جدول المحتويات
افتتح فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مؤتمره الصحفي بتشخيصٍ واقعي للتحديات التي واجهتها موريتانيا منذ بداية مأموريته، مؤكدًا أن بناء دولة عصرية، بمؤسسات قوية وقادرة على خدمة المواطن، ظل الهدف المحوري للسياسات العمومية، كما أوضح أن وصوله إلى السلطة تزامن مع أزمات عالمية متلاحقة، بدأت بجائحة كوفيد - 19، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، وصولًا إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وهي متغيرات فرضت ضغوطًا كبيرة على مختلف الاقتصادات، ولا سيما الاقتصادات النامية.
وبوصفي باحثًا في الاقتصاد الرقمي وتحليل البيانات، فإن قراءة مثل هذا المؤتمر لا تنطلق من الخطاب السياسي في حد ذاته، وإنما من المؤشرات التي يقدمها، ومدى اتساقها مع أهداف السياسة العامة للدولة، وقدرتها على عكس كفاءة إدارة الموارد وتعزيز الاستدامة المالية وتحسين جودة القرار العمومي، فالسياسات الحديثة أصبحت تُقاس بالأرقام والبيانات ومؤشرات الأداء أكثر مما تُقاس بالخطابات أو الانطباعات. وفي هذا السياق، لم يعد الاقتصاد الرقمي يقتصر على توظيف التكنولوجيا في تقديم الخدمات، بل أصبح إطارًا متكاملًا لصناعة السياسات العمومية وتقييمها، فالبيانات اليوم تُعد أصلًا استراتيجيًا للدولة، وتُشكل الأساس الذي تُبنى عليه القرارات الاقتصادية الرشيدة، كما أن تحليل البيانات الضخمة، وحوكمة البيانات، ومؤشرات الأداء الرئيسية، أصبحت أدوات رئيسية لقياس كفاءة الإنفاق العمومي، وتقييم أثر الإصلاحات، واستشراف المخاطر، وتحسين جودة الخدمات.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة علمية للسياسات العامة تستوجب ربط النتائج المعلنة بالمؤشرات الكمية والبيانات الرسمية، باعتبارها المرجعية الأكثر موضوعية في تقييم الأداء الحكومي، ومن أبرز المؤشرات التي استوقفتني حديث رئيس الجمهورية عن تراجع نسبة الدين العمومي من نحو 91% إلى ما يقارب 40% من الناتج الداخلي الخام، وبالتالي، فإن ذلك يعكس تحسنًا في الاستدامة المالية، ويوسع الهامش المالي للدولة، ويمنحها قدرة أكبر على توجيه الموارد نحو الاستثمار والخدمات الأساسية.
كما شكل حديثه عن تراجع صفقات التراضي مؤشرًا مهمًا على توجه السياسة العامة نحو تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة المال العام، فالتوسع في المنافسة داخل منظومة الطلب العمومي يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق، وتقليص الهدر، ورفع جودة تنفيذ المشاريع، وتؤكد التجارب الحديثة في الرقمنة التي تم اعتمادها مؤخرا في هذا المجال وربطها بقواعد بيانات متكاملة أصبح من أهم أدوات الحوكمة، لما يوفره من تتبع إلكتروني لمختلف مراحل الصفقة، وتحليل لمؤشرات المخاطر، وتعزيز للشفافية والمساءلة.
وفي السياق ذاته، فإن الإشارة إلى ارتفاع الموارد الذاتية للدولة وتمويل عدد من المشاريع الكبرى من الخزينة العامة دون اللجوء إلى الاقتراض تعكس تحسنًا في تعبئة الإيرادات وكفاءة إدارة النفقات، وتعزز استقلالية القرار الاقتصادي، إضافة إلى أن اعتماد مؤشرات أداء رقمية لمتابعة هذه الموارد من شأنه أن يمنح صانع القرار رؤية أكثر دقة حول كفاءة السياسة المالية ومدى تحقيقها لأهدافها.
كما أن خيار توسيع جامعة نواكشوط ومركز أمراض القلب بدل إنشاء مؤسسات جديدة يعكس مقاربة اقتصادية تقوم على تعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة وترشيد الاستثمار العمومي، ومن هنا تبين أدوات تحليل البيانات أن القرارات المبنية على تقييم الكلفة والعائد، ودراسة الاحتياجات الفعلية، واستشراف الطلب المستقبلي، تحقق كفاءة أعلى في تخصيص الموارد العمومية مقارنة بالتوسع غير المدروس في الإنفاق الرأسمالي.
أما فيما يتعلق بملف الغاز، فقد أظهر المؤتمر إلمامًا واضحًا بهذا القطاع الاستراتيجي، مع التأكيد على أهمية حسن إدارة موارده وفق مبادئ الشفافية والحوكمة، بما يضمن تحويل هذه الثروة إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وفي هذا المجال، أصبح نجاح الدول المنتجة للموارد الطبيعية يرتبط بقدرتها على بناء أنظمة رقمية متقدمة لإدارة البيانات المالية، وتتبع الإيرادات، وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه الموارد بصورة مستمرة، بما يعزز كفاءة التخطيط والاستثمار.
كما احتلت مكافحة الفساد مكانة بارزة في الخطاب، باعتبارها أحد الشروط الأساسية لتعزيز كفاءة المؤسسات وحماية المال العام، ولم تعد مكافحة الفساد في الفترة الأخيرة تعتمد على الرقابة التقليدية وحدها، بل أصبحت تستفيد من التحول الرقمي، وتحليل البيانات، لرصد الأنماط غير الطبيعية، واكتشاف المخاطر، وتعزيز فعالية أجهزة الرقابة، بما يرسخ مبادئ النزاهة والشفافية.
كما برز خلال المؤتمر الصحفي مستوى الإحاطة الذي أظهره فخامة رئيس الجمهورية بعدد كبير من الملفات الوطنية، حيث استند في العديد من إجاباته إلى معطيات دقيقة وأرقام ومؤشرات عكست متابعة مستمرة لأداء القطاعات الحكومية ومختلف المشاريع قيد التنفيذ. وقد أسهم ذلك في تقديم صورة أكثر وضوحًا عن أسلوب إدارة الشأن العام، وأظهر أن صناعة القرار ترتكز على متابعة المؤشرات وقراءة النتائج، وهو ما يعد من أهم سمات الإدارة العمومية الحديثة القائمة على المعرفة والبيانات، حيث إن جودة القرار ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة المعلومات المتاحة لصانع القرار.
وفي المحصلة، فإن المؤتمر الصحفي لم يكن مجرد عرضٍ لحصيلة حكومية، بل عكس رؤيةً متكاملة للسياسة العامة للدولة، وأبرز حرص فخامة رئيس الجمهورية على وضع مختلف الملفات الاقتصادية والمالية والتنموية ضمن إطار استراتيجي واحد، قوامه بناء دولة حديثة، واقتصاد أكثر صلابة، ومؤسسات أكثر كفاءة في خدمة المواطن، وهو ما بدأت ملامحه تتجسد في عدد من الإصلاحات والمشاريع التي تشهدها موريتانيا خلال السنوات الأخيرة. ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبح التحول الرقمي في الإدارة العمومية، وتعزيز حوكمة البيانات، واعتماد مؤشرات الأداء الرئيسية، وتطوير أدوات التحليل الاقتصادي، من أهم مرتكزات تحسين جودة القرار العمومي، ورفع كفاءة السياسات العامة، وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات واستشراف المستقبل.
وعليه، فإذا استمرت هذه المقاربة، مدعومة بتطوير البنية الوطنية للبيانات، وتوسيع استخدام أدوات التحليل الرقمي في التخطيط وصنع القرار والتقييم، فإنها ستشكل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وإدارة عمومية أكثر كفاءة، ودولة عصرية قادرة على تحقيق تنمية مستدامة تستجيب لتطلعات المواطن الموريتاني، وتواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي العالمي.