جدول المحتويات
إن أهم مكسب حققه الشعب الموريتاني في مساره السياسي هو التداول السلمي على السلطة، باعتباره الضامن الأساسي للاستقرار والتنمية، والواقي من آفات الاستبداد ومهالك السلطة المطلقة. وقد جاءت المواد: 26، 28، 29 و99 من الدستور لتحصين هذا التداول، وغلق الباب بأقفال قوية أمام أي محاولة للالتفاف عليه، حسب وصف المغفور له بإذن الله تعالى الرئيس اعل ولد محمد فال.
غير أننا نلاحظ مع مطلع المأمورية الثانية لكل رئيس منتخب سلوكيات تتنافى مع القيم الأخلاقية والديمقراطية؛ تبدأ بالبحث المسبق عن "الخليفة"، وتبلغ أوجها بالدعوة الصريحة إلى الانقلاب على المواد المحصنة وفتح المأموريات
إن هذا السلوك، فضلاً عن كونه تشويشاً على تنفيذ برنامج الرئيس الذي يمتلك تفويضاً شعبياً محدد الأجل بخمس سنوات، يمثل خرقاً جسيماً للدستور، وحنثاً باليمين المعظمة، وتحطيماً لمبدأ العقد الاجتماعي الذي يعد شريعة المتعاقدين.
كما تعكس هذه التحركات أزمة عميقة لدى بعض النخب السياسية والإعلامية ورجال الأعمال، بتقديم مصالحهم الضيقة وثقافة "التزلف والزبونية" على حساب ترسيخ مفهوم الدولة. وهو ما يعيد البلاد إلى مربع القلق والانسداد عند كل استحقاق، ويفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، ويحول الوثيقة الدستورية من مرجع ناظم للمستقبل إلى أداة لتحقيق مآرب فردية.
إن المساس بالمحصنات يزعزع ثقة المواطن في جدوى الاحتكام إلى الصندوق والحلول السلمية، مما يحفز الاحتقان المجتمعي ويفتح الأبواب أمام أزمات قد تجر البلاد إلى المجهول.
إن مشاهد الحشد (النخبوي) - كما رأينا في ولايات لبراكنة وإنشيري ولعصابة - والتي يتنافس فيها الوزراء والمنتخبون والأطر والإداريون والسياسيون والإعلاميون ورجال الأعمال.. للتحريض على الانقلاب على المحصنات الدستورية، لم تكن قطعا بدافع حب الرئيس الحالي؛ فقد حاولوها مع أخ له من قبل، ولكل أسبابه:
فبعض بدافع حب الظهور *** وبعض بدافع حب البطون
ولمواجهة هذا الخطر، تقع المسؤولية الوطنية على الجميع:
- الرئاسة: بالقطع المبكر والحاسم أمام خطابات المناشدة والتزلف هذه؛ حماية للدستور، ووفاء باليمين.
- النخب والفاعلون: بالترفع عن مقايضة استقرار الوطن بمصالح خاصة وعابرة، والإدراك بأن المبادئ الدستورية وحدة لا تتجزأ
- البرلمان والمجتمع المدني: بالوقوف كحائط صد قانوني وسياسي ضد أي محاولة لتقويض الشرعية الدستورية تحت أي ذريعة
إن قوة موريتانيا ليست في بقاء الأشخاص، بل في ثبات المؤسسات، وسيادة القانون، وصيانة التداول السلمي كخيار استراتيجي لا رجعة عنه.