تخطى الى المحتوى
محمد محمد المختار

جدول المحتويات

ليس أصعب على الإنسان من أن يقف يوما بين يدي الله تعالى مجردا من كل ما كان يظنه قوة أو سلطانا أو جاها. هناك تسقط الألقاب، وتتلاشى المناصب، ويغيب الحراس والأتباع، ولا يبقى إلا العمل الصالح أو التقصير الذي أثقل الصحائف.

 

أيها المسؤول، إن المنصب الذي تجلس عليه اليوم ليس وسادة للراحة، ولا بابا للترف، ولا طريقا لجمع الأموال والمكاسب، وإنما هو أمانة عظيمة حملتها، وستُسأل عنها سؤالا دقيقا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. كم من إنسان فرح يوم تولى منصبه، ثم ندم يوم وقف للحساب وكم من رجل ظن أن السلطة رفعة، فإذا بها يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

 

إن وراء كل قرار تتخذه وجوها لا تراها، وقلوبا تتألم بسبب الظلم أو الإهمال أو التقصير. هناك يتيم ينتظر حقا تأخر وصوله، وأرملة تكابد قسوة الحياة، ومريض يترقب علاجا قد يحول بينه وبين الموت، وفقير ينام على الجوع بينما تُهدر الأموال فيما لا ينفع. وهناك مظلوم يرفع يديه إلى السماء في جوف الليل، وقد أغلقت في وجهه أبواب الأرض، فلم يبق له إلا باب السماء.

 

أتدري ما أخطر ما في دعوة المظلوم؟ أنها تصعد إلى الله وليس بينها وبينه حجاب. وقد ينام الظالم قرير العين، ويحسب أن الأمور قد استقرت له، بينما سهام الدعوات تنطلق نحوه في ظلمات الليل، لا تخطئ طريقها عند رب العالمين.

 

تأمل في سير العظماء من هذه الأمة، أولئك الذين عرفوا الله حق المعرفة. كانوا يخافون من المسؤولية أكثر مما يفرحون بها. كان أحدهم يرى نفسه مسؤولا عن أدنى تقصير يقع في رعيته. لم يكونوا ينظرون إلى المناصب على أنها امتيازات، بل على أنها تكاليف ثقيلة وأمانات عظيمة.

 

أما اليوم، فقد ابتليت الأمة بأناس جعلوا من المسؤولية تجارة، ومن المال العام غنيمة، ومن حاجات الناس سُلَّما لمصالحهم الخاصة.

 

تراهم يتنافسون على الكراسي، فإذا جلسوا عليها نسوا الأمانة، وغفلوا عن أن الأيام تمضي سريعا، وأن القبور لا تفرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير.

 

فإذا جاء الموت، وانقطعت الأسباب، وحُمِل الجسد على الأكتاف، ودفن صاحبه تحت التراب، فما الذي يبقى؟ هل يبقى الرصيد البنكي؟ هل تبقى القصور والمزارع والعقارات؟ هل يبقى النفوذ والجاه؟ كلا، لا يبقى إلا العمل.

 

حينها سيقف الإنسان ليسمع أسئلة لا يستطيع الفرار منها: ماذا فعلت بالأمانة؟ أين أنفقت الأموال؟ لماذا ضاعت الحقوق؟ لماذا تأخر العدل؟ لماذا جاع الجائع؟ ولماذا بكى المظلوم؟ ولماذا مات المحتاج وهو ينتظر من يمد له يد العون؟

 

إنها أسئلة لا تنفع معها الخطب البليغة، ولا البيانات المزخرفة، ولا التبريرات المصنوعة. هناك لا يتكلم إلا الحق، ولا يُقبل إلا الصدق.

 

فيا من توليت شأنا من شؤون المسلمين، راقب الله في السر والعلن، واعلم أن دعوة صادق مظلوم قد تهدم ما بنيته في سنوات، وأن دمعة يتيم قد تكون حجة عليك يوم القيامة، وأن حاجة فقير قصّرت في قضائها قد تجدها واقفة بين يديك يوم العرض الأكبر.

 

وإن كنت قد أخطأت أو ظلمت أو فرطت، فما زال باب التوبة مفتوحا، وما زالت الفرصة قائمة لرد الحقوق إلى أهلها، وإنصاف المظلوم، وإغاثة المحتاج، وإصلاح ما أفسدته الأيام.

 

فالسعيد من بادر قبل أن يبادر به، وتاب قبل أن يغلق باب التوبة، وأصلح قبل أن يحول الموت بينه وبين العمل.

 

تذكر دائما أن المنصب زائل، وأن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم سيجلس عليه غيرك غدا، وأن الناس قد ينسون ما كنت تملك، لكن الله لا ينسى ما قدمت يداك.

 

فاختر لنفسك جوابا يرضيك يوم تقف بين يدي رب العالمين، {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}.

الأحدث