تخطى الى المحتوى

الملاذ الأخير: كيف يستطيع النظام الخروج من عنق الزجاجة؟

السعودي ولد جدان - ضابط سابق في الجيش

جدول المحتويات


لم يعد المشهد السياسي والاجتماعي في البلد غامضا تماما ولا ضبابيا حتى بالقدر الذي تصعب معه قراءته ، أصبح كل شيء واضحا إلى حد ما، غلاء فاحش في الأسعار، صعوبات في تسيير الحياة اليومية للطبقة العريضة من المواطنين، تراجع ملحوظ في القوى الشرائية، لابد أن يجد له انعكاسا في الركود الاقتصادي والقلاقل الاجتماعية بأعراضها المختلفة، مثل الصراعات العرقية والشرائحية.

أما على المستوى السياسي فتكفي ملاحظة أن كل شيء بات يراوح مكانه، فلا تقدم للحوار الذي أعلن عن انطلاقته منذ ما يربو على السنتين ولا ابتكار على صعيد البرامج والأنشطة السياسية كل ما هناك كعنوان كبير للمشهد السياسي هو الأزمة وتفاعل عوامل التأزيم حتى طبع المشهد الوطني طابع من الاحتقان لم يشهده البلد مثيلا طيلة تاريخه السياسي، بإجماع المراقبين المهتمين والساسة المستقلين وغير المستقلين أحيانا.

البنية الاجتماعية بمختلف مستوياتها بدأت ترسل الإشارات التحذيرية!

فهذا المثقف والفاعل السياسي ، الذي تبوأ مناصب سياسية تعكس ثقة النظام في شخصه ورضاه عن أدائه، وذلك الفاعل الحقوقي والسياسي، والذي هو قبل كل هذا احد أعوان القضاء، الذي كان بالأمس محبوا بالانتداب على رأس إحدى مؤسسات الدولة الحقوقية برتبة وزير.

هذان على سبيل المثال، لا الحصر، اللذان بدءا يوجهان سهام النقد المباشر اللاذع للنظام وسياسته نهارا جهارا على رؤوس الأشهاد، وأكيد أن في جعبتيهما من المسكوت عنه نتيجة عوامل أخلاقية، شخصية، لشراكتهما بحكم وظيفتيهما السابقتين في النظام، أو ما هو مدخر لجولات قادمة. فمثلهما لا يقول كل شيء دفعة واحدة.

هل يمكن أن يفوت أمر هاذين على (مفكري النظام) ورعاة مصلحته دون طرح علامة استفهام حول ما يعنيه ذلك؟
من جهة أخرى، وفي هذا السياق يجب لفت الانتباه على جانب من جوانب تخليد العيد العالمي للعمال في فاتح مايو المنصرم من سنة 2026 ما الذي حدث ؟ لا شك أن جميع المتابعين قد استوقفتهم تلك الصرخة المدوية التي أطلقها ذلك الجندي السابق والجنود معروفون بالانضباط وشدة التحمل، هذه أمور تربوا عليها وأصبحت جزءا من حياتهم.

المسكين من خلال صيحته كان يستغيث ويستنجد SOS، "لم نعد قادرين على تحمل أعباء الحياة لم نعد نتحمل عبء المعاناة وصلنا هنا بسلفة كي نسدد تكاليف التنقل".

هذه الصرخة ليست صرخة فرد ألف البيئة العسكرية وعانق السلاح ، تربى على الاستعداد للتجلد والصبر حتى في أحلك الظروف التي يحتمل أن يعيشها الإنسان، إنها صرخة مجتمع بكل كيانه وهنا مصدر الخطورة والأهمية لمثل هذه الصرخات!

خلال نفس الاحتفالات لا مفر للمتابع من الاهتمام بما ورد على لسان المتحدث باسم اتحاد العمال الموريتانيين ، ومعلوم أن هذا الاتحاد دأب خلافا لمهمته الأصلية التي تشكل مبررا لوجوده، على التواطئ حد التمالئ مع الرسميين من خلال تبرير الزيادات في الأسعار ولعب دور التهدئة وامتصاص ردات فعل العمال الاحتجاجية على الاجراءات المجحفة بحقهم أو على سوء وتردي الأوضاع بشكل عام.

فلماذا خطاب المتحدث باسم الاتحاد هذه المرة ناقدا ومتذمرا اتجاه الوضعية العامة ؟ لماذا هذه اليقظة المفاجئة بعد طول سبات؟


من يستيقظ ويئن ويحذر في حقيقة الأمر هو المجتمع وإذا مرت هذه الإشارات التحذيرية على أجهزة النظام دون ما تستحق من اهتمام، فإن القائمين عليها لا يستحقون يقينا رواتبهم وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للساسة والمنظرين الذين أسند إليهم النظام مهمة السهر على مصلحته وهم في ذلك يدعون الحرص والإخلاص في تأدية المهمة على الوجه الأكمل ، فإنهم دون شك لا يستحقون ما يتمتعون به من امتيازات جعلتهم يعيشون في بحبوحة من الرخاء، ربما هي بالذات ما أنستهم معاناة المواطنين ، وجعلتهم يتعاملون مع اختلالات النظام باللامبالاة معرضين مصيره ومصير البلد للخطر.

في الوقت الذي يحكم حول البلد طوق من عدم الاستقرار ، بدايته "لكويره" وهي في نفس الوقت نهايته، مرورا بكل حدودنا، شمالا وشرقا وجنوبا وغربا من ناحية السينغال التي بدأت تدخل على خط عدم الاستقرار بعد التغييرات الأخيرة في هرم السلطة.

من المسؤول عما وصلنا إليه؟ دون شك الحكومة هي المسؤولة عن السياسات التي يمكن أن تجنب البلد مصيرا مماثلا لما هو عليه الآن! والعكس صحيح. لأن هذه السياسات إذا لم تكن بمستوى التحديات وكانت مترنحة فإن النتيجة الحتمية هي الوصول الى ما وصلنا إليه.

لكن ، والسؤال هنا موجه إلى رأس النظام ، فخامة رئيس الجمهورية بقدر ما هو موجه إلى الرأي العام الوطني، ماذا فعلنا في مواجهة هذه الوضعية، أو بعبارة أخرى ما الذي يتعين القيام به في مواجهة هذه الأوضاع المتفاعلة والمتسارعة التداعيات ؟

لا ترمي هذه المقاربة للانضمام إلى نزعة التهويل المتشائم التي تنذر بالكارثة، بقدر ما تسعى للنصح للمواطنين ولولي الأمر، محذرة من موقف الفرجة واللامبالاة تجاه التطورات التي يشهدها البلد، من منطلق الحرص على المصلحة العامة واستجابة للواجب الوطني.


الأمر ببساطة يا سيادة الرئيس أنكم اخترتم حكومة – ولا يجوز ممارسة ، "فيتو" على قرار الرئيس – واسندتم لها مهمة تسيير الشأن العام تحت إمرتكم، ولم يكن ذلك بمحض الصدفة، ولا خبطة عشواء، إن ما كان بكل تأكيد انطلاقا من حرصكم على تقدم وازدهار واستقرار وطنكم، وقد منحتموها الوقت الكافي ، وكانت الحصيلة كما يرى الجميع.

ألا يتعين إعادة النظر عند نقطة مفترق الطرق التاريخية هذه؟ وتقييم أداء الحكومة، بغض النظر عن الأرقام الزائفة والإنجازات الكاذبة التي لا تجد لها انعكاسا على حياة المواطن الرازح تحت وطأة معاناة أفقدته أو كادت تفقده صوابه، وعدم اكتراث بجباية جائرة أثقلت كاهل المواطن العادي وضاعفت عليه المعاناة وانتزعت منه الثقة في الحكومة والنظام بشكل عام ؟ ماذا تنتظرون يا صاحب الفخامة حتى يكتمل المشهد وتحل المصيبة ليكون أي إجراء تقومون به من باب الطبيب الذي يأتي بعد الموت؟
لما التشبث بهذه الحكومة والتباطئ في إقالتها استجابة لتطلعات شعبية باتت ملحة والتماسا لبديل أجدى وأكثر فاعلية ؟
مهلا! إن استبدالحكومة عاجزة أو ضعيفة أو لا وطنية، بأخرى كذلك أمر لا يقدم ولا يؤخر.

الحكومة التي يتطلع إليها الرأي العام الوطني ولنسمها "حكومة الأمل" هي حكومة وطنية فعالة عالية الأداء، مثل هذه الحكومة يجب الاجتهاد على رأسها ومن يقودها. فبعد تجارب من الإخفاقات مع حكومات سالفة يجب أن يكون قائد حكومة الأمل التي يتطلع إليها المواطنون مجربا، فالوقت هذه المرة لم يعد يسمح بانتظار نتائج تجارب جديدة.

عندما نقول مجربا فإننا نروم الاختصار وإذا كان لابد من التفصيل ، فإننا نريده مجربا في كفاءته، مجربا في نزاهته، مجربا في اعتداله، وقبوله وطنيا ودوليا، وأخيرا مجربا في أدائه.
لا نريد هنا أن نظهر وكأننا نملي على فخامة رئيس الجمهورية، ولا نقوم "بفيتو" على قراراته، ولا حتى أن نشير إليه في أعوانه ومحيطه المهني، "فأهل مكة أدرى بشعابها" والرئيس مؤتمن في خياراته واختياراته، لكن فقط وفقط كي لا نتهم بالمثالية، وأن الشخص الذي نريده على رأس الحكومة هو شخص أسطوري مثالي، لا وجود له إلا بين سكان جمهورية افلاطون المثالية، لابد هنا أن نعطي مثالا واحدا على الأقل لذلك الشخص الذي يمكن التعويل عليه في قيادة حكومة الأمل وذلك في حدود علمنا واطلاعنا المحدودين، أما في حدود اطلاع وعلم رئيس الجمهورية فالأمر أشمل وأوسع، وهو في هذه الحال حر في اختيار من يراه جديرا بثقته وكفؤا لأداء الواجب والمسؤولية.

الدكتور مولاي ولد محمد لغظف الذي بفضل قيادته أول حكومة في عهد التغيير الذي حصل في أعقاب الإطاحة بالمرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله، كان ذلك العهد عهد الشعارات الكبرى، مثل محاربة الفساد وتجديد الطبقة السياسية، والإنجازات الكبرى كبناء الأطباب والمطار وتنظيم الحالة المدنية وتأهيل الجيش وتحديد المعابر الحدودية سدا لباب الهجرة غير الشرعية ...إلخ.

وبمجرد التخلص منه وإسناد المهمة لغيره، بدأ النظام مرحلة التقهقر والانحطاط حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه.
الوقائع التي يجري الحديث عنها تمت في الماضي القريب، وفي العلن على مرأى ومسمع من الجميع، ولا يجوز أن يكون أحد من الرسميين ولا من عامة الشعب من الإصابة بمرض "الزهامير" بدرجة تجعله ينكر ذلك أو ينساه.

استدعاء الدكتور مولاي ولد محمد لغظف وتكليفه أو من هو بمستواه تجربة وسيرة ذاتية وأداء ، قد يكون من باب الاحتمال القوي لخروج النظام من عنق الزجاجة.

السعودي ولد جدان ضابط - سابق في الجيش الوطني

الأحدث