جدول المحتويات
كنت حين ألتقي في المؤتمرات العلمية بخبراء، غالبا من دول معدودة على رؤوس الأصابع، وأقل من ذلك التمثيل العربي فيها، ومرد ذلك أن (الحُكْرة والتربّص) المعروف عندنا في أحكام البيع، لربّما ضربت أطنابها في اختيارهم، عندها تتلظّى بين جوانحي نار الغيرة، خاصة حين أستعرض ما وعته حافظتي من خيرة الأطر في بلدي، وفى مختلف فروع المعرفة، خاصة في العلوم الاجتماعية، ولتعلم عزيزي القارئ، فضلا، لا أمرا، أن قمرة القيادة للدول والمؤسسات لا يتولاها إلا من رسخت قدماه فيها - العلوم الاجتماعية - وعبّ من معينها على أن يأخذ من كل العلوم الأخرى بطرف.
بالأمس غمرتني فرحة عيد مولد خير البرية - صلوات الله وسلامه عليه - وكنت لا أشاطر المتنبي رأيه في بيته الذي تضمّن بثّه وحزنه في يوم العيد
عيدٌ بِأَيّة حالٍ عُدتَ يا عيد *** بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
وخلافي هذا معه حالة معزولة، متفردة..
لأن ميرتي في البيان ممتاحة من بديع معانيه (من رزق من باب فليلزمه)..
خاصة أن هذا العيد الميمون طالعه، أدركني وأنا في مدينة گرو، تكتحل عيناي برباه التي يحفّها بساط من الخضرة نَتَقَ لتوّه من أديم أرض مّعطاء، ويشنّف أذني حفيف باسقات النخيل في الوادي الخصيب (.. وتغرس إلا في منابتها النخل..).
واليوم خبت في نفسي جذوة الغيرة حين تابعت أخي وصديقي الألمعي، ذي القدم الراسخ، والخبرة الغنية، والمراس، والتدرج في العمل بالمنظمات الدولية، صاحب السعادة إسماعيل ولد الشيخ أحمد، تابعته على منصة الخطاب يلقي كلمته، (ورب كِلْمةٍ بها كلامٌ قد يُؤَم) بعد أن انتخب بالإجماع في جدة من طرف سبع وخمسين دولة إسلامية، على رأس منظمة التعاون الإسلامي، هذا النجاح يؤكد أن الكفاءات الموريتانية قادرة على المضي إلى الشأو، لا يثنيها عنه إلا غياب من يسوِّقُ سلعتها النافقة.
وقد أبان السيد الرئيس في هذه، وسابقاتها، وسيلعبها في لواحقها، أبان مرة أخرى عن قدرة فائقة في مضمار نسج علاقات قوية، ومؤثرة، ومثمرة، مع رؤساء الدول وصنّاع القرار، قدرة تستحق منا جميعا أن نقدّرها حقّ قدرها.. (فليسعد النطق إن لّم تسعد الحال) على الأقل خاصة مع سيلان أذهاننا في خلّتي الشعر والنثر.. فهذه القدرة والعلاقات أثمرت انتخاب عديد الأطر من خيرة أبناء هذا الوطن على رأس مؤسسات دولية محترمة، عتيدة.
وأختم بالقول إن هذه المنظمة، منظمة التعاون الإسلامي ثاني أربع منظمات عالمية هي الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجامعة الدول العربية، وللدلالة التي لا تقبل المِراء على أهمية هذا المنصب أن بلادنا لم تتمكن من نيل قيادة أي منها منذ الاستقلال قبل الآن.
فهنيئا للسيد الرئيس، محمد ولد الشيخ الغزواني على ما أحرز، ولم يزل إلى الشأو يمضي.. أقول هنيئا له لأني علمت من مصادر من عين المكان، لا يرقى إليها شك، أن ملف هذه المنظمة لم يكله لأحد، فأشرف عليه بنفسه متوّجا عمله بالاتصال الشخصي بعديد رؤساء الدول الأعضاء في المنظمة، وتكللت اتصالاته بالنجاح، وهنيئا لبلادنا، كذلك، بإحراز هذا المنصب على رأس هذه المنظمة الإسلاميّة، إذ يشهد القاصي والداني طول باعنا، وسعة صدورنا في الدفاع عن الحنيفية السمحاء، وذلك بالإسهام في نشر علومها، وإنارة منابرها، وما سوّدوه بمحابرهم من دفاترها، فهم أبناء بجدتها، وأحقّ بها وأهلها..
فقد أعطت المنظمة القوس باريها، إذ استجابت لنداء الشاعر:
يا باري القوس بريا ليس يحسنه *** لا تظلم القوس أعط القوس باريها
فالتهنئة مستحقة كذلك، لأخي وصديقي سعادة الأمين العام السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذى اطفأ في نفسي انتخابُه جذوة الغيرة.
گرو بتاريخ: 13 ربيع النبوي 1448 ه - الموافق 27 أغسطس 2026 م