جدول المحتويات
ظلت المعارضة الموريتانية منذ استقلال البلاد تبني خطابها على مجموعة من العناوين الكبرى المرتبطة بالحريات والحكامة، والعدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات الأساسية، وإعادة الاعتبار للدولة المدنية، وتوسيع المشاركة السياسية، وخلق مناخ أكثر انفتاحا بين السلطة والمجتمع.
تلك المطالب ظلت تشكل المادة الأساسية للخطاب السياسي المعارض، وتتحول في كثير من الأحيان إلى وقود دائم للتظاهر والاحتجاج والتعبئة.
أما اليوم فقد بدت الصورة مختلفة إلى حد بعيد..
الشارع السياسي أصبح أكثر هدوءا، وساحات الاحتجاج قل ازدحامها، والخطاب المعارض نفسه أصبح أقل قدرة على إنتاج موجات الغضب الواسعة، لأن الجزء الأكثر من الملفات التي ظلت المعارضة ترفعها لسنوات، دخل بالفعل في دائرة المعالجة السياسية والإدارية في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
لقد نجح الحكم الحالي في تفكيك كثير من أسباب الاحتقان التقليدي، عبر مقاربة اعتمدت التهدئة والانفتاح وتخفيف الصدام مع الخصوم، وهو ما خلق مناخا سياسيا مختلفا عن المراحل السابقة، انعكس على مستوى العلاقة بين السلطة والمعارضة، وعلى طبيعة النقاش العمومي داخل البلد.
ففي مجال الانفتاح السياسي، شهدت البلاد مناخا منعدم التوتر، واتسعت مساحة التعبير السياسي والإعلامي، وتراجعت حدة الاستقطاب الذي كان يطبع الحياة العامة.
كما أصبحت السلطة أكثر ميلا إلى التهدئة والحوار والتشاور مع القوى السياسية والنقابية والفاعلين الاجتماعيين، وهو ما أعاد جزءا من الثقة المفقودة بين الدولة والمعارضة، أو دعني أقول بلغة أقل دبلوماسية قرب الشارع من النظام على حساب معارضيه.
في ملف الحكامة، اتجهت الدولة نحو بناء صورة أكثر انتظاما للمؤسسات، مع حضور خطاب رسمي يركز على الشفافية وترشيد التسيير وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومضاعفة الرقابة.
وقد ساهمت متابعة بعض ملفات الفساد، ونشر تقارير لجان الرقابة، وإعادة تنظيم عدد من القطاعات الإدارية في تعزيز الانطباع بأن الدولة دخلت مرحلة جديدة تحاول فيها ترميم العلاقة بين المواطن والإدارة.
أما على مستوى الخدمات الأساسية، فقد أصبح ملف المياه والكهرباء في صدارة الأولويات الحكومية، خصوصا في العاصمة والمدن الكبرى التي عانت طويلا من هشاشة البنية التحتية.
وشهدت السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع توسعة للشبكات، وإنشاء شبكات ومشاريع ري جديدة، وتعزيز قدرات الإنتاج، والعمل على تقليص الانقطاعات وتحسين النفاذ إلى الخدمة، وهي ملفات ظلت لعقود من أبرز عناوين الاحتجاج الشعبي.
وفي قطاع الصحة، توسعت برامج التأمين الصحي والرعاية الاجتماعية، وازدادت الاستثمارات الموجهة للمستشفيات والبنى الصحية، مع تركيز واضح على تقريب الخدمات من الفئات الهشة.
كما عززت الدولة برامج الدعم الاجتماعي والتحويلات النقدية، ووسعت دائرة المستفيدين من شبكات الحماية الاجتماعية، في محاولة لتخفيف آثار الهشاشة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي التعليم، احتلت المدرسة الجمهورية موقعا مركزيا داخل المشروع السياسي للرئيس غزواني، باعتبارها مدخلا لإعادة بناء الهوية الوطنية وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
وقد مثل هذا المشروع تحولا مهما في النقاش التربوي داخل موريتانيا، لأنه نقل التعليم من مجرد ملف خدماتي إلى ملف سيادي مرتبط بمستقبل الدولة وتماسك المجتمع.
كما شهدت الدبلوماسية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة حضورا أكثر توازنا وهدوءا، مع نجاح نواكشوط في الحفاظ على علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وتعزيز صورتها كشريك موثوق في ملفات الأمن والهجرة للمجتمع الدولي، ولاعبا أساسيا في ملفات الاستقرار الإقليمي.
هذه التحولات مجتمعة ساهمت في إضعاف الزخم التقليدي للاحتجاجات المطلبية، لأن المعارضة نفسها أصبحت تجد صعوبة متزايدة في إقناع الشارع بأن البلاد تعيش انسدادا سياسيا أو انهيارا شاملا في الخدمات أو قطيعة كاملة بين السلطة والمجتمع.
ولهذا، فإن الفعاليات الاحتجاجية لم تعد تُقرأ بالمنظار القديم المرتبط بالاحتقان الشعبي الواسع، بقدر ما تُفهم ضمن سياق التموضع السياسي وإعادة ترتيب الأوراق قبيل الحوار السياسي المرتقب.
فالأحزاب تدرك أن أي حوار قادم سيكون محطة لإعادة توزيع الأدوار السياسية، وتحديد الأحجام، وقياس القدرة على الحضور والتأثير.
ومن الطبيعي في مثل هذه اللحظات أن تسعى بعض القوى إلى رفع منسوب ظهورها الإعلامي والسياسي عبر تنظيم وقفات أو مظاهرات أو تصعيد خطابها، بهدف تحسين شروط التفاوض وتعزيز موقعها داخل المشهد، حتى ولو اضطرت إلى تعليق أهدافها على شماعة أزمة دولية نتجت عن حروب الشرق الأوسط وتضررت منها الدول الغنية قبل الفقيرة.
طريف جدا أن يبحث أحدهم عن أي سبب لتبرير تصرفاته، في حال انعدمت الأسباب المقنعة، وسبق لأحدهم أن أخبر والدته أن (عيونها مثل عيون النعجة)، تجسيدا لحالة العجز التي وصل إليها حول تبرير اتخاذ الوالدة وجبة دسمة، عشية مسغبة عارضة.
إن المعارضة في موريتانيا تواجه اليوم معضلة سياسية حقيقية، وتتمثل هذه المعضلة في إمكانية بناء خطاب تعبوي قوي في ظل مناخ سياسي أقل احتقانا، وفي ظل سلطة نجحت في استيعاب جزء معتبر من المطالب التقليدية للمعارضة نفسها!
ذلك هو السؤال الذي يفسر حالة الارتباك التي يعيشها الخطاب المعارض حاليا، ويفسر أيضا انتقال الجزء الأكبر من النشاط السياسي من ساحات الاحتجاج إلى ساحات التموضع استعدادا للمرحلة المقبلة.