جدول المحتويات
في آخر جلسات مجلس الوزراء، تم منح عشرات رخص البحث والاستغلال لعدة مواد معدنية موزعة على مناطق متعددة في شمال ووسط وجنوب موريتانيا، وهي مناطق معروفة بإمكاناتها الجيولوجية الواعدة. ويمكن اعتبار هذه الخطوة إيجابية ومهمة لتحريك القطاع، شريطة أن ترافقها آليات متابعة صارمة تضمن تنفيذ الالتزامات، وتمنع الاحتكار والتباطؤ اللذين ساهما في حالة الركود التي يعيشها قطاع التعدين في بلادنا منذ عقود.
المطلوب اليوم هو تسريع منح الرخص للمستثمرين الذين استوفوا الشروط القانونية والفنية، مع المحافظة على أعلى درجات الشفافية والرقابة.
مقدرات معدنية لم تتحول بعد إلى ثروة
لا تزال موريتانيا متأخرة في تحويل مقدراتها المعدنية من مجرد مؤشرات جيولوجية واعدة إلى ثروة حقيقية تساهم في التنمية الاقتصادية. ولا يمكن تحقيق ذلك دون تشجيع الاستثمار في الاستكشاف، وتذليل العقبات التي تعيق الكشف عن الموارد الكامنة في باطن الأرض.
فعلى مدى العقدين الماضيين، ظل القطاع يدور في الحلقة نفسها؛ رخص تمنح دون متابعة فعالة، وأحياناً لأطراف لا تمتلك الخبرة أو الإمكانات اللازمة، مما يحرم الدولة من الحصول على المعطيات الجيولوجية والاستثمارات التي يفترض أن تنتج عن تلك الرخص.
ماذا تعني رخصة الاستكشاف؟
عندما تمنح الدولة رخصة استكشاف لمستثمر، فإنها تمنحه حق البحث في منطقة محددة لفترة زمنية معينة، عادة تكون ثلاث سنوات قابلة للتجديد وفقاً للقانون. وخلال هذه الفترة يفترض أن ينفذ المستثمر برنامجاً فنياً متدرجاً يبدأ بالدراسات الأولية وجمع المعلومات المتاحة، ثم إعداد الخرائط الجيولوجية، وإجراء المسوحات الجيوكيميائية والجيوفيزيائية، قبل الانتقال إلى أعمال الحفر الاستكشافي بمختلف مراحله، وذلك وفق برنامج عمل وجدول زمني واضح.
وفي هذه العملية تبقى الدولة المستفيد المؤكد، سواء من خلال خلق فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، أو عبر ضخ استثمارات جديدة داخل الاقتصاد الوطني، أو من خلال بناء قاعدة بيانات جيولوجية تزداد قيمتها مع مرور الوقت. أما المستثمر، فيتحمل درجة عالية من المخاطرة، لأن غالبية مشاريع الاستكشاف لا تنتهي بالضرورة إلى اكتشافات اقتصادية قابلة للتطوير، وهو ما يجعل الاستكشاف بطبيعته نشاطاً عالي المخاطر.
وإذا افترضنا أن الرخص التي تم منحها مؤخراً، والتي يتجاوز عددها خمسين رخصة، ستنفذ فعلياً وفق دفاتر الالتزامات والقوانين المنظمة للقطاع، فكم من فرصة عمل ستُخلق؟ وكم من ملايين الدولارات ستُستثمر خلال السنوات المقبلة؟ وكم من المعطيات الجيولوجية الجديدة ستُضاف إلى رصيد الدولة؟ وكم من الخبرات العملية سيكتسبها شبابنا؟
المحتوى المحلي: الحلقة التي لا ينبغي إهمالها
غير أن نجاح أي مشروع استكشافي أو تعديني لا يقاس فقط بحجم الإنفاق أو الاكتشافات المحققة، بل أيضاً بمدى استفادة الاقتصاد والمجتمع المحلي منه. ولذلك ينبغي أن ترتبط الرخص الجديدة بالتزامات واضحة في مجال المحتوى المحلي، تشمل إعطاء الأولوية لتوظيف وتكوين الكفاءات الوطنية، وتشجيع الاستفادة من المقاولات والخدمات المحلية، ودعم البنية التحتية والخدمات الأساسية في مناطق الامتياز، بما يضمن انعكاس النشاط المنجمي على التنمية المحلية بشكل ملموس.
الرقابة: التحدي الحقيقي
تبقى الرقابة الفعالة التحدي الأكبر أمام نجاح هذه الرخص. فقد اعتدنا خلال السنوات الماضية على ضياع الكثير من الفرص بسبب ضعف المتابعة، مما أدى إلى تجميد مساحات واسعة ذات إمكانات واعدة دون تحقيق نتائج فعلية على أرض الواقع.
لهذا فإن الاستفادة من تجارب الدول الرائدة في المجال تبدو أمراً ضرورياً. فالدول التي نجحت في تطوير قطاعاتها التعدينية تعتمد أنظمة صارمة لمراقبة تنفيذ برامج العمل والإنفاق المعلن، وتفرض تقارير دورية وتدقيقاً فنياً ومالياً مستمراً، مع اتخاذ إجراءات سريعة في حالة الإخلال بالالتزامات.
وفي العديد من التجارب الناجحة، يُطلب من صاحب الرخصة إثبات قدرته المالية والفنية على تنفيذ البرنامج المعلن، وتتم متابعة الإنجاز وفق مراحل محددة، مع سحب الرخص أو عدم تجديدها عند عدم الالتزام بالشروط. وفي المقابل، يحصل المستثمر الجاد على بيئة تنظيمية واضحة تمكنه من الانتقال بسرعة إلى مراحل التطوير والاستغلال عند تحقيق اكتشاف اقتصادي.
الخلاصة
من المهم تسريع منح رخص الاستكشاف لما تمثله من فرصة لتحريك الاقتصاد الوطني وتطوير المعرفة الجيولوجية للبلد. لكن الرخص وحدها لا تصنع الثروة. فالعامل الحاسم يبقى في جودة المتابعة والرقابة، وفي ضمان تنفيذ الالتزامات الفنية والمالية، وفي تعزيز المحتوى المحلي والاستفادة الوطنية من الاستثمارات المنجمية.
فموريتانيا تمتلك مقدرات معدنية كبيرة، لكن تحويل هذه المقدرات إلى مشاريع منتجة يتطلب الجدية والانضباط والشفافية أكثر مما يتطلب مجرد منح الرخص.