تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

بلاء الشآم

ومن لطائف الإشارات الربانية في صراع الأمة المنقسمة على نفسها مع الكيان الصهيوني أن تغار معظم الأوساط الشعبية في الأمة على لبنان حينما انزلق إلى رذيلة المفاوضات المباشرة مع الصهاينة برعاية أمريكية منحازة وبمستوى تمثيل منخفض، ولم تبد تلك الأوساط الغيرة ذاتها وهي تراقب عن كثب مفاوضات الحكومة السورية مع العدو بأعلى المستويات الدبلوماسية. والعامل الذي حفّز هذا الشعور النبيل هو الإرث الجهادي الذي بذلته المقاومة اللبنانية خلال عقود، فكيف بذلك الجهاد أن لا يكون له تأثير في وعي الأمة؟

 

وفي المقابل تمارس القيادة السورية الحالية العمل السياسي بطريقة مقلوبة، فهي تعيش بين فكي تمساح متعطش للدماء وتتلذذ بالاستثمارات وشق الطرقات وبناء المطارات، التي لا أراها ستدخل الخدمة أكثر مما أراها ستكون تقدمة مجانية للاحتلال الصهيوني كي ينسفها نسفا، فيذرها ركاما لا ترى فيه حياة ولا تسمع فيه همسا. إنها قيادة مفصومة عن الواقع، وآية ذلك أنها تعوّل على المجتمع الدولي كأنه إله لينقذها من اعتداءات الصهاينة وهو الذي يشاهد التمساح الجائع كيف يفترس ضحيته بدهشة لا تخلو من متعة.

 

على حكام سورية الجدد أن ينهجوا نهجا مختلفا عما تعود عليه الناس وكرسه الحكام المستبدون السابقون في إظهار هالة الحكم والمبالغة فيها. الحضور الأمني البارز والاصطفاف المصطنع والمواكب الفخمة كلها مظاهر تسيء إلى من جاؤوا حاملين راية الدين. ثم إن زيارة الصالحين وهم في قبورهم أو في دورهم إذا لم تترجم في الواقع إلى سيرة معتدلة وسطية فلا فائدة منها. لأننا نلاحظ أن هذا العهد جلب معه تدينا يخاصم الفقه الموروث عن سلف الأمة في مذاهبه الفقهية والعقدية المعروفة. وإن استخدامه لأدوات السلطة من أجل تمرير مشروع مجتمعي غريب عن بلاد الشام سوف يراكم الأخطاء ويدفع نحو الاختلاف والثورة على هذا النظام من جديد؛ وذلك أمر في غاية الخطورة على بلد استعاد أنفاسه بصعوبة وقام لتوه من تحت الردم.

 

ومن غريب ما ابتليت به أمتنا في هذا العصر، أن ينبري لحكمها أناس لا زاد لهم من العلم والكفاية إلا ما يدعو إلى العجب. ففي باكستان مثلا ترى استقطابا حادا بين حكم ولاؤه التام للغرب، ومعارضة يقودها شخص اشتهر بين قومه بلعبة الكريكت، ولا يعلم أحدهما من أحكام الله في السياسة والحكم إلا كما يعلم أتباعهم في هذا البلد. 

 

وفي لبنان، يتخذ النصارى من جيشهم الوطني سلما ليرتقوا به إلى الرئاسة، وليس في جعبة أحدهم من ثقافة الأمة في السياسة والملك شيئا، بل إن جيشهم المنعم ظاهرا، لا يوحي بأنه قاتل عدوا أو خاض معارك طاحنة، فترى جنده الجسام المسلحين كأنهم حراس متاحف. وحتى رئيس حكومة لبنان، والمحسوب ورقيا على الطائفة السنية، لا يملك في جعبته رصيدا من الثقافة الشرعية غير شهرة حققها من خلال رئاسته لمحكمة العدل الدولية فترة من الزمن، تشرب فيها فلسفة القانون الدولي، فجاء إلى كرسي الحكومة وهو لا يلوي على شيء سوى على إبرام اتفاق سلام مع عدو يحتل أرضه ويقتل شعبه.

 

زهد أم ليبيرالية؟

الصلات البينية بين الدول المسلمة هي الحل الأمثل لحل الخلافات والتعاون على البر والتقوى، ومن التقوى السعي بتواضع إلى امتثال أوامر الله في ذلك وصولا إلى الوحدة الإسلامية. ورثة أغنياء متخاصمون على تركة لا تقدر بثمن جاءت السباع لافتكاكها منهم، إنها الغفلة السياسة بعينها تنطق للعيان! إن سعي كل دولة على حدة لحل مشاكلها مع إيران بعيدا عن الآخرين لا يعيد المياه إلى مجاريها، مجاريها الشرعية لا مجاريها التي كانت عليها قبل الحرب على المضيق، والتي كانت بمثابة أموال مهدورة يستفيد منها الغرب والشرق على حساب أهل البلاد الفعليين. 

 

إن طرح مشروع المضيق وكأنه ملك لإيران وسلطنة عُمان فقط على حساب الدول المسلمة المتشاطئة عليه ليس حلا عادلا، ولن يحقق الأمن في الخليج مطلقا، لأن تكريس ذلك وفي الحسبان وجود قوة إيرانية ضاربة اليوم، فكيف به إذا تبدلت موازين القوى غدا؟ العدالة تقول بأن من حق كل بلد له مطل على الخليج أن يرتفق به بسلام. يبقى امتياز خاص لإيران والسّلطنة من خلال الخدمات اللوجستية بحكم محاذاتهما للممر الضيّق. ولا تمنعن هذه القسمة أن تكون هنالك حسابات جيوسياسية أخرى، لها علاقة باستخدام المضيق في الصراعات الدولية خدمة للمصالح العليا للأمة.

 

العادات الغذائية التي تستحكم في موائد الخليجيين أكثرها صناعة شركات عابرة للقارات لا همّ لها إلا جمع المال، مال تستخدمه بعد ذلك في إدارة مزيد من الموائد. والضحايا هم صحتنا وأموالنا وأهلونا الذين يبادون بأرباح تلك الشركات التي تتحكم في قرار دول كبرى تدير هذا العالم بظلم مبين. إنه من قلوبنا تنطلق أيدينا لتقلب الموائد على رؤوس هؤلاء الأشرار، ولكن بأي شيء هي قلوبنا معلقة حقا؟ 

 

فإذا كانت معلقة بأهوائنا التي لا تزال تهوى أن ترتشف فنجان قهوة في شوارع الحي اللاتيني الضيقة، بدلا من كأس شاي على رمال صحرائنا الكبرى، فإننا لا نزال نقدم الرصاص لمن يقتلنا؛ وإذا كانت قلوبنا معلقة بخالقها، ولا ترى سعادة حقيقية إلا في طاعته والابتعاد عن نواهيه، فلا نستعيض عن صدقة جارية نمد بها إخواننا المعذبين في الأرض، برحلة نشد فيها الرحال إلى أبراج شاهقة نطل من خلالها على مدن كأنها غابات موحشة من الإسمنت المسلح، فإننا ساعتذاك قد عرفنا الطريق الموصلة إلى بر الأمان.

 

الرئيس الأمريكي يتحدث بمنطق من يحب أن يرى الأشياء كما يريدها أن تكون، ولا يبالي إذا كانت في الواقع خلاف ذلك. والعجيب حقا أن تجاري مؤسسات الدولة الأمريكية "العريقة" نزق هذا الرئيس وهي المطالبة بأن تكون موضوعية وتخرج قائدها المعظم من الأوهام التي تدفعه ليعلن النصر مرات ومرات في معركة خسرها على كل المستويات.

 

يبقى على الشعب الإيراني، بل وعلى كل الشعوب التي تريد التحرر من الهيمنة الأجنبية، أن تجد لنفسها بدائل في التعاملات البينية، وتلجأ إلى المقايضة واستخدام عملات دول مجاورة، وتعود إلى الإجراءات الورقية ونقل الأموال يدويا، فحصار شعب أبيّ من المحال. كما عليها أن تدرك أن العالم الإسلامي وخاصة قلبه النابض لا يليق بمن يسكنه أن يتبسط في العيش أكثر من الضرورة. إن سيرة الصالحين وفي طليعتهم قائد هذه الأمة والصحابة الفاتحون وأئمة أهل البيت الذين عاشوا في هذه البقاع الطاهرة كانت كلها زهدا وجهادا؛ فبهاتين الصفتين ينبغي أن تتحلى شعوبنا المسلمة، وساعتذاك {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى، وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ}.

الأحدث