جدول المحتويات
الملخص :
شرّفني أخي الأكبر معالي الوزير الأول سيدي محمدْ ولد بوبكر بأنْ أهدى إليَّ نسخةً من كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان " زمنُ العبور الهادئ : حكايةُ الانتقال الديمقراطي في موريتانيا " ..وكان شرفي مُضاعَفا بأنْ طلبَ مني أن أبديَ رأيي حول هذا الكتاب الذي يتناول حقبة وصفها أخي وأستاذي ووزيري في قطاع الخارجية والتعاون 2008 - 2009 المرحوم البروفيسور محمدْ محمودْ بن محمدُّو (3 ابريل 1968 - 17 سبتمبر 2024) بأنها " إحدى أهمِّ الفترات في التاريخ المعاصر للجمهورية الإسلامية الموريتانية "!
وبنهَمٍ خارق باشرتُ قراءة الكتاب فإذا بالمؤلف كأنما يدفعني دفعا إلى إعادة تمثيل حكاية الانتقال الديمقراطي بأدق تفاصيلها، وهي الحكاية التي واكبتها من البداية حتى النهاية مع فريق طيب من الزملاء منهم {مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}..
رحم اللهُ الراحلين من أعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، وأعضاء الحكومة الانتقالية، وأعضاء اللجان الوزارية المختصة، واللجنة الفنية الدائمة وخاصة منها رئيسَها الأستاذ أحمدْ سالم ولد ببُوط المستشار الفني لمعالي الوزير الأول و عضويْها الأستاذ سيدي يسلم ولد أعمرْ شين مدير الشؤون السياسية والحريات العامة في وزارة الداخلية والدكتور كوليبالي بوكار المستشار القانوني لمعالي الوزير..كنت إلى جانب هؤلاء بصفتي مديرا للتشريع والترجمة والتوثيق في وزارة الداخلية ، نشكل الفريق الفني الذي اعتمدتْ عليه اللجنةُ الوزاريةُ المكلفةُ بالسياسة في وضع جميع النصوص التشريعية والتنظيمية المعتمدة آنذاك وخاصة منها تلك المتعلقة بالمسار الانتخابي كما اعتمدتْ عليه وزارة الداخلية في المساهمة في تطبيق جلّ تلك النصوص على أرض الواقع ..
وووفاء للأرواح الطاهرة لبعض هؤلاء، واعترافا منكمْ بجميلهم وجميل غيرهم من الأطر الذين أبلوْا بلاء حسنا في الادارة المركزية والإقليمية، قلتم - معالي الوزير الأول :" وقد أشرفتْ وزارة الداخلية التي كان يتولاها الوزير محمد أحمدْ بن محمد الأمين على إدارة العملية الإنتخابية بكفاءة عالية"..
وهنا تقاطعتم في الرأي مع الرئيس اعلِ بن محمد فال رحمه الله إذ قال عن الوزير محمد أحمدْ آنذاك إنه بالنسبة للحكومة بمثابة Porte bonheur أي طالع سعدٍ كما روى عنه مدير ديوان الوزير الأول في المرحلة الانتقالية محمد ولد معاويه ..
وللتذكير فقد كان معالي الوزير محمد أحمدْ يضطلع بمسؤولية سكرتارية اللجنة السياسية بموجب المرسوم المنشئ لها ..
أما رئيسُها فهو السيد حبيب ولد همتْ الذي قلتم عنه إنه "قاد أعمال هذه اللجنة بكفاءة وحِنكة"..وقد قلت مرة إن هذا الثنائي كان "القوة الدافعة" للعملية الانتخابية..
ولقد صدقتم كذلك إذ قلتم في معرض حديثكم عن اللجان التأسيسية إنكم "توليتم مسؤولية خاصة في الإشراف عليها" وأنها "يعتمِد عليها نجاحُ عملية الانتقال الديمقراطي برمتها في نهاية المطاف"
هذا ولا أشكّ أن من أهمّ ما تجسدتْ فيه كفاءة طاقم وزارة الداخلية - التي وصفتموها بالعالية- هو وضعُ النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة باللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات التي اقتصرتْ على مهمة الإشراف على العملية الانتخابية المنظَّمة من قِبَل وزارة الداخلية آنذاك ، قبل أن تصبح لاحقا هيئة منظِّمة للانتخابات اعتبار من منتصف سنة 2012م..
هذا وقد جاء إنشاءُ هذه اللجنة ضمن جملة الاحتياطات المهمة التي ذكرتم أنها ساهمت في نجاح المسلسل الانتخابي .. إذ بإنشاء اللجنة الانتخابية جاءت المراقبة الوطنية للإنتخابات متكاملة مع المراقبة الدولية.
المهم أن المسار الانتقالي قد تم تتويجه بتنصيب المرحوم سيدي محمد بن الشيخ عبد الله تغمده الله برحمته الواسعة في ابريل 2007 م ..
التفاصيل:
رنّ هاتفي الليلةَ قبلَ الماضية أي ليلة الجمعة 22 مايو 2026م فكانتْ فرحتي عارمة عندما تبيّنتُ أن المتصل هو أخي الأكبر معالي الوزير الأول السابق سيدي محمد بن بوبكرْ، وإذا به يطلب مني ويؤكد عليّ أن أبديّ رأيي حول كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان " زمنُ العبور الهادئ : حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا " الطبعة الأولى 2026 ، الناشر : المركز الثقافي للكتاب - الدار البيضاء/ المغرب.
ولم تمض إلا دقائق معدودة بعد ذلك حتى توصلتُ منه على يد سائقه الخاص، بنسخة من الطبعة الفرنسية من الكتاب تحمل إهداء كتبه إليّ بيده النظيفة ولغته العربية الناصعة ..كانتْ تلكم هي المرة الثالثة التي أحظى فيها باتصال من معالي الوزير الأول سيدي محمد بن بوبكرْ .. إذ كان قد اتصل بي هاتفيا مرتين من قبلُ أولاهما مساء يوم السبت 27 يناير 2007م في ليلة ليلاءَ من زمن العبور الهادئ، وذلك بصفتي منتَدبا من معالي وزير الداخلية الموجود ليلتئذ خارج البلاد في مهمة رسمية يصحبه فيها المدير المختص المرحوم سيدي يسلم بن أعمرْ شين .أمرني معالي الوزير الأول آنذاك بالالتحاق بمستشاره القانوني البروفيسور أحمدْ سالم بن ببُوط رحمه الله في منزله لأمثل وزارة الداخلية في إعداد نص قانونيّ يقضي باعتبار البطاقات البيضاء أي الأصوات الحيادية أصواتا لاغية في الانتخابات الرئاسية .. وقد تمّ ذلك بتعديل المرسوم المتعلق برئاسة الجمهورية وقال المؤلف عن ذلك الإجراء إنه كان يهدف إلى " تهدئة المخاوف التي بدأتْ تعبِّر عنها بعض الأطراف السياسية بقلق متزايد " وهو ما سماه "حالة من الارتباك في الأوساط السياسية " أحدثها خطاب ألقاه الرئيس اعلِ بن محمد فال رحمه الله في افتتاح المؤتمر السادس لرابطة عمد موريتانيا يوم 27 يناير 2007 م!وسأعرض لهذه الحادثة لاحقا إن شاء الله.
أما الاتصال الثاني فكان من مدريد بإسبانيا سنة 2009 وهو إذْ ذاك سفيرٌ هناك وأنا أمينٌ عامٌّ لوزارة الخارجية والتعاون. واسمحوا لي أن أروي السبب في ذلك الإتصال ليكون مسوِّغا لرواية طرفة من الطرف المأثورة لدى الدبلوماسيين عن أخينا الدبلوماسي الطريف المرحوم ديدي ولد السالك ليكون ذلك سببا في الترحّم عليه أيام العمل الصالح في العشر الأواخر من ذي الحجة.اتصل بي آنذاك سعادة السفير ومعالي الوزير الأول السابق باسم زملائه السفراء يطلب مني العدول عن قرار اتخذته آنذاك يقضي بنقل مسؤولية توزيع المبالغ المخصصة لمساعدة الدبلوماسيين في دراسة أبنائهم في الخارج إلى رؤساء البعثات الدبلوماسية بعد أن ظلَّ حكرا على الأمين العام للوزارة ..كنت ألمس من خطابه الهادئ - وهو الإقتصادي البارع - أنه يوافقني الرأي في أنّ السفير أيّ سفير ، في دائرته الدبلوماسية ، أقدر من الأمين العام في مكتبه في انواكشوط على معرفة الأحقّ من معاونيه الأقربين في المساعدة في نفقات الدراسة للأبناء المغتربين، وبالتالي فإنه أولى منه بتحمل "ذلك الحرج" حتى لا أقول تحمّل تلك المسؤولية ! فالأمرَ يتعلق برفع الحرج لا تحديد المسؤولية! وكنت أحتج بأن حجم الإحراج الذي ينتاب أصحاب السعادة السفراء في التدقيق المفروض في طلبات بعض معاونيهم قبل إحالتها إلى الوزارة هو ذاتُه الذي ينتاب الأمين العام ابانَ تنفيذ بعض تلك الطلبات! وفي هذا السياق يتداول الدبلوماسيون أن معالي الوزير السابق والأمين العام السابق أيضا لوزارة الخارجية، أستاذنا خطري بن جدُّو تلقى مرة طلبا للتعويضات الدراسية من المرحوم ديدي ولد السالك وهو إذ ذاك محاسبٌ في إحدى الممثليات الدبلوماسية في الخارج فسأله قائلا :" هل باستطاعتك أن تقسم لي في المُصحف الشريف على صدق المعلومات المتضَمَّنة في طلبك هذا ؟ فما كان من ديدي إلا أن أجابه بطرافته المعهودة قائلاً: " أكْسَلاَنْصْ واللهِ لا أقدر أن أُقسمَ لك على صدقها ولو في الكتاب المدرسيِّ المسمّى " كتابُكَ يا ولَدْ !"، فضحك خطري كثيرا وسار ذلك الجواب بين الناس طرفة متداولة !
وأعود إلى صُلب الموضوع فأقول إن المؤلف قد يكون طلب مني إبداء رأيي في كتابه عن المرحلة الانتقالية باعتباري أحد شهود العيان على ذلك العبور الهادئ و أحد المشاركين في بعض فصول تلك الحكاية العجيبة عن الانتقال الديموقراطي في موريتانيا.. واستجابة لطلبه سأحاول أن أعبُر بصورة هادئة - إن شاء الله - إلى بعض التفاصيل التي واكبتُها في ذلك الزمن إذ كنت مدير التشريع والترجمة والتوثيق في الوزارة وكنت إلى جانب المرحوم الدكتور كوليبالي بوكارْ المستشار القانوني لوزير الداخلية والبريد والمواصلات والمرحوم الأستاذ سيدي يسلم ولد أعمرْ شين مدير الشؤون السياسية والحريات العامة في الوزارة، نشكل فريقا فنيا يواكبَ معالي الوزير السيد محمد أحمدْ بن محمد الأمين طوال تلك المرحلة.
وكنا بموجب ذلك أعضاء في اللجنة الفنية الدائمة للجنة الوزارية المشتركة المكلفة بمسار الانتقال الديمقراطي وهي اللجنة التي يرأسها المرحوم البروفسور أحمد سالم بن ببُوط المستشار الفني لمعالي الوزير الأول وتم إنشاؤها طبقا لترتيبات المادة 7 من مرسوم الوزير الأول رقم 2005 - 077 الصادر بتاريخ 26 أغسطسْ 2005 القاضي بإنشاء لجنة وزارية مشتركة مكلفة بمسار المرحلة الانتقالية .وتخول هذه المادةُ اللجنةَ الوزارية المشتركة صلاحيةَ "إنشاء أي هيئة تعتبر إنشاءها مفيدا لها في إنجاز مهمتها".أما اللجنة الوزارية المشتركة المكلفة بمسار الانتقال الديمقراطي فهي أبرز ثلاث لجان وزارية مشتركة أفرد لها المؤلف فصلا كاملا من كتابه تحت عنوان " لجان تأسيسية " في الصفحات من 43 إلى 48 من كتابه وقال عن هذه اللجان : " نظرا لاتساع نطاق مهامها وضيق الوقت المخصص لإنجازها، شكلت الحكومة الإنتقالية ابتداء من 26 أغشتْ 2005 لجاناً وزارية مكلفة على التوالي بالعملية السياسية وبالعدالة وبالحكم الرشيد.ولأنها أُلحِقتْ مباشرة بالوزير الأول بموجب المراسيم التي أنشأتها، فقد كنتُ أتحمَّل مسؤولية خاصة في الإشراف على سير أعمال هذه اللجان التي يعتمِد عليها نجاحُ عملية الانتقال الديمقراطي برمتها في نهاية المطاف.تمّ تكليفُ اللجنة الوزارية المسؤولة عن العملية السياسية بدراسة و إعداد الأحكام الدستورية الجديدة التي يتعين اعتمادها عبر استفتاء عام . كما أسند إليها اقتراح جميع التدابير الضامنة لنزاهة وشفافية العمليات الانتخابية المقررة ، بالإضافة إلى أي إجراءٍ تراه ضروريا للتنظيم الجيد للانتخابات من الناحية القانونية والإدارية".
وتتشكل هذه اللجنة المكلفة بالسياسة على النحو التالي :
الوزير الأمين العام لرئاسة المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية: حبيب بن همّتْ،
وزير الشؤون الخارجية والتعاون : أحمدْ بن سيدْ أحمدْ؛
وزير العدل : محفوظ بن بتّاح ؛
وزير الداخلية والبريد والمواصلات: محمد أحمدْ بن محمد الأمين ويتولى سكرتارية اللجنة بموجب المرسوم المنشئ لها؛
الوزير المكلف بمحو الأمية والتوجيه الإسلامي والتعليم الأصلي : يحيى بن سيدْ المصطفْ؛
كاتب الدولة للحالة المدنية : عبدي بن حرمه؛
الأمين العام للحكومة : با صيْدو موسى؛
مفوض حقوق الإنسان ومحاربة الفقر والدمج : سيد أحمدْ بن البُ.
وهكذا فقد أُلزمتْ هذه اللجنة الوزارية المشتركة بموجب المرسوم المنشئ لها أن تقدم لكل من الحكومة والمجلس العسكري في ظرف شهريْن (2) ، تقريرا عن برنامج العمل الذي تُزمعه من أجل تنفيذ مهمتها المتمثلة في الإشراف و الدفع والبرمجة والمتابعة لمسار يرمي إلى وضع نظام ديمقراطي شفاف ومستديم، بالتشاور مع الأحزاب السياسية و المجتمع المدني.وهو البرنامج الذي يجب تنفيذه في أجل لا يبلغ السنتيْن (2) طبقا لتعهدات المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية المتضمنة في البيان رقم واحد الصادر يوم الأربُعاء 3 أغشتْ 2005 م.يقول هذا البيان :"وهذا المجلس يلتزم أمام الشعب الموريتاني أن يخلق الظروف المواتية لديمقراطية نزيهة وشفافة. وسيمكن المجتمع المدني وجميع الفاعلين السياسيين أن يشاركوا فيها بكل حرية.إن قواتنا المسلحة وقوات أمننا لن تمارس الحكم أكثر من المرحلة اللازمة لتهيئة وخلق مؤسسات ديمقراطية حقيقية ولن تتجاوز هذه الفترة سنتين كحد أقصى".
وأما اللجنة الفنية الدائمة لهذه اللجنة الوزارية المشتركة فكانت تتشكل من بعض معاوني الوزراء الأعضاء ..كانت اللجنة الوزارية المشتركة تجتمع بانتظام في إحدى قاعات البرلمان (اللجنة الانتخابية حاليا) بصورة مستديرة تبعا للشكل الدائري للطاولة الكبيرة المنعقد حولها الاجتماع ، ويجلس خلف كل وزير معاونون أعضاء اللجنة الفنية الدائمة وقد يصل عددُهم ثلاثة (3) كما هو الشأنُ بالنسبة للوزارة المكلفة بالداخلية .. قال المؤلف :" وقد ترأس هذه اللجنة - يعني اللجنة السياسية - حبيب بن همَّتْ" ووصفه بأنه " إداري مدني ورجل انفتاح وتوافق، قاد أعمال هذه اللجنة بكفاءة وحِنكة".. قلتُ: وبموجب المرسوم المنشئ لهذه اللجنة يتولى مهمة سكرتاريتها معالي وزير الداخلية السيد محمد أحمدْ بن محمد الأمين الذي كان أيضا عضواً في اللجنة الوزارية المكلفة بالعدالة ..ومحمدْ أحمدْ كما هو معلوم هو إداريٌّ مدني خريج من المدرسة الوطنية للإدارة بانواكشوط دفعة 1985 - 1986 وله تجربة واسعة في كل من الادارة الاقليمية ( رئيس مركز إداري ووالي مساعد و حاكم أكثر من مرة في انواكشوط وفي الداخل ) والإدارة المحلية (أمين عام بلدية انواكشوط) والإدارة المركزية (مستشار فني لوزير الداخلية)..وقد أهلته هذه التجربة للاضطلاع بمهمة السكرتارية على أحسن وجه …
وكان أعضاء اللجنة الفنية للجنة السياسية يعمدون مباشرة بعد كل اجتماع إلى تسجيل النقاط البارزة في النقاش وما إن ينفضّ الاجتماع حتى يأخذوا مكان الوزراء ليحرروا مشروع محضر يعرضونه على اللجنة الوزارية في اجتماعها الموالي لتتمّ مراجعته والمصادقة عليه مصادقة تؤذنُ بمباشرة تنفيذه على جناح السرعة من قِبَل القطاع المختص..وهكذا دواليْك ..
وتكاد تكون وزارة الداخلية هي القطاع المختص بتنفيذ جميع أعمال هذه اللجنة إذ أنها تضطلع بمهمة التشاور مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني وتقوم بإعداد النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالدستور وبتنظيم المسلسل الإنتخابي وكل ذلك بإشراف ومساعدة مستشار الوزير الأول رئيس اللجنة الفنية الدائمة البروفيسور أحمدْ سالم بن ببُوط ..
هذا وقد تم تعيين الحكومة الانتقالية يوم 10 أغسطس 2005 و قدمت استقالتها يوم 31 مارس 2007م أي أنها لم تستغرق مدتها أكثر من سنة ونصف فقط اكتمل فيها برنامجها على أكمل وجه !
وخلال تلك الفترة استطاعتْ وزارة الداخلية أن تُنفذ المهام التالية في ظرف قياسي وبكفاءة وصفها المؤلف بالعالية :
تنظيم الأيام الوطنية للتشاور : 25 اكتوبر 2005م؛
إنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات: 14 نوفمبر 2005م؛
إعداد اللائحة الانتخابية : 16 فبراير 2006م؛
تنظيم الاستفتاء على الدستور : 25 يونيو 2006م؛
تنظيم انتخاب المستشارين في المجالس البلدية و النواب في الجمعية الوطنية : 19 نوفمبر 2006م؛
تنظيم انتخاب الشيوخ : 21 يناير 2007م؛
تنظيم المؤتمر السادس لرابطة عمد موريتانيا: 27 يناير 2007م؛
تنظيم الانتخابات الرئاسية: الشوط الأول يوم 11 مارس والشوط الثاني يوم 25 مارس 2007م وتم تنصيب الرئيس المُنتخب يوم 19 ابريل 2007م.
واسمحوا لي هنا أن أقف وقفة إجلال وإكبار لمعالي الوزير الأول سيدي محمد بن بوبكر على دوره المتميز في "تحمُّل مسؤولية خاصة في الإشراف على سير أعمال هذه اللجان" وأقول مع أستاذنا محمد فال بن عبد اللطيف (في مقال له بعنوان قراءة في كتاب زمن العبور الهادئ) :" لا أدري ما ذا كانت ستكون مجريات الفترة الانتقالية في موريتانيا بعد انقلاب 2005، لو لم يوفق الله تعالى العقيد اعلِ ولد محمد فال رحمه الله لتعيين السيد سيدي محمد ولد بوبكر مشرفا على حكومة الفترة الانتقالية.ومع أني لا أنكر ما عوَّد الله تعالى هذا الشعب الكريم من لطف يرافقه حتى في الأزمات والظروف الصعبة التي يمر بها - فإني مع ذلك- أجزم أن تعيين السيد سيدي محمد كان حاسما في تحقيق النجاح الباهر الذي أجمع عليه البر والفاجر والقريب والبعيد".
ولا شك أن أستاذنا محمد فال بن عبد اللطيف لا يمانع في أن أسير على منواله فأقول ما قاله عن معالي الوزير الأول، في حق اثنيْن من أعضاء اللجان الوزارية المشتركة وصفْتُهما في مناسبة سابقة بأنهما كانا " القوة الدافعة " في تلك المرحلة الانتقالية وهما:
أولا- معالي الوزير الأمين العام لرئاسة المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية السيد حبيب بن همّتْ الرئيس الفعلي للجان الوزارية المشتركة الثلاث وخاصة منها اللجنة السياسية؛
ثانيا - معالي وزير الداخلية والبريد والمواصلات السيد محمد أحمد ولد محمد الأمين وكان عضوا في كل من لجنة العدالة واللجنة السياسية وهي اللجنة التي تقلد فيها كذلك مسؤولية السكرتارية وباشر تنفيذ جميع قراراتها تقريبا.
أما الثناء على الجهود الكبيرة الذي بذلها طاقمُ وزارة الداخلية بإشراف معالي الوزير محمد أحمدْ بن محمد الأمين خلال المرحلة الانتقالية الأولى ، فقد سبقَنا إليه المؤلف إذ قال في الصفحة ص 76 من الكتاب :"أشرفتْ وزارة الداخلية التي كان يتولاها الوزير محمد أحمدْ بن محمد الأمين على إدارة العملية الإنتخابية بكفاءة عالية".وهذه الشهادة الصادقة تطابق قول الرئيس الموريتاني الأسبق المرحوم اعلِ ولد محمد فالْ ربّان سفينة العبور الهادئ وبطلُ حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا:"إن معالي وزير الداخلية محمد أحمدْ بن محمد الأمين هو بالنسبة لحكومة الانتقال الديمقراطي بمثابة Porte bonheur أي "طالعُ سعْدٍ"!وقد كنتُ رويتُ تلك الشهادة في مناسبة سابقة ناقلاً عن معالي وزير الداخلية السابق محمدْ ولد معاويه وهو مدير الديوان في الوزارة الأولى آنذاك وقد أثنى عليه المؤلف في معرض حديثه عن تشكيل فريق الديوان في الوزارة الأولى بما هو أهلٌ له فقال :"وكان لمدير الديوان محمدْ ولد معاويه دورٌ بارزٌ في انسجام وفعالية الفريق"!
وكما قالت العرب فإن "عينَ العدل الرؤية"، وتوخياً للعدل أقول كما قال الرئيس المؤسس المختار بن دادّاه في مقدمة مذكراته :" لنْ يجد القارئ في ثنايا هذا الكتاب إلا ما كنتُ شاهدَ عيان عليه أو ما كان من صنعي بحكم المسؤوليات العمومية التي تقلدتُها"!.
ومن هذا المنطلق سأشارك القارئ الكريم بعض ما علق بذاكرتي عن بعض الأحداث الواردة بين ثنايا هذا الكتاب الثريّ الغنيّ الذي يتعلق بمرحلة وصفها أخي وأستاذي معالي وزير الخارجية السابق المرحوم البروفيسور محمدْ محمودْ بن محمدُّو (3 ابريل 1968 - 17 سبتمبر 2024) بأنها " إحدى أهمِّ الفترات في التاريخ المعاصر للجمهورية الإسلامية الموريتانية "!وهذه شهادة معتبرة من أكاديمي دولي بارز حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة مدينة نيو يورك في الولايات المتحدة الأمريكية وعمل باحثا مشاركا في معهد رالفْ بانْش بالأمم المتحدة في نيو يوركْ وباحثا في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يعود إلى وطنه ليصبح فيه مديرا للتعاون الدولي ثم وزيرا للخارجيّة والتعاون. وبعد ذلك استدعيَ للعمل في أوروبا مديرا لمركز الأبحاث في المجلس الدولي لسياسات حقوق الإنسان بجنيف وأستاذا زائرا في كل من معهد الدراسات العليا للدراسات الدولية والتنمية في جنيف وفي معهد جنيف للدراسات الأمنية.
تولَّى المعني - كما قلتُ - وزارة الخارجية والتعاون في موريتانيا طوال المرحلة الانتقالية الثانية 2008 - 2009 وهي الفترة التي عملتُ معه فيها أمينا عاما وتلميذا صادقا وأسند إليّ خلالها بعض الملفات الحساسة منها ملفُّ قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني .. وكنت شاهدا على قلبه الطيّب وكفاءته العالية وهو ذو اللغات المُتقَنَةِ الخمس : العربية والفرنسية والانگليزية و الإسبانية والألمانية .وكثيرا ما كان يحدثني - رحمه الله- عن انبهار زملائه العرب من تعدد لغاته كلما عنّ له التدخل بإحداهنّ في المحافل الدولية إذ كانوا يغمرونهُ بالتصفيق الحار مع نهاية كل تدخل !
وأدخل في صُلب الموضوع لأبدي ملاحظاتٍ عابرة عن المواضيع التالية :
أولا- تنظيم الأيام الوطنية للتشاور : أذكر الأمور الثلاثة التالية :
أ)-كان رأي اللجنة هو أن لا تتجاوز سن المترشح للانتخابات الرئاسية 70 سنةً فقط ولكنها اقترحتْ سن 75 لتترك مجالا للتنازل عند الضرورة خلال جلسات التشاور .وكانتْ المفاجأة أن المتحاورين لم يتطرقوا إلى هذا الموضوع وتم اعتماد الاقتراح كما هو .
ب)-كنت في لجنة تدرس المسطرة الانتخابية بما في ذلك الانتخابات الرئاسية وكان يرأسها الرئيس اللاحق سيدي محمدْ بن الشيخ عبد الله رحمه الله ولستُ أدري إن كانت هنالك صلةٌ معيّنة بين الرآستيْن : أي رآسة اللجنة ورئاسة الدولة لاحقا على ضوء ما ذكره المؤلف في الصفحتيْن 81 و 82 من كتابه حيث ذكر أن كلا من اعلِ بن محمد فال رحمه الله ومحمد بن عبد العزيز حفظه الله حدثه بما يقتضي دعم الرجل في الانتخابات الرئاسية المقبلة 2007م!
أما فريق المقررين في هذه اللجنة فقد تضمن أخانا الوزير السابق سيدي ولد سالم وكان يصرّ بعفويته المعهودة على إبداء رأيه في بعض المواضيع خلافا للقاعدة المتبعة من التزام المقررين الحياد بين المتحاورين!
ج)-كان البروفيسور أحمدْ سالم بن ببُوط هو المقرر العام للأيام التشاورية وقد شرّفني رحمه اللهُ بأن عهد إليّ بترجمة التقرير العام إلى اللغة العربية وكل منّا قرأ نصه أمام الجمهور الذي اكتظت به قاعة قصر المؤتمرات عشيتئذ ..وأذكر أنني استعنتُ في تدقيق النص المترجم بمكتب مختص في الترجمة يرأسه الأستاذ محمد المختار بن سيدينَ فاضطلع بتلك المسؤولية بمساعدة اثنيْن من معاونيه هما الأستاذان : محمدن بن امْحمدْ بن المختار (محمدانْ) واحمدناه بن محمدن بن الخال (الشيخ سليمان) ولا تزال مستحقات ذلك الفريق - حتى كتابة هذه السطور - في عنق وزارة الداخلية المُؤذنة في تنفيذ تلك الخدمة المفترض أنها مُعوّضة ! وكانت تلك هي المرة الأولى التي أتبيّن فيها أن النص المترجم إلى لغة معيّنة - العربية مثلا - يتعين أن يمرّ بمرحلة لاحقة تُعادُ فيها صياغته وفقا لقواعد اللغة الأصلية الناصعة ..
ثانيا- إنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات: أذكر في هذا المجال أمرين :
أ)- في إطار توزيع العمل بين أعضاء اللجنة الفنية الدائمة، أسندتْ إليَّ رئاسة اللجنة الفرعية المكلفة بإنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للإنتخابات وبموجب ذلك أعددتُ مسودة مشروع الأمر القانوني رقم 2005 - 012 المنشئ لها ودفعته إلى البروفيسور أحمد سالم فأبدع في صياغته وجعله في صيغته النهائية وأذكر أن عضو اللجنة الفنية الدائمة ممثل وزارة العدل الوزير السابق حيمود بن رمْظانْ هو من أعد مسودة مشروع المرسوم المطبق لذلك الأمر القانوني بعد اعتماده .ومن اجتهادات الأستاذ ببُوط أنه عندما وضع سنة 2012 نص القانون المنشئ للجنة الوطنية المستقلة للإنتخابات في صيغته الجديدة باعتبارها منظِّمة للانتخابات جعله قانونا عضويا وليس هو كذلك في ظاهر الدستور ..
ب)- عُرض هذا المشروع على خبير انتخابي أجنبي منتدب من الأمم المتحدة لمساعدة موريتانيا في مسارها الانتخابي، وكنتُ حاضرا ( سمعته يقول إنه قريبُ عهد ببغداد حيث كان منتدَباً في مهمة مماثلة) .. ولكن هذا الخبير الكبير - في ما يبدو من العناية المُحاطَ بها من السلطات العليا - سرعان ما اختلف مع الأستاذ ببُوط حول صياغة المادة 24 من المشروع . ذلك أنه أصرّ على أن تُمنح اللجنة الانتخابية الناشئة سلطة تخولها توقيف عملية التصويت كلما أدّى تقديرها إلى ما يستوجب ذلك .. وأمام إصراره استشاط المرحوم ببُوط غضبا ووصل النقاش بينهما إلى طريق مسدود فرفع الخبير الأمر إلى اللجنة الوزارية التي استدعتْ الأستاذ ببُوط في مكتب معالي وزير العدل الأستاذ محفوظ بن بتّاحْ وكنت إلى جانبه في ذلك الاجتماع الخاطف .. ما إن شرع أعضاء اللجنة في إقناع ببُوط بضرورة اعتماد رأي الخبير الأممي حتى هبَّ واقفا وهو يقول :" إنما أنا مستشار الوزير الأول! "وغادر الاجتماع . وعلمتُ في ما بعدُ أن اللجنة رفعت الأمر إلى الرئيس اعلِ بن محمد فال فاستدعى ببُوط واتفقا على إعادة صياغة المادة في حل وسط يرضي ذلك الخبير الضيف على بلادنا في ظروف استثنائية!موقف ببُوط كان صريحا ومفاده أن المجلس العسكري اعتمد نموذج اللجنة الانتخابية المشرفة فقط بدل اللجنة المنظِّمة ، وبالتالي فإن اللجنة المشرفة ليستْ لها سلطة توقيف الإقتراع، وإنما يقتصر دورها على توصيل ملاحظاتها إلى السلطة المنظِّمة وهي وزارة الداخلية! وقال إن نموذج اللجنة الانتخابية المنظّمة عادةً ما يفرضه الغرب على الدول الافريقية التي يحوم الشك حول مصداقية حكوماتها وأن ذلك لا ينطبق على بلادنا .. المهم أن تلك الصياغة التوافقية للمادة 24 والمواد الموالية لها لم تشهد أي تغيير منذ نشأتها الأولى حتى بعد أن أصبحت اللجنة الانتخابية لجنة منظّمة منذ منتصف سنة 2012 م!
ثالثا - إعداد اللائحة الانتخابية : بالنسبة لهذا الموضوع كان أمام اللجنة إشكال قانوني كبير لأن اللائحة الانتخابية بموجب الأمر القانوني 87 - 289 المنشئ للبلديات يقتضي صريحُ القانون أن تكون مستخلصة من إحصاء إداري عام بمعنى أن يتم إحصاء الشعب الموريتاني برمته من السن صفر (0) فما فوق ثم يفرز من نتائجه البالغون سنّ الانتخاب (18سنة) تحت عنوان اللائحة الانتخابية. وعلى أساس تلك اللائحة يتم الاقتراع. والإحصاء الإداري العام طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية المطبقة له أي القانون رقم 74 - 147 بتاريخ 11 يوليو 1974 والمرسوم المطبق له رقم 74- 186 بتاريخ 3 سبتمبر 1974م يستغرق تنظيمه زمناً يضاعف زمنَ العبور الهادئ!وأمام هذا الإشكال القوي اقترح معالي وزير الداخلية محمد أحمدْ بن محمد الأمين الاقتصار على مجرد إحصاء الموريتانيين الذين هم في سن الانتخاب أي 18 سنة يوم الاقتراع المزمع. وبعد لأيٍ اعتُمد هذا الاقتراح (على علاّته القانونية ) وصدر المرسوم رقم 2006 - 085 بتاريخ 28 يوليو 2006 الذي يحدد ترتيبات الاحصاء الإداري ذي الطابع الانتخابي ولأول مرة ظهر ما يسمّى RAVEL . ومن المفارقات أنه ينص في المادة الأولى منه أنه يتخذ تطبيقا لأحكام القانون رقم 74 - 147 بتاريخ 11 يوليو 1974 المتعلق بالإحصاء الإداري العام للمواطنين وليس أحكام الأمر القانوني رقم 87 - 289 المتعلقة بإعداد اللائحة الانتخابية فجاء النصان متناقضيْن ! وأذكر أن هذه المفارقة أثارها القاضي فاضيلي بن الرايس (أظنه كان أمينا عاما لمجلس الشيوخ ) في إحدى جلسات التشاور مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني ، ولعل الأستاذ ببُوط أقنعه بمسوّغاته في ذلك الاجتهاد .. والغريب أن الاحصاء الإداري ذا الطابع الانتخابي ظل سائدا بما يكتنفه من إشكال قانوني حتى سنة 2018 حين تم تعديل الأمر القانوني المنشئ للبلديات وأدرج فيه بصفته واحدا من الآليات الثلاث التي يتم بواسطتها إعداد اللائحة الانتخابية.. ويبدو أن ذلك الإشكال ظلّ ماثلا في ذهن البروفيسور ببُوط بدليل أنني كنتُ وإياه ضمن طاقم اللجنة الوطنية المستقلة للإنتخابات (المنظِّمة هذه المرة) وبينما أنا أدافع عن فكرة مراجعة اللائحة الانتخابية المعدة على أساس إحصاء إداري ذي طابع انتخابي بدلا من اللجوء إلى إحصاء جديد للناخبين - وكان ذلك في بحر سنة 2013 - إذ جذبني على حدة وقال لي مداعبا :" وهل يسُوغ لنا قانونيا دون أيما ضرورة إلى أن نراجع لائحة انتخابية ليست معدة على أساس إحصاء إداري عام " ؟! فانتبهتُ إلى أنه لم يضمّن المرسوم المتعلق بالإحصاء الإداري ذي الطابع الانتخابي (RAVEL) آلية مراجعة اللائحة الانتخابية الناتجة عنه لأنه استثناء وبالتالي بقيت هذه المراجعة سواءً أكانت عادية (سنوية) أو استثنائية خاضعة لأحكام الأمر القانون 87 - 289 المنشئ للبلديات وهي الأحكام التي تتعلق باللائحة الانتخابية المستخلصة من الاحصاء الإداري العام للمواطنين !
رابعا- تنظيم الاستفتاء على الدستور :
كان كبارُ المستشارين القانونيين الذين استشارهم المجلس العسكري لا يرون بديلا عن وضع دستور جديد ومن هؤلاء البروفيسور محمد محمود بن محمد صالح.. وقد حضرتُ الجلسة التي عقدتْها معه اللجنة الوزارية في مقر ضيافته في عمارة آفّركو (Afarco). كان الأستاذ محمد محمود حازما جازما في موقفه أنْ ليس للمجلس العسكري من حل سوى وضع دستور جديد للبلاد! ، ولكنه كان حذرا في ذلك الإطلاق إذ أنه يشفعهُ دائما بقوله :" أقول هذا مع الاعتراف بأنني مختص في القانون الخاص ، فإذا وجدتم من ذوي الاختصاص في القانون العام من يقول برأي مغاير، فإن نظره في الموضوع يبقى أوسع من نظري فيه! " وكأنه يُلمح بذلك إلى زميله الأستاذ ببُوط وهما فرسا رهان في ميدان القانون الخاص والعام !
وفي إحدى الليالي الموالية كان للجنة الوزارية المشتركة لقاء مماثل خاطف مع البروفيسور ببُوط حول الموضوع ذاته ولكنه لم يزد ليلتئذ أن قال بدوره حازما جازما أنّ مسألة وضع دستور جديد ليست واردة ، وأن لديه الحل القانوني المناسب ولكنه لن يفصحَ عنه إلا عندما يحين وقته ! ولم تستطع اللجنة رغم إلحاحها المتكرر أن تظفر منه بأكثر من ذلك الوعد ! وعندما حان وقت الافصاح عن ذلك الحل كنت إلى جانبه حينما أفصح للجنة عن آليته المقترحة بخصوص الدستور فقال :" الدستور يتألف من جزأيْن : الديباجة و المواد الميّتة. فالديباجة يجب أن تعكس الواقع السياسي والاجتماعيّ المَعيش ، وواقع البلاد سنة 1991 ليس بالضرورة واقعها اليوم بعد 15 سنة خلتْ. ووضع دستور جديد يتطلب على الأقل ديباجة جديدة قد يتعذر الاتفاق حولها .. أما المواد الميّته رغم أنني عضو في اللجنة التي وضعتْ دستور 1991 أصلاً، فإنّ لي رغبة جامحة في تعديل بعضها.. ولكن وضع دستور جديد يتطلب من الوقت والجهد ما تضيق عنه الفترة الزمنية التي أعلنتم أنكم ستغادرون الحكم بعدها .. وعليه فإنني أقترح عليكم أن تعرضوا على الاستفتاء مشروع قانون دستوري يقضي بإعادة العمل بدستور 20 يوليو 1991 بوصفه دستور الدولة وبتعديل بعض أحكامه! ثم ختم كلامه بقوله : " طوِّفوهُ على من شئتم من كبار فقهاء القانون الدستوري في أرجاء المعمورة فلن يستطيعوا نقضه"! لم يطوّفوه وإنما اعتمدوهُ وعرض على الاستفتاء يوم 25 يونيو 2006 وصوت عليه الشعب بنسبة تربو على 90%..وحمل ذلك القانون الدستوري الجديد رقم 2006 - 14 بتاريخ 12 يوليو 2006 م..
خامساً- تنظيم المؤتمر السادس لرابطة عمد موريتانيا وقضية البطاقة البيضاء أو التصويت بالحياد :
صادف تنظيم هذا المؤتمر التحضير للانتخابات الرئاسية الوشيكة وبروز لائحة المترشحين. روى المؤلف أن الرئيس اعل بن محمد فال رحمه الله قال في خطاب الافتتاح مخاطبا المؤتمرين :" إذا كنتم لا ترغبون في انتخاب أيٍّ من المترشحين ، لا في الدور الأول ولا في الدور الثاني ، يمكنكم رفضَهم جميعا من خلال التصويت بورقة بيضاء"! أي بالحياد ..
قال المؤلف :" وقد تم الربط فورا بين هذا التصريح والشائعات التي كانت تُتداول دون أن تستند إلى دليل ملموس ، حول تكليف مجموعة من القانونيين بدراسة السبل الممكنة لترشّح محتمل لرئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية.وذهب البعض إلى أن احتساب البطاقات البيضاء قد يشكل وسيلة لدعم هذه الفرضية . وعُرفت هذه الحادثة آنذاك بقضية "التصويت الأبيض"!
قلت: وكان المجلس العسكري قد أصدر الأمر القانوني رقم 2005 - 05 الصادر بتاريخ 29 سبتمبر 2005 القاضي بعدم أهلية كل من : رئيس وأعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية والوزير الأول وأعضاء الحكومة للترشح خلال المرحلة الانتقالية.وقال المؤلف إنه من أجل إزالة أي لبس وضمان انتخاب مرشح في جميع الأحوال خلال الجولة الثانية ، أمر مستشاره الفني البروفيسور أحمد سالم بن ببُوط بإعداد نص يحسم الموضوع فجاء التعديل القاضي باعتبار التصويت بالحياد صوتا لاغيا في الانتخابات الرئاسية وصادق عليه مجلس الوزراء يوم 31 يناير 2007م ولا زال ساريا حتى كتابة هذا المقال.قال المؤلف :" وبُعيد اعتماد المرسوم ، وفي رد على سؤال لمجلة " جون أفريكْ" حول خطاب رئيس الدولة الذي تحدث فيه عن التصويت بالبطاقة البيضاء ، اغتنمتُ الفرصة لرفع أي التباس مؤكدا أنه تم تعديل المرسوم الذي أثار الجدل بشأن احتساب الأصوات البيضاء . وبذلك يكون الموضوع قد انتهى ، وقواعد اللعبة أصبحت واضحة للجميع ".
قلتُ :وقد شاركتُ في إعداد هذا النص مشاركة كتبتُ عنها مرة مقالا أقتصر منه على المقتطف التالي : [ اتصل بي حوالي منتصف الليل من الليلة الموالية للخطاب الذي افتتح به المرحوم اعلِ مؤتمر العمد ، هاتفيا الأمين العام لوزارة الداخلية و المواصلات الأخ ماسينا ممدو وقال لي :" انتبهْ لهاتفك .. سيتصل بك عبره معالي الوزير الأول !".لم يطل الانتظار وإنما رنّ الهاتف مباشرةً فإذا بالمتحدث يقدم لي نفسه على أنه دركيٌّ سرعان ما ربط الاتصال بيني وبين معالي الوزير الأول السيد سيدي محمد ولد بوبكر ! وتضاعفت مفاجأتي إذ لم يزد معالي الوزير الأول بعد مراسيم السلام الاعتيادية أن قال لي بصوته الهادئ :" التحقْ فورا بالاستاذ أحمد سالم بن ببوط فإنه ينتظرك في منزله "!وفي منزل أستاذي ببوط على شارع " الأليزي " بلغة الوسطاء ، كانت المفاجأة أكثر ! دخلتُ على شيخي الاستاذ ببوط فإذا به في مكتبه المنزلي المعتاد أمام جهاز الكمبيوتر وقد خلع الدراعة واقتصر في ملبسه على سراويلَ و قميص بكم قصير ولم يزد على كلمات له محدودة تشفعُها بعض الإشارات الخفيفة التي عادة ما تسعفه في توصيل فكرته.. وفهمتُ من ذلك أنني عليّ أن أجلس في مكان معين في انتظار فراغه من إنجاز نص قانوني مُستعجل يعكف على إعداده ! و واصل تحرياته متنقلا بين مجموعة من الكتب الفرنسية والانگليزية المتناثرة على الأرض وذلك على أنغام أغنية عربية ثائرة لم تزل صاحبتها تسأل بإلحاح شديد :" وين الملايين ..وين الملايين ؟! الشعب العربي وين ؟! " الغضبْ العربي ويْن ؟! الدم العربي ويْن ؟ علمت في ما بعد أنها أغنية وطنية تحكي معاناة الفلسطينيين مع القوات الإسرائيلية، كتبها الشاعر الليبي علي الكيلاني وقام بتلحينها الملحن الليبي عبد الله محمد منصور وقامت بأدائها المطربة اللبنانية جوليا بطرسْ ضمن محموعة ثم منفردة بعد ذلك ! المهم أنني أشك في أن تكون تلك الأنغام الملتهبة حماسا هي التي استلهم منها الاستاذ ببوط ذلك النص الاجتهاديّ الهادئ الذي لم أتبيَّن حقيقته إلاّ ضحى الغدِ.اكتمل النص وهنا من الليل ودفعه إلي الأستاذ مباشرة بغية ترجمته إلى اللغة العربية فامتثلتُ أمره طائعاً .. وفي وقت المستغفرين بالأسحار كفّت المطربة الثائرة عن إلحاحها في السؤال دون العثور على ضالتها المنشودة ، و أغلق الأستاذ جهاز الكمبيوتر و رتب أوراقه بصورة خاطفة وهو يمدُّ يده لإطفاء المصابيح في مكتبه وودّعني قائلا :" موعدنا الثامنة إن شاء الله في مكتبي بمقرّ الوزارة الأولى "!عدت إلى المنزل وما إخالني نمتُ بقيةَ تلك الليلة وما أرقني الإعياء ليلتئذ بقدر ما أضناني التفكير في الظروف الاستعجالية التي تكتنف إنجاز هذا النص ! وفي الصباح الباكر كنت في الموعد المحَدَّد، فإذا بالاستاذ ببوط واقف عند عتبة باب مكتبه ينتظرني، وبإشارة خاطفة طلب مني مرافقته فسرت خلفَه وما هي إلا خطوات محدودة حتى فُتِح أمامنا أحد الأبواب الموصدة فإذا نحن وجهاً لوجه أمام معالي الوزير الأول سيدي محمد ولد بوبكر ! وبعد تبادل خاطف حول الموضوع ، فوجئتُ بالوزير الأول يلتفتُ إليَّ سائلًا : وأنتمْ ما رأيُكم في الموضوع - وهو هنا يعني بطبيعة الحال الوزارة المكلفة بالداخلية ممثّلة في المدير المكلّف بالتشريع ؟ وهنا أربكني السؤال إذ لم أكن أتوقعه ، فأجبتُ بسذاجة الغمر :" معالي الوزير الأول ، إن الأستاذ ببوط أوسع نظرا ولكنني لم أستسغ بعدُ كيف تعتبر البطاقة البيضاء التي تجسّد خيارَ الحيَّاد لدى الناخب، صوتا لاغيا في الانتخابات الرئاسية ؟ و هممتُ بأن أسترسل في الكلام فقاطعني البروفسور بعنف قائلا : ذاك ما يعنيك !! فابتسمَ معالي الوزير الأول دون تعليق وأومأ إلى مستشاره إيماءةً دعاني بعدها الاستاذ إلى مرافقته من جديد ولكن هذه المرة في سيارته وهو فيها على مقعد القيادة يسير بنا إلى وجهة أمضيتُ بُرهة أخالُها مجهولةً حتى وصلنا فجأةً بوابة القصر الرئاسي ففُتِح أمامنا الباب على مصراعيْه !وبسُرعةٍ صعدنا إلى المكاتب الرئاسية وهنالك سرعان ما استقبلنا بعض المسؤولين في التشريفات بالسرعة التي دعونا فيها لولوج مكتب هنالك فاخر فإذا نحن وجها لوجهٍ أمام فخامة رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية رئيس الدولة العقيد المرحوم اعلِ ولد محمد فال.وجدنا مع فخامة رئيس الدولة معالي الوزير الأول سيدي محمد ولد بوبكر وإلى جانبهما على التوالي : الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية السيد حبيب ولد همَّت و مدير ديوان رئيس الجمهورية السيد محمد الأمين بن داهي . وبعد تبادل التحايا بدأ الاجتماع ، فالتفتَ معالي الوزير الأول إلى فخامة الرئيس قائلا بالحسانية : " السيد الرئيس ، الخلطَ أراهم عدلُ شِ لاهِ يعرضوه أعليكم". و أشار إلى الاستاذ ببوط بتقديم عرضه .. و هنا استهل الأستاذ ببوط كلامه بالحسانية قائلاً :" ألاَّ عدلنَ شِ هون ظاهر انَّ عنُّ امسوِّ المشكلة! وهنا تدخل فخامة رئيس الدولة سائلًا بالحسانية كذلك :" هيَّ أثرهَ مشكلة ؟! وكان ذلك السؤال محرجا للاستاذ ببوط فأجاب بأسلوبه المعتاد الذي هو مزيج من الألفاظ و الاشارات ولكن إشاراته هذه المرة كانت أكثر من ألفاظه ! فتراجع في جوابه ذاك عن لفظ "المشكل" و لكنه احتفظ بمضمون الكلام ! و من هنا خيَّم على الاجتماع جوٌّ رهيب تمثل في الصمتِ المطبق.وحده الأستاذ ببوط طفق يشرح أن هذا الاجتهاد القانوني الذي ألجأتهُ الضرورة إليه يتمثل في تغيير فقرة واحدة من المرسوم المتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، بحيث يصبح الصوتُ المحايدُ الذي تجسده البطاقة البيضاء لاغيا.لم يطلْ الاجتماع وفي نهايته أُمرنا بإعداد المرسوم باللغتين وسحبه بالكمية اللازمة لمجلس الوزراء وأظنها 35 نسخة ..وفي يوم 31 يناير 2007 م اجتمع مجلس الوزراء وصادق على المشروع المقترح ..
كانت تلك هي المرة الثانية التي أحظى فيها بدخول مكتب العقيد اعلِ بن محمد فال رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية .. أما المرة الأولى فكانت في نهاية شهر ابريل 2006 إذ جئتُ صحبة معالي وزير الداخلية والبريد والمواصلات محمد أحمد بن محمد الأمين ضمنَ الوفد الرسمي المرافق لرئيس المجلس العسكري في جولته المرتقبة في الولايات الداخلية. يومها قال لي الوزير الأمين العام لرئاسة المجلس العسكري السيد حبيب بن همّدْ و هو يؤكد لي عضويتي في الوفد الرئاسي : Cette fois c’est la bonne مشيرا إلى المرة السابقة التي تخلفتُ فيها عن الموكب الرئاسي لفخامة رئيس الجمهورية السيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع المتجه إلى اگجوجتْ في السنة المنصرمة 2005 !
وفي تلك الجولة وقعتْ لي مصادفة عجيبة من حيث التاريخ كتبتُ عنها مرة فقلتُ : [في يوم الخميس 28 ابريل 2005 انتزعت انتزاعا من الوفد الرئاسي المرافق لفخامة رئيس الجمهورية الأسبق معاويه بن سيد أحمد الطايع في زيارته لولاية اينشيري في الشمال الموريتاني..يومها كنت ضمن الطاقم المرافق لمعالي وزير الداخلية لمرابط سيدي محمود ولد الشيخ أحمد رحمه الله. و لكنني فوجئت بأنْ حُذفتُ من الوفد الرئاسي قُبيل مغادرته ثم اعتقلت بعيْد مغادرته، فقضيت ذلك اليوم الخميس 28 ابْريل 2005 م وتلك الليلة في إحدى المفوضيات مع أشخاص لم أتعرف عليهم إلا ضحى الغد، عندما أقلتنا جملةَ سيارةُ الشرطة لاندكريزر إلى مدرسة الشرطة حيث أقمت 21 يوما كاملا مع رفقة كريمة من مشاربَ مختلفة من بينهم فضيلة الشيخ الددوْ حفظه الله وسبعة أفرادٍ من تنظيم القاعدة وأخي محمدْ عبد الله بلّيلْ رئيس تحرير جريدة "الجمهورية " لسان حال الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي (PRDS)!
و في السنة الموالية مباشرة وبالذات يوم 28 ابريل 2006 كنت بموجب ذات الصفة السابقة من أعوان معالي وزير الداخلية الجديد محمد أحمد ولد محمد الأمين عضوا في الوفد المرافق لرئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية العقيد اعل ولد محمد فال رحمه الله في زيارة لولاية الحوض الشرقي في أقصى الشرق الموريتاني.وتشاء الأقدار أن أصافح في مطار النعمة وزير الداخلية السابق لمرابط سيدي محمود ولد الشيخ أحمد تغمده الله برحمته الواسعة و هو إذ ذاك في صفوف المُسَلِّمين من المسؤولين السابقين وإلى جانبه الوليّ محمذن بن محموداً "!
سادسا- إنشاء بطاقة التصويت الموحدة ..
قال المؤلف في الصفحة 77 من الكتاب :" أما في ما يخص الانتخابات التشريعية ، فقد تمت المصادقة على 25 لائحة وطنية في الدور الأول، ولوحظ آنذاك ارتفاع غير طبيعي في نسبة الأصوات اللاغية التي تجاوزت 10% من مجموع الأصوات، ويعزى ذلك بالأساس إلى اعتماد ورقة التصويت الموحدة".
قلت: تعدّ بطاقة التصويت الموحدة من الإصلاحات الانتخابية المهمة التي أحدثتها السلطات الانتقالية .. وبموجب هذا الإصلاح حلتْ البطاقة الموحدة محل البطاقات المتعددة ولكلا النموذجين إيجابياتُه وسلبياتُه المشهودة، ولكن تعدد الترشحات يجعل نموذج البطاقات المتعددة يربك الناخب أكثرَ لأنه يجب أن يكون لكل مترشح لونٌ متميز وذلك ما تضيق عنه الألوان في بعض الأحيان . فبعد أن يستلم الناخب لدى مكتب التصويت جميع البطاقات بما فيها بطاقة بيضاء تجسد الحياد ، بالإضافة إلى الظرف المخصص لاستقبال البطاقة المختارة ، يتوارى عن الأنظار وراء الستار ويجعل البطاقة التي يختارها في الظرف ثم يدخله في صندوق الاقتراع..أما بطاقة التصويت الموحدة فإنها تختزل جميع بطاقات التصويت إذ أنها تتضمن أسماء جميع المترشحين و شعارات أحزابهم وخانة مقابل كل مترشح يضع فيها الناخب إشارةً لتجسيد خياره ..وفي نهاية لائحة المترشحين يأتي الحياد كأنما هو مترشح إضافي في كل اقتراع .. ويتوقف حجمُ الورقة على عدد المترشحين .. وفي كل الاحتمالات يتضاعفُ عناء الناخب تبعا لعدد المترشحين .. وهنا أفتح قوسا لأذكر بأنّ اختيار حرف الباء مجسِّدا لخيار الناخب في بطاقة التصويت الموحدة جاء نتيجة لجدل كبير .. ذلك أن إحدى الهيآت المشاركة في الإشراف على العملية الانتخابية اقترحتْ أولاً أن يتجسد ذلك الخيار بوضع حرف (X) في الخانة المناسبة، ولكن معالي وزير الداخلية محمد أحمدْ بن محمد الأمين اعترض على ذلك بقوة واقترح مكانه حرف الباء (ب) باللغة العربية ودافع عنه باستماتة حتى تم اعتماده. وأذكر أن من الحجج المقنِعة التي قدمها آنذاك :
- أن حرف (X) يحيل إلى رمز الصليب في مخيّلة المواطن الموريتاني المسلم وبالتالي يُخشى أن يكون له منها نفور تلقائي ؛
- أن كتابة حرف (ب) أيسر على المواطنين باعتباره ثانيَ حرف من حروف الهجاء التي يبدأ بها جميع المواطنين بدون استثناء مرحلة التهجي التي عادة ما يستهل بها الصبيان مرحلة تعلم القرآن العظيم وهذا قاسم مشترك بين جميع فئات الشعب ..
- أن لحرف الباء رمزيةً خاصة في موروث الحضارة الإسلامية باعتباره أول حرف من حروف البسملة.
قلتُ : وقد صادفتُ مؤخرا من الباحثين المغاربة مَن ينظر إلى حرف الباء - من جهة الاستيفاء لا الاكتفاء كما يقولُ - من الوجوه التالية :
أ - أداؤها في التلاوة، وهو من علم القراءات.
ب - معانيها لغة، وهو من علم اللغة.
ج – إعرابها ، وهو من معنى النحو.
د – فصاحتها، وهو من علم البديع.
هـ – بلاغة معانيها، وهو من علم البيان.
و – اعتبار معانيها بحسب حقيقة نفس الأمر، وهو من علم أصول الدين.
ز- اعتبار معانيها بحسب وضعها للتصريف بمقتضاها، وهو من علم أصول الفقه.
ح – وجه التصريف بمقتضاها في الوجود، وهو من علم الفقه.
ط – كيفية التعبد بذلك لله تعالى، وهو من علم التصوف.
ي – في وجه إعجازها ولزوم التسليم لها، وهو من الحكمة".
وهذا وقد ارتبط بموضوع اعتماد حرف الباء (ب) تجسيدا لاختيار الناخب في التصويتِ حكايات طريفة أروي منها ثلاثا :
أ)- بعض رؤساء مكاتب التصويت كان صارما في عملية فرز الأصوات حيث أنه اعتبر لاغيا أيّة بطاقة لم تتضمن باءً مكتملة العناصر .. ورويتُ عن الثقاة أن بعض هؤلاء كانوا يعتبرون أن الحكومة كانت تريد من خلال كتابة الباء تقييم سياستها في محو الأمية طوال السنوات المنصرمة !
ب) - بعض السياسيين في المقاطعات الداخلية عبأ مناصريه على الاقتصار على كتابة الباء مرة واحدة فقط في بطاقة التصويت الموحدة المتعلقة بدائرته الانتخابية وإدخال بقية البطاقات خالية من أي تأشير وبالتالي يعتبر الصوت لاغيا ! أذكر أن إحدى المقاطعات كانت فيها جميع الأصوات في اللائحة الوطنية لاغية وعددها يربو على 4.000 آلاف .
ج)- ويبقى الأمر الأغرب هو تلك الشائعة الغريبة التي راجتْ آنذاك حتى لدى بعض الأوساط السياسية ومفادها أن بطاقات التصويت المنتجة في لندنْ كُتبت بصورة فنية تتيح لها أن تنتقل (تقفز) تلقائيا من بطاقة إلى أخرى بعد إيداعها في صناديق الاقتراع ! وإذا كان لهذه الشائعة من فائدة فهي أنها كانتْ مُلهِمةً لأستاذنا محمد فال بن عبد اللطيف فقال لاحقا :
مضى الزرك زركاً لم يكن فيه مغمز
به شهد العدل الرِّضى والمبرّزُ
ومن قال إن الباء تقفز قد أتى
محالاً فإن الباء لم تك تقفزُ
وما كانت الأعراض ذلك شأنها
أيقفز إلاَّ الجوهر المتحيِّزُ ؟!
ولكنها أصوات قوم تسربت
خطابا على آلامها يتركزُ
فصوّت مسكين وصوّت عاجز
وصوّت مغبون وصوت مُعوز
بها قفز الشعب المهمش قفزة
فلا الشعب عن أمثال ذا القفز يعجز
وما يستوي السوران سور مُثلَّمٌ
تداعت أواخيه وسور مُعزَّزُ !
سادسا- إنشاء مؤسسة المعارضة الديمقراطية..
قال المؤلف :" وأخيرا اعتمدت الحكومة مشروع قانون يهدف إلى تنظيم المعارضة السياسية ضمن إطار قانوني يحدد- على وجه الخصوص - الوضع القانوني لزعيم المعارضة،ويمنح هذا الأخير امتيازات ورتبة ابْروتوكولية خاصة ، وهو نص أساسي في المنظومة التي تم وضعها خلال المرحلة الانتقالية لتشجيع بروز معارضة قادرة على أداء دورها كقوة توازن سياسية حقيقية تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع ".
حضرتُ إلى جانب البروفيسور أحمد سالم بن ببُوط بعض اجتماعات المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية التي تُعرض عليه فيها - باعتباره مشرّعا - بعضُ مشاريع النصوص التشريعية .. وفي هذا الاطار حضرتُ نقاش مشروع الأمر القانوني رقم 2007 - 024 الصادر بتاريخ 9 ابْريل 2007 المتعلق بالنظام الأساسي لمؤسسة المعارضة الديمقراطية إذْ كنت أنا وببُوط رحمه الله رفقة معالي وزير الداخلية محمد أحمدْ بن محمد الأمين المسؤول عن سكرتارية اللجنة السياسية.
ومن المميزات البارزة لمعالي الوزير أنه لا يذهب لمناقشة أي نص تشريعي أو تنظيمي أو أي بيان أمام المجلس أو الحكومة إلاّ بعد أن يناقشه نقاشا مستفيضا ودون أي حرج مع فريق الوزارة برئاسة الأستاذ ببُوط. كان المرحوم ببُوط يفضي إليَّ من حين لآخر بمدى الاحراج الكبير الذي ربما انتابه نتيجة لعلاقته الأسرية بمعالي الوزير! كان أستاذنا ببُوط صريحا في آرائه، صارما في مواقفه، سريع الغضب سريع الرضى ذا اجتهاد غير تقليدي في القانون قد لا يبدو بديهيا إلا بعد أن يوضحه للمتلقين ، علما بأنه كان أقدر على الإيضاح في الكتابة منه في الكلام ! والأستاذ ببُوط بطبعه الراسخ هو هو في جميع المواقف لا يتغير قيد أنمُلة سواء أكان مع أبنائه أو زملائه أو رؤسائه أو مرؤوسيه! اتصل عليَّ مرة عبر هاتفه الجوّال وطفق يوبخني في خطاب لاذع حتى انقطع الاتصال بيننا ، فاتصلتُ به مباشرة وطلبت منه أن يكمل لأن لدي فائضا من الرصيد، فانتبه فجأة فقلتُ له: "إنني لمْ أتأثرْ بما قلت لأنني فهمتُ من خلال خطابك أنك وقعتَ في خلطٍ بيني وبين غيري من أعضاء اللجنة الفنية الدائمة ففهم أنه كان مخطئًا و طفق يعتذر لي بذات الوتيرة التي حصل بها التوبيخ السابق !
هذا وقد صدق المؤلف حين وصف الأستاذ ببُوط فقال إنه كان: "فقيها قانونيا متضلّعا (…) واضعا طاقته ومواهبه في خدمة وطنه (…) قويّ الشكيمة زاهدا في المناصب والوظائف " الصفحتان 84 - 85من الكتاب ..
وأعود فأقول إن أعضاء المجلس العسكري ابّان نقاش مشروع الأمر القانوني المنشئ لمؤسسة المعارضة الديمقراطية لم يكثروا من الأسئلة ربما لوضوح عرض معالي الوزير محمد أحمدْ .. وردِّ الأستاذ ببُوط على الاستشكالات التي طرحها كل من : الأمين الدائم للمجلس المرحوم عليّ بن محمدْ و أحمدْ بن بكرنْ ومحمدْ بن مگتْ .. وأذكر أن الرئيس الأسبق محمد بن عبد العزيز كان جالسا مباشرة عن يسار الرئيس اعلِ وأنه لم يتدخل خلال تلك الجلسة .. وبعد أن صادق المجلس العسكري على المشروع انفض الاجتماع وبينما نحن نستعدّ لوضع النص في صيغته النهائية إذْ فوجئتُ بمعالي الوزير يتصل بي هاتفيا ويطلب مني أن ألتحق مباشرة بالأمين الدائم للمجلس العسكري في مكتبه بالأمانة الدائمة في مقر مجلس الشيوخ سابقا وكنت محملا بالنص .. وهناك بدأتْ بين الأمين الدائم وبين الرئيس السابق في بازيبْ مفاوضاتٌ طويلة بالهاتف حول أحكام بعض المواد الواردة في النص المصادق عليه .. بدأتْ تلك المفاوضات زوالا قبل أن يلتحق به في مكتبه في بازيبْ ولم يعد إلينا إلا قُبيل صلاة المغرب فإذا به يعود بالنص دون أيِّ تغيير ..
كان النقاش يدور حول أحكام المواد المتعلقة بزعيم المعارضة .. إذ يبدو أن البروفيسور ببُوط صاغ تلك الأحكام صياغة توافقية مُحكمة بين الرأين الذيْن قيل إنهما كانا سائديْن آنذاك بين أعضاء المجلس العسكري حول المرشحيْن : سيدي محمدْ بن الشيخ عبد الله رحمه الله و أحمدْ بن دادَّاه حفظه الله.وكما قيل آنذاك فإن كلا من القائديْن العسكريين المذكورين كان يجسد رأياً من الرأيين المذكورين! .ومصداقا لذلك ما إن صدر المرسوم رقم 122/2007 الصادر بتاريخ 19 يونيو 2007 المطبق لأحكام المادة 8 من الأمر القانوني رقم 024/2007 الصادر بتاريخ 9 إبريل 2007 المتضمن نظام المعارضة الديمقراطية ،حتى ارتفعتْ أصواتٌ معارِضة تقول إن هذه الهيئة يجب أن تكون " مؤسسة المعارضة الديمقراطية " لا "مؤسسة زعيم المعارضة الديمقراطية "!
وللتوضيح أكثر، فقد حدد هذا المرسوم القواعد المتعلقة بالامتيازات المادية لزعيم المعارضة الديمقراطية والترتيب البروتوكولي له وقواعد تنظيم وسير الإدارة التابعة لمؤسسته على النحو التالي :
[أولا- يتمتع زعيم المعارضة الديمقراطية بموجب وظائفه بالحق في العلاقات والامتيازات العينية والتسهيلات الممنوحة للوزراء.
يأتي زعيم المعارضة الديمقراطية ضمن ترتيب ابروتوكول الدولة بعد رئيس الجمعية الوطنية.
ثانيا- تتضمن إدارة المؤسسة التابعة لزعيم المعارضة الديمقراطية :
أ)- ديوان زعيم المعارضة الديمقراطية؛
ب)- الأمانة العامة.
ثالثا - يتضمن ديوان زعيم المعارضة الديمقراطية:
مكلفين (2) بمهمة؛
سكرتيرا خاصا.
ينفذ المكلفان بمهمة المهمات الدائمة والعارضة التي يكلفهما بها زعيم المعارضة الديمقراطية.
يسير السكرتير الخاص الشؤون الخاصة لزعيم المعارضة الديمقراطية.
رابعا - تتضمن الأمانة العامة للمؤسسة التابعة لزعيم المعارضة الديمقراطية فضلا عن الأمين العام الذي له رتبة أمين عام في الوزارة:
أ)- مكتب العلاقات مع البرلمان؛
ب)- مكتب العلاقات مع الحكومة؛
ج)- مكتب العلاقات مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
يدير المكتب رئيس مكتب برتبة مدير.
خامسا- يقوم الأمين العام تحت سلطة زعيم المعارضة الديمقراطية- بقيادة المصالح الإدارية للمؤسسة.
ويمكن أن يخوله زعيم المعارضة الديمقراطية التفويض لتوقيع كل -أو بعض- القرارات ذات الطابع الإداري.
سادسا- تدرج اعتمادات تسيير مؤسسة زعيم المعارضة الديمقراطية ضمن ميزانية الوزارة الأولى بعد التشاور مع مصالح الوزارة المكلفة بالمالية.
زعيم المعارضة الديمقراطية هو الآمر بالصرف.
يوقع أوامر صرف ميزانية المؤسسة زعيم المعارضة الديمقراطية أو الأمين العام وفقا للمادة 6 الآنفة، مع احترام الاعتمادات المقررة بموجب قانون المالية.
تتضمن هذه المصروفات تلك المتعلقة بعلاوات وامتيازات زعيم المعارضة الديمقراطية ورواتب مختلف العمال ونفقات الإيجار والصيانة والتجهيز.
لهذا الغرض يعين لدى هذه المؤسسة محاسب من قبل الوزير المكلف بالمالية.
سابعا - يمكن لزعيم المعارضة الديمقراطية أن يكتتب ويعين -في حدود الاعتمادات المفتوحة- العمال الضروريين لتسيير المؤسسة، ويمنح هؤلاء العمال رواتب وامتيازات تعادل تلك الممنوحة لوكلاء الدولة الذين يزاولون وظائف مماثلة.
وهو يفصل العمال وفقا لذات الشروط.
ثامنا- يرفع زعيم المعارضة الديمقراطية إلى الوزير المكلف بالمالية تقريرا حول تنفيذ ميزانية المؤسسة عن السنة المالية المنصرمة].
سابعا- الانتخابات الرئاسية في مارس 2007 :
تم تنظيم الشوط الأول من الانتخابات الرئاسية يوم 11 مارس والشوط الثاني يوم 25 مارس 2007م وجرى تنصيب الرئيس المُنتخب يوم 19 ابريل 2007م وبذلك اكتملت المرحلة الانتقالية..
وبها أختم هذه الملاحظات مذكرا بمر ذكرتموه من أن " الطعون المقدمة في نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية لم تتجاوز خمس (5)،حالات تم البتّ فيها بسرعة من طرف المجلس الدستوري " ومن أن الانتخابات الرئاسية اللاحقة قد جرى التمهيدُ لها بما وصفتموه بالتحضير الجيّد وكانت ثمرةَ ذلك تهنئة الرئيس الفائز تهنئة قلتم عنها إنها ساهمتْ في " تهدئة الأجواء السياسية، ونجاح العملية الانتخابية "فاستقطبتْ بذلك ثقةً وطنية و"إشادة دولية"..
وبما أنّ كل ما تحقق خلال المرحلة الانتقالية كان يتم في إطار اللجان الوزارية المتخصصة التابعة للوزارة الأولى وقد قلتم عنها :"ولأنها أُلحِقتْ مباشرة بالوزير الأول بموجب المراسيم التي أنشأتها، فقد كنتُ أتحمَّل مسؤولية خاصة في الإشراف على سير أعمال هذه اللجان التي يعتمِد عليها نجاحُ عملية الانتقال الديمقراطي برمتها في نهاية المطاف".
لقد اضطلعتم فعلاً - معالي الوزير الأول- بمسؤولية خاصة في الإشراف الجيّد على تلك اللجان الوزارية الثلاث وخاصة منها اللجنة السياسية..وبذلك كنتم بالنسبة للمرحلة الانتقالية الأولى بمثابة الربَّانْ في طاقم القيادة ، وما فتئتْ تلك السفينة تمخرُ بنا عباب الأمل حتى تحقق لنا العبور الهادئ في زمن مضطرب ، إذْ رستْ بنا على برّ الأمان..وبأمانة رويتم لنا فصول تلك الحكاية الشيقة : حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا..
رحم الله السلف وبارك في الخلف .
محمدن بن سيدي الملقب بدنَّ