جدول المحتويات
قلّما شهدت علاقة بين دولة إفريقية ومستعمِرها السابق انقلابًا بهذا العمق والسرعة كما حدث بين فرنسا ومالي. فمن تدخل عسكري فرنسي عام 2013 استُقبل بالورود والهتافات في شوارع باماكو، إلى قطيعة دبلوماسية شبه كاملة، ومحاكمة ضابط استخبارات فرنسي بالسجن عشرين عامًا، وصمت باريس المريب أمام أخطر أزمة أمنية تعيشها مالي منذ عقد؛ تختصر هذه العلاقة قصة أوسع عن أفول النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا.
حين اجتاحت الجماعات الجهادية شمال مالي عام 2013 وهددت بالزحف نحو باماكو، لم تتردد فرنسا في التدخل عسكريًا عبر "عملية سرفال"، ثم لاحقًا "عملية برخان" التي امتدت لتشمل كامل منطقة الساحل. لقد قدّمت باريس نفسها يومها بوصفها المنقذ الذي حال دون سقوط الدولة المالية، وبُني على أساس ذلك التدخل شراكة أمنية وسياسية بدت راسخة، دعمتها روابط استعمارية تاريخية وحضور اقتصادي وثقافي فرنسي عميق في البلاد. لكن هذا التحالف حمل في داخله بذور انهياره: فقد بقيت الجماعات المسلحة متمددة رغم مرور تسع سنوات من الوجود العسكري الفرنسي، وترسخ لدى شريحة واسعة من الماليين شعور بأن التدخل الفرنسي لم يكن سوى إطالة لأمد الأزمة، إن لم يكن أداة لخدمة مصالح باريس الجيوستراتيجية في منطقة غنية باليورانيوم والذهب.
جاء الانقلاب العسكري في مالي عام 2020، ثم انقلاب أغسطس 2021 الذي عزز قبضة العقيد أسيمي غويتا على السلطة، ليقلب المعادلة رأسًا على عقب. رفضت باريس التعامل مع سلطة عسكرية ترى فيها تهديدًا لمسار "الانتقال الديمقراطي"، بينما رأى المجلس العسكري الحاكم في هذا الموقف تدخلًا سافرًا في الشأن الداخلي المالي. والشرارة الحقيقية اشتعلت مع دخول مرتزقة مجموعة "فاغنر" الروسية إلى الساحة المالية، وهو ما اعتبرته فرنسا خطًا أحمر، في حين وجدت باماكو في موسكو شريكًا لا يشترط عليها إصلاحات سياسية ولا يقدم دروسًا في الحوكمة. في 17 فبراير 2022 أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون سحب قوات "برخان" من الأراضي المالية، في ضربة وُصفت بأنها "هزيمة سياسية" لفرنسا أكثر منها انسحابًا استراتيجيًا مخططًا.
منذ تلك اللحظة، تسارع التدهور: طرد السفير الفرنسي من باماكو، حظر بث إذاعة "آر إف آي" وقناة "فرانس 24"، ثم في سبتمبر 2025 تعليق فرنسا تعاونها الأمني مع مالي بالكامل وطرد دبلوماسيين ماليين، ردًا على توقيف دبلوماسي فرنسي في باماكو. لتبلغ الأزمة ذروتها الرمزية حين أصدرت محكمة مالية في يونيو 2026 حكمًا بسجن ضابط استخبارات فرنسي يعمل لدى جهاز "المديرية العامة للأمن الخارجي" (DGSE) عشرين عامًا، ومنعه من دخول البلاد لعقدين آخرين، في قضية اعتبرتها باريس انتهاكًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وتشهد مالي منذ سبتمبر 2025 حصارًا خانقًا فرضته "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) المرتبطة بالقاعدة على إمدادات الوقود المتجهة إلى باماكو، ردًا على قرارات حكومية بمنع بيع الوقود في المناطق الريفية. تحوّلت الطرق المؤدية إلى العاصمة إلى خطوط جبهة، واستُهدفت عشرات صهاريج الوقود، ما أدى إلى شلل شبه تام في الحياة اليومية ودعوات غربية عاجلة لمغادرة البلاد. ثم جاءت هجمات 25 و26 أبريل 2026 لتمثل تحولًا نوعيًا في الأزمة: هجوم منسق غير مسبوق شنّته "نصرة الإسلام والمسلمين" بالتحالف مع "جبهة تحرير أزواد" الطارقية على مواقع متعددة شملت كاتي وسيفاري وباماكو نفسها وموبتي، بينما أعلنت جبهة تحرير أزواد سيطرتها على مدينة كيدال وأجزاء من غاو. تلا ذلك هجوم مزدوج في مايو أودى بحياة أكثر من ثلاثين شخصًا في وسط البلاد. واللافت في هذا المشهد هو ما وصفته بعض وسائل الإعلام بـ"دبلوماسية الصمت" الفرنسية: بينما بادرت روسيا (الداعم الرئيسي للمجلس العسكري) والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة إلى التعبير عن "تضامنها" مع الشعب المالي عقب الهجمات، تأخرت باريس في التعليق. هذا الصمت لا يمكن فصله عن حالة القطيعة العميقة القائمة أصلًا بين البلدين، وربما عن حسابات فرنسية تتعلق بعدم منح شرعية سياسية لنظام تعتبره باريس غير شرعي، إلى جانب حرج داخلي فرنسي إزاء التورط السابق في الملف الأمني المالي دون أن يفضي ذلك إلى استقرار.
والمؤشرات على الأرض لا تدعو إلى تفاؤل كبير في المدى المنظور، لأسباب بنيوية عدة: فقد أسست مالي مع بوركينا فاسو والنيجر "كونفدرالية دول الساحل"، بخطاب سيادي موحّد يقوم أساسًا على معاداة النفوذ الفرنسي وتنويع الشراكات نحو روسيا وتركيا والصين وإيران، ما يجعل أي تقارب ثنائي مع باريس مكلفًا سياسيًا لباماكو أمام حلفائها الإقليميين. كما أصبح الخطاب المعادي لفرنسا أداة شرعنة للمجلس العسكري الحاكم، وأي تليين ملحوظ تجاه باريس قد يُفسَّر داخليًا كتراجع عن "الاستقلال الثاني" الذي يروّج له النظام. وبعد قضية الضابط الاستخباراتي وسحب فرنسا لعناصرها الاستخباراتية، لم يعد هناك عمليًا أي قناة تنسيق أمني مباشرة بين البلدين.
في المقابل، ثمة إشارات محدودة قد تشكل نافذة مستقبلية: فقضية مشابهة جمعت فرنسيين متهمين استخباراتيًا في بوركينا فاسو انتهت بتدخل مغربي أفضى إلى الإفراج عنهم، وهو سيناريو بدأ يتكرر في الملف المالي مع مؤشرات على دور مغربي في تسهيل ملف الضابط الفرنسي المحتجز، ما يعكس رغبة ضمنية من الطرفين في تصريف الأزمات الحادة بعيدًا عن المواجهة العلنية المباشرة. كذلك فإن اتساع رقعة سيطرة الجماعات الجهادية وجبهة تحرير أزواد يهدد ليس فقط استقرار مالي، بل يفتح الباب أمام تمدد التهديد نحو دول الساحل والساحل الغربي وحتى شمال إفريقيا، وهو ما قد يدفع لاحقًا نحو تفاهمات أمنية غير معلنة، حتى لو ظلت العلاقات السياسية الرسمية متجمدة. وتبقى أيضًا مصالح فرنسية اقتصادية وشركات فرنسية عاملة في القطاع التعديني والزراعي بمالي، وهي مصالح قد تفرض منطقها على المدى الطويل بمعزل عن الخطاب السياسي الرسمي.
وخلاصة القول إن ما جرى بين فرنسا ومالي ليس مجرد أزمة دبلوماسية عابرة يمكن حلها بجولة مباحثات أو تبادل سفراء، بل هو تفكك بنيوي لعلاقة قامت لعقود على معادلة غير متكافئة بين "حامي" و"محمي". اليوم، ومالي تواجه أخطر تهديد وجودي لدولتها منذ عقد على وقع تمدد الجماعات المسلحة، تبدو باريس بعيدة عن المشهد، ليس فقط بفعل قرار مالي بإبعادها، بل أيضًا بفعل تراجع قدرتها ورغبتها في الانخراط مجددًا في ملف أثبت محدودية جدوى التدخل العسكري الكلاسيكي فيه. الترميم الكامل يبدو بعيد المنال في المدى القريب، لكن الحاجة الأمنية الملحة، وتجارب الوساطة الإقليمية، قد تفتح هامشًا ضيقًا لتفاهمات وظيفية جزئية، بعيدًا عن أي عودة إلى زمن "الحليف الاستراتيجي" الذي انتهى فعليًا مع سقوط آخر عَلَم فرنسي عن قواعد الساحل.