تخطى الى المحتوى

الحادي عشر من سبتمبر.. ربع قرن من التحولات: من نيويورك إلى الساحل

أحمد محمد حماده - كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

في الحادي عشر من سبتمبر 2001، استيقظ العالم على صور لم يكن أحد يتخيل أن تصبح جزءًا من ذاكرته. طائرات مدنية تتحول إلى أدوات للقتل، وأبراج منهارة في قلب نيويورك، ودخان يتصاعد فوق العاصمة الأمريكية. وفي ساعات قليلة، انتقلت الولايات المتحدة من شعور القوة والاطمئنان إلى حالة من الصدمة، بينما أدرك العالم أن طبيعة الصراعات الدولية بدأت تتغير.

 

لم يكن ذلك اليوم حادثًا معزولًا ظهر من فراغ. كانت وراءه سنوات من التحولات السياسية والأمنية، وصعود تنظيم القاعدة في سياق الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي، ثم انتقاله إلى مشروع عابر للحدود، مستفيدًا من أزمات المنطقة ومن البيئة التي وفرتها أفغانستان خلال حكم طالبان.

 

لكن فهم السياق لا يعني بأي شكل من الأشكال تبرير الجريمة. ففهم الظروف التي تستغلها التنظيمات المتطرفة شيء، ومنح العنف ضد المدنيين شرعية شيء آخر تمامًا.

 

ولا يمكن فهم المناخ السياسي الذي سبق الحادي عشر من سبتمبر من دون التوقف عند القضية الفلسطينية. فقد كان الموقف الأمريكي، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي، منحازًا بصورة واضحة إلى إسرائيل، سواء من خلال الدعم السياسي والعسكري أو استخدام النفوذ الدبلوماسي الأمريكي، بينما بدت واشنطن عاجزة أو غير راغبة في ممارسة الضغط الكافي على إسرائيل لإنهاء الاحتلال والاستيطان والوصول إلى حل يضمن للفلسطينيين حقوقهم الوطنية.

 

وقد ساهم هذا الانحياز، إلى جانب مشاهد الصراع والاحتلال وما رافقها من معاناة فلسطينية، في تكوين شعور واسع بالظلم والإحباط لدى قطاعات من الشباب العربي والمسلم. واستثمر تنظيم القاعدة هذا الشعور بصورة مكثفة في خطابه الدعائي، مقدمًا السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية باعتبارها دليلًا على ازدواجية المعايير، ومحاولًا تحويل الغضب السياسي إلى وقود للتطرف والعنف. ومن هنا يمكن القول إن السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية كانت أحد العوامل التي ساهمت في توفير بيئة نفسية وسياسية استغلتها القاعدة لاستقطاب بعض الشباب، وإن لم تكن العامل الوحيد، ولم تكن مبررًا بأي شكل لاستهداف المدنيين.

 

ولا يكتمل فهم هذه البيئة من دون النظر أيضًا إلى الداخل العربي. فقد عانت شعوب في عدد من الدول العربية، لعقود، من أنظمة سياسية مغلقة، ومحدودية في الحريات والمشاركة السياسية، وتضييق على المعارضة، فضلًا عن الفساد وغياب تكافؤ الفرص وانتشار مظاهر الظلم الاجتماعي. وبالنسبة إلى أجيال من الشباب، لم تكن المشكلة في السياسة الخارجية وحدها، بل في واقع داخلي يشعرون فيه بأن أصواتهم لا تجد طريقًا إلى مؤسسات الدولة، وأن التغيير السلمي محدود أو مستحيل.

 

وفي مثل هذه البيئات، يصبح الإحباط أرضًا قابلة للاستغلال. فقد حاولت القاعدة تقديم نفسها لبعض الشباب باعتبارها بديلًا عن أنظمة وصفتها بالفاسدة والمستبدة، وربطت في خطابها بين الظلم الداخلي وما اعتبرته هيمنة خارجية. وهكذا التقت في دعايتها قضيتان مختلفتان: غضب من سياسات دولية، وغضب من أوضاع داخلية. ولم يكن الاستبداد سببًا مباشرًا وحيدًا في نشوء الإرهاب، لكنه كان في بعض الحالات عاملًا ساهم في توفير أرضية نفسية واجتماعية وسياسية قابلة للتطرف والتجنيد.

 

وهذه نقطة مهمة في فهم التاريخ: التنظيمات المتطرفة لا تصنع دائمًا المظالم التي تتحدث عنها، لكنها تعرف كيف تستغل المظالم الحقيقية وتحولها إلى أدوات للتجنيد والتعبئة. ولذلك فإن مواجهة التطرف لا تعني تبرير أفعال المتطرفين، بل تعني أيضًا معالجة الظروف السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتشددة.

 

وكانت هناك إشارات عديدة إلى تصاعد خطر القاعدة قبل سبتمبر 2001، لكن المؤسسات الأمريكية لم تنجح في تحويل المعلومات المتوفرة لديها إلى صورة واضحة تستدعي استجابة استثنائية. وخلصت لجنة التحقيق الأمريكية لاحقًا إلى وجود إخفاقات في التصور والسياسة والقدرات والإدارة، وإلى أن حجم التهديد وطبيعته لم يُفهما بالشكل الكافي.

 

ومن هنا بدأ فصل جديد.

 

أطلقت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان، وأسقطت نظام طالبان، وضربت البنية الأساسية لتنظيم القاعدة. وفي البداية بدت الحرب وكأنها رد مباشر على الهجمات وملاحقة المسؤولين عنها، لكنها تحولت تدريجيًا إلى حرب طويلة ومعقدة، امتدت إلى إعادة بناء الدولة ومواجهة تمرد طالبان.

 

ثم جاءت حرب العراق عام 2003، لتفتح واحدة من أكثر صفحات مرحلة ما بعد سبتمبر جدلًا. فقد دخلت واشنطن الحرب في مناخ سياسي وأمني تشكل بعد هجمات سبتمبر، لكنها لم تكن حربًا ضد الجهة التي نفذت الهجمات، ولم تثبت التحقيقات الأمريكية أن نظام صدام حسين كان مسؤولًا عن هجمات سبتمبر أو أنه أقام علاقة عملياتية مع تنظيم القاعدة.

 

وبقدر ما شكّلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر جريمة إرهابية مروعة، فإن طريقة توظيفها سياسيًا وعسكريًا من قبل الولايات المتحدة أثارت بدورها أسئلة عميقة حول حدود الرد على الإرهاب. فقد تحولت الصدمة التي أحدثتها الهجمات إلى مبرر واسع لما سُمّي «الحرب على الإرهاب»، وتوسعت هذه الحرب من ملاحقة تنظيم القاعدة إلى عمليات عسكرية وسياسات أمنية امتدت إلى دول ومناطق مختلفة.

 

وفي نظر منتقدي السياسة الأمريكية، جرى أحيانًا استخدام شعار مكافحة الإرهاب لتبرير ممارسات عسكرية وأمنية أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وإلى انتهاكات أثارت جدلًا واسعًا حول حقوق الإنسان والقانون الدولي. وكانت حرب العراق مثالًا بارزًا على هذا التوسع، إذ ساهمت الحرب في زعزعة استقرار المنطقة وخلق فراغات أمنية وسياسية استغلتها لاحقًا جماعات مسلحة ومتطرفة.

 

وهنا نشأت مفارقة مؤلمة: الولايات المتحدة أعلنت الحرب على الإرهاب دفاعًا عن ضحايا 11 سبتمبر، لكن بعض نتائج تلك الحرب خلقت بدورها ضحايا جددًا وأزمات جديدة وبيئات ساهمت في نمو التطرف.

 

ومن هنا يصبح من المشروع طرح سؤال نقدي: هل نجحت الولايات المتحدة في معالجة جذور الخطر، أم أن بعض سياساتها بعد سبتمبر ساهمت، بصورة غير مباشرة، في إعادة إنتاج البيئة التي تغذي العنف؟ فالرد على الإرهاب قد يكون ضروريًا، لكن عندما يتحول إلى حروب مفتوحة أو انتهاكات لحقوق الإنسان، فإنه قد يوفر للتنظيمات المتطرفة مادة جديدة للدعاية والتجنيد.

 

ولم تتوقف تداعيات هذا المسار عند أفغانستان والعراق والشرق الأوسط. فمع اتساع الحرب على الإرهاب، بدأت آثارها تظهر تدريجيًا في أفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل، حيث تداخلت هشاشة بعض الدول مع النزاعات المحلية وانتشار السلاح وضعف السيطرة على الحدود.

 

ومع مرور الوقت، تحول الساحل من منطقة هامشية في الحسابات الأمنية الدولية إلى واحدة من أبرز ساحات مواجهة الجماعات المسلحة. ولم تعد الحدود قادرة وحدها على وقف انتقال الأفكار والسلاح والمقاتلين، بينما وفرت هشاشة مؤسسات الدولة في بعض المناطق بيئة ملائمة لنمو التنظيمات المتطرفة.

 

وهكذا انتقل إرث الحادي عشر من سبتمبر، بصورة غير مباشرة وبأشكال مختلفة، من جبال أفغانستان إلى صحراء الساحل.

 

وفي هذه المنطقة الواسعة، لم يعد الإرهاب مجرد مشكلة أمنية عابرة للحدود، بل أصبح نتيجة لتفاعل عوامل متعددة: هشاشة الدولة، والفقر، والنزاعات المحلية، والتهريب، وضعف التنمية، والتنافس الإقليمي والدولي، إضافة إلى قدرة التنظيمات المتطرفة على استغلال المظالم المحلية وربطها بخطاب أيديولوجي عابر للحدود.

 

وكان من الطبيعي أن تجد موريتانيا نفسها في قلب هذه المعادلة.

 

فموقعها الجغرافي، وحدودها الطويلة، وقربها من بؤر التوتر في مالي، جعلها جزءًا من المجال الأمني للساحل، وجعل استقرارها الداخلي مرتبطًا بدرجة كبيرة بما يجري حولها.

 

لكن موريتانيا لم تتعامل مع هذا التحدي باعتباره مجرد امتداد لحرب الآخرين. فقد أدركت مبكرًا أن الخطر لا يكمن فقط في قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ هجمات، وإنما أيضًا في قدرتها على استغلال الفراغات الأمنية والاجتماعية والفكرية.

 

ولذلك اتجهت إلى تعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، وتشديد مراقبة الحدود، وتطوير آليات الاستباق بدل انتظار وصول الخطر إلى المدن والمراكز السكانية.

 

ومن هنا يمكن فهم التجربة الموريتانية في سياق أوسع. فبينما ركزت بعض المقاربات الدولية بصورة كبيرة على التدخل العسكري، حاولت موريتانيا الجمع بين اليقظة الأمنية والتحصين الداخلي، إدراكًا منها أن حماية البلاد لا تبدأ عند الحدود فقط، وإنما تبدأ أيضًا من قدرة الدولة على الحفاظ على تماسك مجتمعها وتعزيز حضور مؤسساتها وفتح المجال أمام المواطنين، وخاصة الشباب، للمشاركة في الحياة العامة.

 

ولعل هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من تجربة موريتانيا: مواجهة التطرف لا تكون فقط بملاحقة من حمل السلاح، وإنما بمنع الظروف التي يمكن أن تدفع شابًا إلى الاعتقاد بأن العنف هو طريقه الوحيد للتغيير.

 

فكلما كانت الدولة أكثر عدلًا، ومؤسساتها أكثر حضورًا، وآفاق الشباب أوسع، ضاقت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الجماعات المتطرفة.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو موريتانيا أمام مسؤولية مزدوجة: الحفاظ على المكاسب الأمنية التي تحققت، وفي الوقت نفسه مواصلة بناء دولة يشعر فيها المواطن بأن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن التغيير ممكن بالوسائل السلمية.

 

فالأمن الذي لا يرافقه استقرار اجتماعي وسياسي يظل هشًا، والاستقرار الذي لا تحميه مؤسسات قوية يظل معرضًا للاهتزاز.

 

وبعد نحو ربع قرن، ماذا بقي من 11 سبتمبر؟

 

بقيت أولًا ذاكرة الضحايا، وبقيت عائلات لم تتوقف ذاكرتها عند حدود ذلك اليوم. وبقيت نيويورك التي أعادت بناء المكان، وبقيت ذاكرة رجال الإطفاء والشرطة والمسعفين وكل من حاول إنقاذ الآخرين في تلك اللحظة الاستثنائية.

 

وبقي كذلك إرث سياسي وأمني عميق: عالم أكثر تشددًا في مراقبة الحدود والمطارات، وأجهزة استخبارات أكثر حضورًا، ومجتمعات أصبحت أكثر حساسية تجاه الإرهاب والتطرف.

 

لكن بقي أيضًا سؤال العدالة الدولية، وفي قلبه القضية الفلسطينية.

 

فبعد كل هذه السنوات، ما زالت الولايات المتحدة تواجه معضلة صورتها في الشرق الأوسط: كيف يمكن أن تكون حليفًا استراتيجيًا لإسرائيل، وفي الوقت نفسه وسيطًا يحظى بثقة الفلسطينيين والعرب؟ إن استمرار الانحياز الأمريكي لإسرائيل، من دون ضغط فعلي يضمن للفلسطينيين حقوقهم، يظل عاملًا يغذي مشاعر الغضب والإحباط التي تستطيع التنظيمات المتطرفة استغلالها، حتى وإن كانت تلك المشاعر لا تبرر الإرهاب ولا تجعل القضية الفلسطينية سببًا وحيدًا له.

 

ولعل هذا أحد الدروس التي لم تُستوعب بالكامل منذ 11 سبتمبر: الأمن المستدام لا يبنى بالقوة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى معالجة مصادر الظلم والشعور بالاستبعاد، سواء كانت ناتجة عن سياسات دولية أو عن أوضاع داخلية.

 

لقد تغير العالم في ذلك الصباح، لكن الإرهاب لم ينتهِ، والحروب لم تنه المظالم، والسياسة العسكرية وحدها لم تستطع بناء الاستقرار.

 

وبعد خمسة وعشرين عامًا تقريبًا، ربما لم يعد السؤال الأهم: ماذا حدث في الحادي عشر من سبتمبر؟

 

بل: ماذا تعلم العالم من ذلك اليوم، وماذا كان يمكن أن يفعله بصورة مختلفة حتى لا يتحول الغضب من مظالم حقيقية إلى وقود للتطرف، ولا يتحول الرد على الإرهاب بدوره إلى مصدر جديد للصراعات؟

 

وربما تكون موريتانيا، بحكم موقعها وتجربتها في محيط ساحلي مضطرب، أمام فرصة لتقديم نموذج مختلف: دولة تدرك أن مكافحة الإرهاب تبدأ بالأمن، لكنها لا تنتهي عنده؛ وأن حماية الحدود ضرورية، لكن حماية المجتمع من اليأس والتهميش والظلم لا تقل أهمية.

 

تلك هي الذكرى التي تستحق أن تبقى: ذكرى الضحايا، ودرس السياسة، ومسؤولية الدول عن بناء عالم أكثر أمنًا وعدلًا في آن واحد.

 

فالحادي عشر من سبتمبر لم يكن مجرد يوم سقطت فيه أبراج في نيويورك، بل كان يومًا بدأت فيه سلسلة طويلة من الأحداث التي أعادت تشكيل العالم. وبعد ربع قرن، يبقى الدرس الأهم أن الإرهاب لا يولد من عامل واحد، ولا يُهزم بالقوة وحدها، وأن العدالة، داخل الدول وفي العلاقات الدولية، ليست ترفًا سياسيًا، بل جزء من الأمن نفسه.

الأحدث