تخطى الى المحتوى

اختناق الراتب  بالاقتطاعات البنكية

الأستاذسيديا ولد ماء العينين

جدول المحتويات

في صمتِ الشهور المتتابعة، وفي زحام الأيام التي لا تهدأ، يقف المدرّس أمام راتبه كما يقف الغريب أمام بيت يعرفه ولا يملك مفاتيحه

يدخل إليه فرِحًا في أول الشهر، ثم لا يلبث أن يراه يتسرّب من بين يديه شيئًا فشيئًا، حتى لا يبقى منه إلاما يكفي لملامسة الضرورة، أو سدّ رمقٍ لا يكتمل.

لقد أصبحت القروض البنكية، في كثير من الحالات، ملاذًا اضطراريًا لا اختيارًا واعيًا؛ يلجأ إليها المدرّسحين تضيق به سبل العيش، وحين تتراكم عليه متطلبات الحياة التي لا تنتظر

غير أن هذا الملاذ نفسه قد يتحول إلى ثقل جديد، حين تُقتطع من راتبه نسب مرتفعة، كأنما يُكتب عليهأن يعيش دائمًا في حدود النقص، وألا يذوق من راتبه إلا ما تبقّى بعد أن يمرّ عليه الجميع.

وما أقسى أن يتحول الراتب، وهو رمز الاستقرار المفترض، إلى قلقٍ شهريّ متجدد؛ يبدأ مع أول يوم،وينتهي قبل أن يكتمل الشهر.

 وما أشدّ وطأة أن يقف المدرّس، الذي يُفترض أن يكون حامل نور المعرفة، في مواجهة حسابات لا ترحم،وضغوط لا تهدأ، وحاجة لا تنتظر.

وفي قلب هذا الواقع، يعلو نداء هادئ لكنه عميقألا يمكن إعادة النظر؟ ألا يمكن مراجعة نسب الاقتطاعمن الرواتب؟

نداء لا يُقال غضبًا، بل يُقال رجاءً، ولا يُرفع اعتراضًا، بل يُرفع طلبًا للإنصاف والتوازن.

إن المطلوب ليس إيقاف القروض، ولا تعطيل دور البنوك، وإنما أن يُعاد النظر في تلك العلاقة التي ينبغيأن تقوم على العدل لا على الإرهاق، وعلى التوازن لا على الاستنزاف

فالموظف والمدرّس على وجه الخصوص، ليس رقمًا في معادلة مالية بل إنسان له بيت وأسرةواحتياجات، وأحلام صغيرة تُؤجَّل كل شهر.

فهل يُترك الراتب ليعيش صاحبه أم يُترك لصراع لا ينتهي بين الالتزامات والاقتطاعات؟. 


وفي الأخير يبقى الأمل في أن يُسمع هذا النداء، لا بوصفه شكوى، بل بوصفه دعوة إلى عدالة أهدأ،وإنصافٍ أعمق، يردّ للراتب معناه وللحياة بعض توازنها، وللمدرّس شيئًا من الطمأنينة التي يستحقها.

الأحدث