تخطى الى المحتوى

كيف تتعامل الإنسانية مع الكوارث الطبيعية؟

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

 

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي

العلاجات الفرنسية لاحتواء الحرائق الهائلة علاجات موضعية وغير جذرية، والإعلام لا يذهب إلى أبعد من توصيف الحالة الكارثية ونشر تقارير تبدي إمكانيات الدولة الفرنسية "القوية"، ولكنها تكشف مدى هشاشة الخطط وضعف الإجراءات المجندة ولو كانت عسكرية. إن ما قاله رئيس المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي "جان فرانسوا سوسانا"، من أن "حل هذه المشكلة يبدأ بإعادة النظر في كل شيء، لأن كل شيء وضع لمناخ غير هذا المناخ"، هو نصف الحقيقة، ونصفها الآخر موجود في طبيعة الكون كله، وكيف خلق، ومن خلقه، وبماذا أمر؟

 

لا أقصد بقولي هذا ما يقصده السياسيون في الحكومة الفرنسية حينما يتكئون على حجة المناخ ليبرروا تقصيرهم في دعم المتضررين وإغاثتهم. ما قصدته أن من أفسد المناخ حتى أصبحت الكوارث تتكرر في كل عام هو نفسه من يبذل الجهد غير الكافي لمواجهة المشكلة، كالذي يطارد ذيله في حركة دائرية لا تنتهي بنتيجة. إنهم ينفقون على الشامبانيا في الإليزيه أكثر مما ينفقون على وسائل الإطفاء.

 

صراع الإنسان مع قوى الطبيعة من بقايا الوثنية، التي لا تزال جذورها مشتعلة في الثقافة الغربية وتنبعث منها أدخنة تشوه حضارة عصر التنوير. الطبيعة بكل ما فيها مخلوق من مخلوقات الله، ويسري عليها ما يسري على الإنسان من قوانين كونية مقدرة من قبل المولى تبارك وتعالى؛ ولهذا على الإنسان ألا يجهل، وعليه أن يدرس سلوك القوى المودعة في الكون، فهي تغضب بغضب الله وترضى برضاه. ولا ينبغي أن يتحدث الإنسان مع غضبها من البشر الذين أفسدوا جمالها الأخّاذ وعطاءها الخير بلغة الحروب، فلربما كانت هدأتها في شهادة ينطق بها الإنسان الغافل أو سجدة يسجدها توبة إلى الله وطلبا للصفح منه.

 

الأكاديمية الملكية الإسبانية للهندسة تدعو الناس إلى التعايش مع الجحيم المستعر وصحفيون يرددون هذه الهراء، إذ كيف يتعايش الإنسان مع جهنم؟ أليست النار والإنسان متناقضين ولا يمكنهما أن يجتمعا؟ وما هذا التسطيح في القول بأن النزوح من الريف إلى المدينة هو من سبب كثافة النباتات وسهل اشتعال النيران، فلماذا نزح الناس إذن عن أراضيهم مصدر رزقهم وبيئة عيشهم الطبيعية ويمموا شطر المدن الحديثة المكتظة بالسكان؟ أليست الأنظمة الرأسمالية هي من فعلت هذا بهم؟ فلتعدهم إلى وضعهم الطبيعي إذن؟ ثم ليسألوا رب العزة عن النار لماذا يرسلها عليهم في كل عام؟

 

أيعقل أن تشارك الحسناء الأوروبية وهي بهذا الضعف الأنثوي في عمل بهذا الجهد العضلي؟! المرأة من حقها أن تحظى ببيت وأطفال وتبتعد عن كل ما يؤذي ويضر، والرجال هم الأجدر بتولي هذه المهام الصعبة. فلنتأمل ثقافة الجندر وفكرة المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما في الغرب إلى أين أودت بهم؟ فما أحكم النبوة الشريفة حين توصي بالنساء خيرا: "ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم".

 

التغير المناخي ليس هو الخطر، إنه نتيجة لخطر آخر هو انبعاث الغازات الدفيئة، والتي سببها جشع الإنسان الغافل عن ربه ونبيه. التغير المناخي ردة فعل متوقعة من الطبيعة، لأنها لم تك تفعل هذا بالإنسانية من قبل. والميثاق الوطني لحماية المناخ الذي دعا رئيس الحكومة الإسبانية شعبه لتبنيه لا يحل مشكلة عالمية، الأوروبيون هم من بدأوا العبث بالكون باسم التقدم، وتبعهم الأمريكيون ثم الصينيون. على الجميع أن يتوقف ويسأل: أين المفر؟

 

كل الناس تعلم أسباب الحرائق والإعلاميون في الطليعة، خاصة أولئك الذين يعملون في قنوات فضائية تابعة لدول صناعية ساهمت بقوة في الاحتباس الحراري. نحن في شمال إفريقيا ندفع أثمان إفسادهم في الأرض لأننا نحن من باعهم المحروقات كما يدفعون هم أيضا، وندفع علاوة على ذلك أثمان توانينا عن الامتثال لأوامر الله وما أكبر تقصيرنا!

 

غريب أن تتوقف درجة الحرارة دائما عند 49 لا تتعداها! وهي عندنا في الظل فاقت الخمسين، فلماذا تطمس الوقائع هكذا؟ رجال الإطفاء بإمكانياتهم البسيطة لا يستطيعون فعل الكثير، والحرائق تعاود الاشتعال في كل عام، والسلطة عاجزة عن تحمل مسؤولياتها وتدعي بأنها قوة ضاربة. على الشعب أن يقلع الأشواك بأظفاره، وأولها أن يتقي الله ويعيد الانتشار في الأرض، ويسأل الله سلطانا صالحا يقوم على أمره، ويطفئ غضب الرب بعدله.

 

ما تفعل طائرة إطفاء حمولتها دلو خفيف أو بضعة آلاف من اللترات تتبخر مياهها قبل أن تصل إلى اللهب، ثم تعاود هذه الطائرة الرجوع إلى البحر لتتزود بالمياه والنيران التي خلفتها من ورائها في ازدياد؟ إنه عمل استعراضي قليل الجدوى. وإطفاء النيران يبدأ من نهي السباحين العراة الذين لا يتقون الله في الشواطئ، وفي العلاقات المحرمة، وفي تاركي الصلاة، وآكلي الربا، وشاربي الخمور... ثم نسعى إلى الله بالطاعات وأعمال الخير وتطبيق أحكامه في الحياة كافة؛ وساعتئذ سيحمينا الله بلا ريب من الأسباب التي تجلب لنا هذه العذابات، قال تعالى: {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ، وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}.

 

لا أدري أية غفلة هذه؟ فكرة التكيف، التي تلقفها بعضنا من الضفة الأخرى للمتوسط ويريد للناس هنا أن تبتلعها، مخادعة للغاية ولا تنم عن وعي بالكون، هل يستطيع الإنسان أن يتكيف مع اللهب؟ لا بد من التفكير عميقا في جذور المشكلة، والمرتبطة تحديدا بعلاقة الناس بربهم الذي أرسل إليهم المياه في الشتاء والنيران في الصيف؛ فالمزارعون في الجزائر إلا قليلا لديهم تجاوزات إيمانية تتعلق بحرصهم الشديد على الربح السريع، إلى درجة أثروا فيها على نمو الثمار بالكيمياويات حتى فسدت الصحة العامة بفساد الأطعمة، وكذلك الشأن في القروض الربوية التي تأذن بحرب من الله ورسوله. 

 

والحل ليس في التكيف كما يفتي بعض الناس للناس، بل في التوبة إلى الله وامتثال تعاليم الإسلام في المزارعة، وهي أحكام كثيرة في قمة الحكمة والأمان لو يطلع عليها الفلاحون والصحفيون على حد سواء، علهم ينوِّرون الرأي العام بها، ولنا في أبينا نوح (عليه السلام) خير وصية لذريته إلى يوم القيامة: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}، صدق الله العظيم.

 

التفكير المادي هو الطاغي على مقاربة الناس لهذه الكوارث في هذا الزمان، فشكواهم مما لحقهم من ضراء ومطالبهم لجبر الضرر عنهم لا تعدو ذلك النمط أيضا. كان السابقون الأولون من هذه الملة عندما يصابون بجوائح أو مصائب يراجعون سيرتهم ويبحثون عن الخطأ في سلوكهم، ثم يسارعون إلى تصحيح ذلك والتوبة إلى الله من الذنوب، لأنهم يفقهون معنى قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، وقوله تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون}. أما خلفهم ومن يحكمه فلا يقرؤون ما قرأ الأولون، ولا ينتبهون - علاوة على ذلك - إلى مكابرتهم وقلة حيلتهم وهم يغرقون في العذابات.

 

إن أغلب المناطق التي احترقت في الجزائر سواحلية، وهي مناطق يؤمها المصطافون من كل النواحي، وليس خافيا على أحد ما يرافق ذلك من تسيب أخلاقي، وفحش، وسكر، وغفلة عن ذكر الله. ولقد وجد بعض أهالي المنطقة في هذه "السياحة" مصدرا للتربح، فجارى كثير منهم الزائرين ولم ينهوهم عن منكر ولم يأمروهم بمعروف. وفي سنة من السنوات الفارطة بولاية بجاية، نزل سكان تيشي مجتمعين إلى الشواطئ وقطعوا الطريق مطالبين السلطات بالتدخل لمنع الانحلال الخلقي المرافق للمواسم الصيفية، لما علموا بأن منتجعات بلدتهم الطيبة وشواطئها أصبحت أوكارا للفساد وفضاءات للرذيلة والعياذ بالله. وإن للنار ربا لا يعذب بها إلا هو.

الأحدث