جدول المحتويات
حملة اللوم والتأثيم الموجّهة إلى أهل المعروف والبذل، والساعين في إيصال ما جادت به أيدي المحسنين والمُؤْثِرين على أنفسهم من هذا الشعب، إلى إخوانهم من أهل غزة المحاصرين، والمقاومين العاضّين بالنواجذ على الأرض والعرض في أكناف بيت المقدس..
هذه الحملة لم تبدأ من اليوم، وليست عفوية بأيّ وجه، وإنما بدأت منذ أول إعلان لهذا المسعى وفي أوج المأساة التي حلت بأهلنا في غزة على أيدي الصهاينة.
صحيح أنها لم تَجد حينها أذنا صاغية من عامة أهل هذا البلد، الذي اتحد قادته وعلماؤه ووجهاؤه وبسطاؤه على قدسية دعم أهل المقاومة والشعب المنكوب، ولو أُعيرت اهتماما لما كان دعم ولا إسناد.
بَيْد أن أولئك لم يسكتوا عن رضا ولم يتجاوزا الموضوع نزولا على رأي الأغلبية ولا عودةً إلى الصواب، وإنما تجرّعوا المرارة، وازدردوا الألم في انتظار الثأر ممن آلمَهم بالإنفاق وعرّاهم بالمسارعة إلى البذل.
لقد بَقُوا في مواقعهم، يتربصون بأهل الخير الدوائر ويبغون لـ"لبَراء العَنَت"
صُمٌّ إذا سمِعوا خيرا ذُكرتُ به... وإن ذُكرتُ بشرٍّ عندهم أذِنوافَطانةٌ فطِنوها لو تكون لهمْ..... مُروءةٌ أو تُقى لله ما فطِنواجهلا علينا وجُبنا من عدوهمُ.....لبئست الخَلَّتان الجهل والجُبُن
إنفاق من قِلَّة وإنجاز وسط الضجيج
أنفق أهل موريتانيا مُكثرُهم ومُقلّهم، وأعطوا عطاء من لا يخشى الفقر، وتسامع الناس ببذلهم، وانتشرت أخبار إيثارهم لأهل غزة بين الخافقين. دونك محركات البحث، فاسألها فإنك تجد سيلا من الأخبار الموثّقة بالصوت والصورة من النساء، والرجال، والأطفال، وترى المشاريع المنوّعة في قطاع غزة بأسماء القبائل والأسر ومجموعات النساء من بطون عشائر موريتانيا في كل جهاتها.
شيء يبعث على الزهو ويذكّر بمعدن الشعب الأصيل. وذلك ما صرّح به قادة المقاومة الذين شكروا جهد أهل موريتانيا على لسان أكثرَ من ناطق باسمهم واعتبروهم شركاء لأهل غزة لا مجرد داعمين؛ فأين كان الحزانى على ضياع أموال الموريتانيين؟ إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا....شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
فماذا تُريد الحملة الآن؟
سكت الخاسرون في معركة دعم أهل غزة في انتظار فرصتهم، وقد ظنوا اليوم أنهم وجدوها مع تصريح السفير الفلسطيني الجديد.
وذلك -ببساطة- أنه قال إن تبرعات الموريتانيين لم تصل الشعب الفلسطيني، مردفا أن من أراد أن يتبرع لأهل فلسطين فإن السفارة تفتح أبوابها وتستقبل التبرعات، وبإمكانها أن توصلها بحسابات مكشوفة وخاضعة للرقابة.
هذا الكلام لو جُعل في سياقه الطبيعي فإن دلالته واضحة جدا: السلطة الفلسطينية لا تعترف بمساعدة تصل إلى غزة من غير طريقها. وهذا حقيقي.
ولكنّ الفلسطينيين ليسوا على رأي واحد (مع الأسف)، غير أن العالم كلّه مختارا أو مضطرا (حتى الصهاينة عندما يفاوضون مثلا) يتعامل مع واقعِ أن من يدير الأمر في القطاع ليس السلطة الفلسطينية.
وقد علِم الموريتانيون عندما تبرعوا أنهم لا يرسلون تبرعاتهم عن طريق سلطة رام الله. وهل كانوا سيتبرعون بنفس الحماس وبهذا الحجم لو لم يكن لتبرعاتهم منفَذ خارج السلطة؟ هذا أمر بالإمكان تجريبه.
أنا مع احترام السفير، ولكن لست مع دخوله طرفا في سجالات الموريتانيين ذات الخلفيات السياسية.
ومهما يكن من أمر، فإن تصريح السفير وقع من نفوس القوم بمكان خاص فطاروا به فرحا، وظنوا أنهم به بالِغوا ما أعجزهم في الجولات السابقة، ولكن هيهات. لقد اعتبر الكثيرون ممن قرأت تعليقاتهم أن أحسن تعبير عن رد الفعل المناسب على تصريح سعادة السفير هو "كاف" الأمير أحمد سالم ولد يونس الذي تداوله الناس غِبَّ التصريح "وأعتذر عن كتابته".
وماذا عن ولد أحمد ديّ؟
تكررت نداءات أحد الأصوات البارزة في الحملة الحالية، للوزير السابق سيدي ولد أحمد ديّ، الذي يرأس مجلس إدارة "الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني" من أجل الخروج على الناس بشهادته في قضية تبرعات الموريتانيين التي تولّى الرباط جمعها، واستدعى في تلك الدعوات المتكررة تاريخ الرجل النظيف.
وأخيرا قرر الوزير سيدي أن يكتب علنًا في الموضوع، فجاء يؤكد المؤكد عند عامة الموريتانيين: أن الرباط مؤسسة وطنية جامعة، قامت وتقوم بدورها في إيصال مساعدة أهل موريتانيا لإخوانهم المنكوبين، وأنه هو شخصيا على رأس عمله ومسؤوليته في هرم الرباط إلى لحظة كتابة تصريحه؛ غير بعيد ولا مغيَّب، ولو رأى أن هناك انحرافا عن الخط أو عجزا عن الدور لما سكت!
أي شيء أصرح من هذا؟ ثم إنه جاء في فقرة الختام بما يشبه ملتمَسا ودّيا من "ابن أخيه": أنْ قد سمعتُ نداءك وأجبتُك، فإن كانت لديك أدلة فهاتها، وإن لم يكن إلا مثلُ ما كنت تطرح في خرجاتك السابقة، فهذا ما عندي. هذه رواية تفسيرية لا عبارة الرجل بالنص فقد قرأتم كلامه.
فماذا بعد؟
ظن كثير من الناس أن ذلك سيكسر حدة هذه الموجة من الحملة القديمة المتجددة، ولكنْ على العكس فقد أراد بعضهم أن تذهب كلمات الوزير في خضم الضجيج، وأن ينساها الناس بالإمعان في السجال، كما أُريدَ بالقدر نفسه -وفي خطوة مزدوجة التأثير- إنعاش تصريح السفير بعد أن كاد أحد نواب الشعب يُجهز عليه بمبادرة ذكية، فتعرَّض بذلك للقافية.
أخيرا، هذه حملة مركّبة متعددة الأبعاد، عابرة للحدود، موجّهة ضد المقاومة وداعميها؛ فلا غرو أن ينال أهلَ موريتانيا منها نصيب يوازي جهدهم في مؤازرة أهلنا في أرض الرباط. ويكفي وسطاء الخير والمعروف أنهم أوصلوا ما جمعوا للقائمين على الشأن في غزة بإقرار المعنيين، وحضور ممثلهم هنا في نواكشوط مراحل الجمع ومتابعته لها وتوثيقه إجراءات التسليم. فهل بعد هذه الوقائع من موجب للتشكيك إلا الارتماء في مساعٍ وحسابات ليست حساباتنا. فهل من مدّكر؟