خطيبا لها من أول يوم، ومنشدا يسوق الناس بصوته الساحر إلى اقتحام التحديات، وكاتبا ينشر عن القافلة، وقارئا يترنم بالوحي فتخضع القلوب لتلاوته، ومتحدثا إعلاميا تناقلت وسائل الإعلام تصريحاته، وولاه إخوانه لكثير من التصريحات فقام بذلك خير قيام، وشكل وجوده دفعة قوية للقافلة - وخصوصا في موريتانيا - فنشرت عشرات التدوينة التي تتحدث عن مشاركته، وتراه ممثلا لها كامل الأهلية والقدرة، وكان ارتجاله لبيت الشعر حين طلبه منه أحد المشاركين أكثر المقاطع انتشارا، وتداولا، ولعل من حسنات الأمين المعجلة أن الله أظهر صدقه حين تمت إعادته في الانطلاقة الأولى، فلم يستسلم ورجع إلى تونس ليرتب أوراقه وليلتحق به إخوانه بعد ذلك.
نفير لا يتوقف
واصلت القافلة مسيرها حتى وصلت إلى سرت، وتم إيقافها هناك لمدة أيام، كانت صحراء ديار عمر المختار تشهد للأمين أنه بذل وصابر ورابط، وثبت المشاركين، وأنه أعذر إلى الله في نصرة إخوانه، وهذا الجهد كان بإمكانه أن يكتفي به، ولكن الواقع يقول إن الأمين رحمه الله، عاد من هذه الرحلة وقد تغيرت أولوياته كثيرا، وأصبحت غزة هي أعظم شغله، وانصب تفكيره كله على فكرة فك الحصار بكل السبل، فبدأ مع إخوانه التخطيط للأسطول البحري، ولو أن أحدا من المقربين منه لقيه في أيام إعداد الأسطول، لوجد أمة في رجل، كان غارقا في جمع المال للأسطول، وفي الحديث مع وسائل الإعلام، وفي بذل علاقاته الواسعة والمتنوعة لدعمه، وكان مؤمنا بمشاركة كل الأحرار فيه، ومقتنعا أن موضوع غزة يهمّ الأمة كلها، ومن آخر مشاهد جهاده وآيات تضحياته، أنه ركب السفينة التجريبية ليختبر بذلك قدرته على المشاركة، رغم وهنه ومرضه، فرضي الله عنه من مجاهد نبيل، ومن رجل عاش لأمته، وخلع عنه كل ألقاب الدنيا، وأراد الله له أن يلتحق بقادة الطوفان ويذكر معهم إذا ذكروا.
ولعلي أختم هذه الخاطرة عن توفيقه الذي يعلمه كل من عرفه، فقد كنت قبل انطلاقة القافلة البرية، أبحث عن مدونة الشيخ الغرياني لغرض بحثي، فلم أجدها هنا، ولكن الأمين جلبها لي بعد أن أهديت له مع كتب كثيرة من قبل إخوانه في ليبيا.