جدول المحتويات
قد يعلق المواطن في طابور طويل بسبب لوحة إرشادية غير واضحة، أو يعود من البلدية لأنه لم يعرف مسبقا الوثائق المطلوبة.
وإذا تأخرت المعاملة، فليس بالضرورة أن يكون الموظف بطيئا، وإنما مسار الملف نفسه يحتوي على خطوات غير ضرورية لا تضيف قيمة.
هنا يكمن جوهر الفلسفة اليابانية كايزن (Kaizen) التي تقول: لا تبحث عن كبش فداء، بل ابحث عن الخلل في النظام.
من معالجة الأعراض إلى علاج الجذور
إداراتنا بارعة في معالجة النتائج: نكتب تقريرا عن التأخر، نوبخ موظفا، نطلب تمديد الآجال. لكننا نادرا ما نسأل عن السبب الجذري.
وهنا تأتي أداة يابانية بسيطة وفعالة هي 5 Why - خمسة لماذا.
مثال: لماذا تأخرت شهادة السكن؟ لأن الملف بقي عند رئيس المصلحة. لماذا بقي عنده؟ لأنه كان ينتظر توقيع المدير. لماذا ينتظر توقيع المدير؟ لأن النموذج يحتاج توقيعين. لماذا يحتاج توقيعين لنفس المعلومة؟ عند السؤال الخامس نكتشف أن المشكلة ليست في الموظف، بل في إجراء مكرر وضع منذ 20 سنة ولم يراجع.
فالهدف ليس فقط اكتشاف الخطأ، بل منع تكراره نهائيا.
الإصلاح يبدأ من أشياء صغيرة لا تراها الكاميرات.
قوة كايزن الكبرى أنها لا تشترط ميزانيات ضخمة ولا خبراء دوليين. الإصلاحات الكبرى تفشل لأنها مكلفة ومعقدة. التحسينات الصغيرة تنجح لأنها ممكنة اليوم.
قد يبدأ الإصلاح الحقيقي في أي إدارة موريتانية بـ:
- ترتيب الأرشيف وتطبيق قاعدة 30 ثانية للعثور على أي ملف؛
- توحيد نموذج إداري واحد بدل خمسة نماذج مختلفة لنفس الخدمة؛
- إعداد قائمة تحقق Check-list معلقة على الحائط أمام الموظف والمواطن؛
- حذف توقيع غير ضروري أو خطوة نقل ملف بين طابقين؛
- تحديد مسؤولية كل مرحلة بجملة واحدة: من يفعل ماذا ومتى؛
- وضع لوحة بصرية لمتابعة الملفات: قادم، قيد المعالجة، جاهز؛
- قياس زمن انتظار المواطن بساعة توقيت بسيطة؛
- توثيق إجراء كان يعتمد كليا على الذاكرة والخبرة الشخصية لموظف واحد.
هذه التحسينات تبدو صغيرة وهامشية، لكن عندما تتكرر في مئات الإدارات والبلديات والمصالح، يمكن أن تنتج تحولا إداريا أكبر من أي مشروع رقمنة بمئات الملايين.
المواطن هو مقياس التحسين الوحيد
يمكن للإدارة أن تقيس نجاحها بعدد المراسلات الصادرة، وعدد الاجتماعات، وعدد التقارير المكتوبة. لكن المواطن يقيسها بطريقة أبسط وأكثر قسوة: كم استغرقت خدمتي؟
لذلك يجب أن تصبح مؤشرات الأداء الحقيقية جزءا من تقييم المسؤول الإداري، وهي:
- زمن إنجاز الخدمة؛
- عدد الخطوات التي يقطعها الملف؛
- عدد التوقيعات المطلوبة؛
- نسبة الملفات المرتجعة بسبب خطأ إداري؛
- عدد الشكاوى؛
- نسبة الخدمات المنجزة في آجالها المعلنة.
فاحترام وقت المواطن ليس مجرد مسألة تنظيمية أو مؤشر أداء، بل هو احترام لكرامته وحقوقه التي كفلها القانون.
من التفتيش العقابي إلى التفتيش التحسيني
يمكن أن تلعب المفتشيات العامة والرقابة الداخلية دورا محوريا في نشر ثقافة كايزن إذا غيرت منطقها.
المفتش التقليدي يسأل: من أخطأ؟ ويكتب المخالفة في تقرير.
المفتش الكايزني يسأل أربعة أسئلة مختلفة:
1. ما السبب الجذري للمشكلة؟
2. كيف يمكن منع تكرارها؟
3. ما المؤشر الذي سيخبرنا بأن الوضع تحسن فعلا؟
4. هل تم توثيق الحل حتى لا نعود لنفس الخطأ بعد سنة؟
وبهذا تتحول الرقابة من مجرد أداة لاكتشاف الأخطاء إلى رافعة حقيقية للتحسين المستمر.
نحو "كايزن موريتانية" لا نسخة يابانية
لا تحتاج موريتانيا إلى نسخ التجربة اليابانية حرفيا. نحن لا نعيش في طوكيو. نحتاج إلى استلهام منطقها وتكييفه مع مؤسساتنا وثقافتنا ومواردنا وقيم الشورى والإتقان لدينا.
يمكن أن يبدأ ذلك بتجارب صغيرة لمدة 90 يوما في ثلاث أو أربع إدارات نموذجية، تختار كل منها خدمة واحدة فقط، وتقيس وضعها قبل التحسين وبعده بلغة الأرقام.
مثلا: زمن الخدمة: من 3 أيام ← إلى يوم واحد.
عدد الخطوات: من 10 خطوات ← إلى 6 خطوات.
الملفات المرتجعة: من 20% ← إلى 5%.
هذه الأرقام البسيطة والمعلنة على باب الإدارة أقوى من عشرات الخطب والشعارات، لأنها تجعل الإصلاح مرئيا، قابلا للقياس، وقابلا للتكرار في كل مكان.
الخاتمة: إتقان اليوم هو إصلاح الغد.
الإصلاح الإداري لا يبدأ دائما بقانون جديد أو هيئة جديدة أو مشروع ضخم بتمويل خارجي.
قد يبدأ بموظف يرتب مكتبه، ومدير يستمع إلى موظفيه في اجتماع وقوف لعشر دقائق، ومفتش يبحث عن السبب الجذري بدل المذنب، ومصلحة تقيس وقت المواطن كل يوم، وإدارة تسأل نفسها كل خميس:
ماذا حسّنا هذا الأسبوع؟
هنا تلتقي فلسفة كايزن تماما مع قيمنا الأصيلة: الإتقان، والأمانة، والمسؤولية، والشورى.
فكايزن تقول لنا: حسّن عملك كل يوم.
وقيمة الإتقان تقول: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
والشورى تقول: استمع إلى أهل الميدان فهم أعلم بمشاكله.
وعندما تجتمع هذه المبادئ، يصبح الإصلاح الإداري ليس حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء التمويل، وإنما ثقافة يومية.
إن موريتانيا لا تحتاج بالضرورة إلى إدارة مثالية بين عشية وضحاها؛ بل تحتاج إلى إدارة تتحسن كل يوم. فالإصلاح الكبير قد يبدأ بخطوة صغيرة، والتحول الحقيقي قد يبدأ بسؤال واحد نطرحه كل صباح: ماذا نستطيع أن نحسّن اليوم؟