جدول المحتويات
قامت الدولة الأموية على سيف الحجاج بن يوسف الثقفي، كما قامت الدولة العباسية على أكتاف أبو مسلم الخراساني، غير أن الرجلين قدّما نموذجين مختلفين تماما للرجل الثاني.
كان الحجاج رجل دولة يخدم مشروع بني مروان بإخلاص صارم، لا ينازع الخليفة ظله ولا يطمح إلى اقتسام المجد معه، ظل قاسيا على خصومه، لكنه بقي مطيعا لمركز السلطة حتى آخر أيامه.
أما أبو مسلم، فقد بدا أكبر من مجرد قائد منفذ؛ كان يتصرف أحيانا كمن يدرك أن الدولة مدينة له بوجودها، وأن للخلافة دينا في عنقه لا العكس.
لهذا تخاف الدول دائما نسخة أبي مسلم من الرجل الثاني، وتطمئن أكثر إلى النسخة “الحجاجية”. فالحاكم قد يحتمل القسوة، لكنه نادرا ما يحتمل الندّية.
وعبر القرون، أعادت السياسة إنتاج النموذجين نفسيهما بأسماء مختلفة.
ففي القاهرة أيام جمال عبد الناصر، بدا أنور السادات أقرب إلى نموذج الحجاج؛ رجل يتحرك داخل ظل الزعيم دون صدام ظاهر، بينما حمل عبد الحكيم عامر طموح الرجل الذي كبرت صورته داخل المؤسسة العسكرية حتى أصبحت مصدر قلق للسلطة نفسها.
انتهى عامر نهاية مأساوية، بينما ورث السادات الحكم بهدوء بعد وفاة عبد الناصر.
وفي الرباط زمن الحسن الثاني، ظهر إدريس البصري بوصفه رجل السلطة المطيع، في حين بدا محمد أوفقير أقرب إلى نموذج الرجل الذي اقترب أكثر مما ينبغي من مركز القوة، فكان مصيره معروفا.
واليوم، يجيب السياسي السنغالي عثمان سونكو على السؤال القديم (ماذا يحدث حين يتحول الرجلالثاني إلى مشروع زعيم كامل؟) ويبقى السؤال مطروحا في نواكشوط: هل يوجد رجل ثان فعلا؟ وإن وُجد، فهل اختار طاعة الحجاج أم طموح أبي مسلم؟