تخطى الى المحتوى

حزب النهضة الوطنية الموريتانية: من التأسيس إلى الحل وإعادة الاندماج السياسي: (1961 - 1958)

محمد سالم ولد لكبار 

جدول المحتويات

مقدمة:

يمثل تاريخ حزب النهضة الوطنية الموريتانية إحدى المحطات البارزة في تاريخ الحياة السياسية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة من العهد الاستعماري وبدايات الدولة الوطنية، وظهر الحزب في ظرف سياسي اتسم بتسارع التحولات الدستورية والمؤسسية، وبروز الخلافات حول طبيعة الاستقلال المرتقب، ومستقبل العلاقات مع فرنسا، وشكل الدولة الوطنية التي كانت في طور التشكل.

 

ولم تكن نشأة النهضة حدثا معزولا عن التحولات التي عرفتها الساحة السياسية خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، بل ارتبطت بصورة مباشرة بإعادة تشكيل الخريطة الحزبية الوطنية، ولا سيما عقب مؤتمر ألاك في مايو 1958 وما ترتب عليه من قيام حزب التجمع الموريتاني، وفي هذا السياق، اختار عدد من السياسيين الرافضين للاندماج الحزبي تأسيس تنظيم جديد حمل اسم حزب النهضة الوطنية الموريتانية، وخلال فترة قصيرة لم تتجاوز ثلاث سنوات، انتقلت النهضة من التأسيس والمشاركة في الحياة السياسية إلى المعارضة والمواجهة مع السلطة، ثم إلى الحل والإقامة الجبرية التي طالت عددا من قياداتها، قبل أن تعود إلى الحوار السياسي والمشاركة في مسار الوحدة الوطنية الذي انتهى بتأسيس حزب الشعب الموريتاني في ديسمبر 1961.

 

ومن ثم، فإن تجربة النهضة لا تختزل في تاريخ حزب تأسس ثم حل، وإنما تكشف عن طبيعة التحولات التي عرفتها النخبة السياسية الموريتانية وهي تنتقل من مقاومة الاستعمار والمطالبة بالاستقلال إلى بناء مؤسسات الدولة الوطنية وتشكيل نظامها السياسي.

 

أولا: نشأة حزب النهضة في سياق إعادة تشكيل الحياة السياسية:

ترجع البدايات المباشرة لحزب النهضة إلى سنة 1958، وهي السنة التي شهدت تحولات سياسية عميقة أعادت رسم ملامح المشهد الحزبي الموريتاني، وكان مؤتمر ألاك المنعقد في مايو من تلك السنة محطة حاسمة في اتجاه توحيد عدد من القوى السياسية، إذ أفضت مداولاته إلى اندماج حزب الاتحاد التقدمي الموريتاني وحزب الوفاق، إلى جانب كتلة كوركل الديمقراطية والاتحاد العام لمنحدري الضفة، في إطار سياسي جديد حمل اسم حزب التجمع الموريتاني.

 

وكان الهدف من هذا الاندماج تشكيل قوة سياسية قادرة على قيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية والاستعداد للاستقلال، غير أن مشروع الوحدة الحزبية لم يحظ بإجماع داخل حزب الوفاق، إذ رفض عدد من أعضائه الانضمام إلى التنظيم الجديد، واختاروا بالتعاون مع عناصر من رابطة الشباب الموريتاني، إنشاء إطار سياسي مستقل، وفي هذا السياق انعقد المؤتمر التأسيسي لحزب النهضة الوطنية الموريتانية يومي 25 و26 أغسطس 1958 في مدينة كيهيدي، لتدخل النهضة بذلك الحياة السياسية الموريتانية في مرحلة شديدة الحساسية سبقت إعلان الجمهورية في سبتمبر من العام نفسه.

 

وتولى بوياكي ولد عابدين قيادة الحزب، وبرز إلى جانبه عدد من الشخصيات السياسية والوطنية، من بينهم أحمد باب أحمد مسكه، ويحيى ولد منكوس، وبمب ولد اليزيد، ويحيى ولد عبدي، وهيبه ولد همدي، إلى جانب مجموعة من الناشطين الذين ساهموا في بناء التنظيم وصياغة توجهاته السياسية، وكان ظهور النهضة تعبيرا عن صعود نخبة سياسية جديدة، أو عن بروز تيار داخل الحركة الوطنية كان يرى أن المرحلة المقبلة تقتضي موقفا أكثر تشددا تجاه الاستعمار، وأن الاستقلال لا ينبغي أن يقتصر على انتقال شكلي للسلطة، بل يجب أن يؤدي إلى سيادة وطنية كاملة.

 

ثانيا: البرنامج السياسي وموقف النهضة من الاستعمار والمطالب المغربية:

احتلت قضية الاستقلال والسيادة الوطنية موقعا مركزيا في خطاب النهضة، فقد رأت قيادة الحزب أن إنهاء الوجود الاستعماري ينبغي أن يتجاوز مجرد نقل الاختصاصات الإدارية إلى المؤسسات الموريتانية، ليشمل التحرر من مظاهر النفوذ الفرنسي في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وانطلاقا من هذا التصور، طالبت النهضة بتسريع مسار إنهاء الاستعمار وتقرير المصير، وانتقدت تدخل الإدارة الفرنسية في الحياة السياسية، ولا سيما ما اعتبره قادتها محاولة للتأثير في تشكيل النخب والقوى السياسية التي ستتولى إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

 

كما اتسم خطاب الحزب بحضور واضح للبعد العروبي والإسلامي، متأثرا بالمناخ الفكري والسياسي الذي ساد الوطن العربي في خمسينيات القرن العشرين، وبصعود حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار، و جعل ذلك النهضة مختلفة في خطابها السياسي عن التيارات التي كانت تميل إلى المحافظة على علاقات وثيقة مع فرنسا خلال المرحلة الانتقالية، أما موقف الحزب من المطالب المغربية، فقد ظل من أكثر جوانب تجربته إثارة للنقاش التاريخي، و ربطت بعض الروايات بين النهضة وبعض المواقف المغربية من موريتانيا، في حين تذهب قراءات أخرى إلى أن جوهر مشروع الحزب كان يتمثل في مقاومة النفوذ الاستعماري والمطالبة باستقلال موريتانيا، ولذلك فإن اختزال النهضة في كونها امتداد للسياسة المغربية لا يعكس بصورة كاملة تعقيد مواقفها السياسية والفكرية، ولا السياق الإقليمي الذي نشأت فيه.

 

وفي مواجهة هذه المواقف، بدأت السلطات الاستعمارية تنظر إلى الحزب باعتباره قوة سياسية مغايرة للمسار الذي كانت تدعمه، ومنذ سبتمبر 1958 واجهت النهضة صعوبات في الحصول على الاعتراف القانوني بنشاطها، إذ لم تتعامل الإدارة الاستعمارية معها بالمرونة نفسها التي أبدتها تجاه التنظيمات السياسية الأخرى، وهو ما شكل بداية علاقة متوترة بين الحزب والسلطة.

 

ثالثا: من المعارضة السياسية إلى حل الحزب سنة 1960:

دخلت النهضة منذ نشأتها في منافسة سياسية مع حزب التجمع الموريتاني بقيادة المختار ولد داداه، الذي تبنى خيار بناء مؤسسات الدولة بصورة تدريجية، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع فرنسا خلال المرحلة الانتقالية، وظهر الخلاف بين التيارين بوضوح في انتخابات الجمعية الوطنية الأولى سنة 1959، عندما قررت النهضة مقاطعة الانتخابات، في حين تمكن حزب التجمع الموريتاني من الحصول على المقاعد الثلاثين، وكانت المقاطعة تعبيرا عن رفض النهضة للمسار السياسي الذي اتخذته السلطة، وعن تحفظها على طبيعة العلاقة القائمة مع فرنسا، ومع اقتراب الاستقلال، ازدادت المنافسة السياسية حدة، وأظهرت الانتخابات البلدية التي جرت في أغسطس 1960 أن النهضة كانت تمتلك حضورا انتخابيا في عدد من المناطق، ولا سيما في الشمال، الأمر الذي جعلها قوة سياسية يصعب تجاهلها في المشهد الوطني.

 

وبعد الاستقلال، اتجهت السلطة إلى احتواء المعارضة السياسية، ثم انتقلت العلاقة مع النهضة إلى مرحلة أكثر توتراً، ففي سبتمبر 1960، أخضع عدد من أبرز قادة الحزب للإقامة الجبرية في تشيت، ومن بينهم بوياكي ولد عابدين، وأحمد باب أحمد مسكه، إلى جانب شخصيات أخرى، وبذلك انتقلت العلاقة بين الطرفين من المنافسة السياسية إلى المواجهة المباشرة، ثم صدر المرسوم رقم: 60 - 179 المتعلق بحل حزب سياسي، ليضع حدا للوجود القانوني للنهضة، واستند القرار إلى الإطار الدستوري والقانوني السائد آنذاك، وربطت السلطات عملية الحل بما اعتبرته دعوات متكررة إلى أعمال غير قانونية وتخريبية.

 

ويمثل حل الحزب إحدى المحطات المهمة في تاريخ الحياة السياسية الموريتانية في السنوات الأولى للاستقلال، لأنه يكشف عن حدود التعددية السياسية في الدولة الناشئة، وعن صعوبة التوفيق بين متطلبات بناء الدولة ومطالب المعارضة السياسية في مرحلة كانت السلطة تسعى فيها إلى تثبيت مؤسسات الجمهورية وتوحيد القرار الوطني، ومع ذلك، فإن حل النهضة لم يؤد إلى اختفاء قياداتها من الحياة العامة، وإنما فتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسمت بالحوار وإعادة ترتيب العلاقات بين مختلف القوى السياسية.

 

رابعا: الإفراج عن القيادات والمائدة المستديرة ومسار المصالحة السياسية:

لم يكن حل حزب النهضة نهاية لدوره السياسي، إذ ظلت قياداته حاضرة في المشهد الوطني، كما ظلت الخلافات التي أنتجت الانقسام الحزبي قائمة في الخلفية السياسية للدولة الناشئة، ومع مرور الأشهر الأولى على الاستقلال، بدأت السلطة تدرك أن استمرار الانقسام بين القوى السياسية الوطنية قد يشكل عائقا أمام توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار السياسي، وفي هذا السياق، أطلق المختار ولد داداه في فبراير 1961 دعوة إلى تجاوز الخلافات السياسية، وتزامن ذلك مع الإفراج عن عدد من قادة النهضة الذين كانوا رهن الإقامة الجبرية في تشيت، ومع الإفراج عن القيادات بدأت مرحلة جديدة من الاتصالات السياسية بين السلطة وقيادات النهضة، اتجهت تدريجياً نحو البحث عن صيغة للتفاهم والوحدة.

 

وكانت المائدة المستديرة للأحزاب والتيارات السياسية في نواكشوط، في مايو 1961، إحدى أبرز محطات هذا المسار، وشاركت فيها أربعة مكونات سياسية رئيسية هي: حزب التجمع الموريتاني، وحزب النهضة، والاتحاد الوطني الموريتاني، واتحاد الاشتراكيين المسلمين في موريتانيا، وشكلت المائدة المستديرة تحولا مهما في مسار النهضة؛ إذ انتقلت قيادتها من موقع المواجهة مع السلطة إلى موقع التفاوض والحوار حول مستقبل الدولة والنظام السياسي، كما بدأ مفهوم الوحدة الوطنية والسياسية يحتل موقعا مركزيا في النقاشات، بعدما كان الصراع الحزبي هو العنوان الأبرز للمرحلة السابقة، وشارك في هذه الاتصالات عدد من أبرز رجال النهضة، وفي مقدمتهم بوياكي ولد عابدين وأحمد باب أحمد مسكه، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى.

 

ولم تكن هذه العملية مجرد تسوية مؤقتة بين السلطة والحزب المحلول، بل تحولت تدريجيا إلى مسار أوسع لإعادة إدماج النخب السياسية التي كانت قد انقسمت خلال السنوات السابقة، وبذلك انتقلت النهضة من مرحلة المعارضة إلى مرحلة المشاركة، ومن الصدام السياسي إلى الحوار، ومن التنظيم المستقل إلى الانخراط في مشروع الوحدة السياسية الوطنية.

 

خامساً: الاندماج في حزب الشعب الموريتاني وإرث النهضة السياسي:

بلغ مسار الوحدة السياسية ذروته في ديسمبر 1961، عندما انعقد مؤتمر الوحدة ابتداءً من 25 ديسمبر، وأسفر عن تأسيس حزب الشعب الموريتاني باعتباره إطارا سياسيا جامعا للقوى التي شاركت في مسار الوحدة، وكانت النهضة من بين القوى السياسية التي ساهمت في هذا التحول، لتنتهي بذلك تجربتها كتنظيم مستقل، وتنتقل قياداتها وكوادرها إلى الإطار السياسي الجديد، ولم يكن هذا الانتقال مجرد اندماج تنظيمي، بل مثل أيضا عملية لإعادة إدماج النخب السياسية التي خاضت خلال السنوات السابقة صراعات حادة حول طبيعة الاستقلال ومستقبل الدولة وعلاقاتها الخارجية، وأُدمج عدد من الشخصيات التي ارتبطت بالنهضة في القيادة السياسية والتنفيذية للدولة والحزب الجديد، ومن بينهم بوياكي ولد عابدين، وأحمد باب أحمد مسكه، ويحيى ولد عبدي، وهيبه ولد همدي، إلى جانب شخصيات أخرى جاءت من تيارات سياسية مختلفة.

 

وتبرز بصورة خاصة المكانة التي احتفظ بها بوياكي ولد عابدين في الدولة الوطنية الجديدة؛ فبعد أن كان زعيما لحزب معارض جرى حله، وخضع للإقامة الجبرية، انتقل إلى العمل الحكومي وتولى منصب وزير النقل والبريد والمواصلات، ويكشف هذا التحول عن طبيعة المرحلة السياسية آنذاك، حيث لم تكن الحدود بين المعارضة والسلطة ثابتة، بل كانت قابلة لإعادة التشكيل وفقا لمتطلبات بناء الدولة وموازين القوى والحاجة إلى توحيد النخب الوطنية، وهكذا انتهت النهضة كتنظيم مستقل، لكنها لم تختف من الحياة السياسية؛ فقد انتقل إرثها البشري والسياسي إلى حركات و أحزاب سياسية ، ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار تجربة النهضة إحدى الحلقات التي ساهمت في تشكيل النخبة السياسية للدولة الموريتانية خلال سنواتها الأولى.

 

خاتمة:

تكشف تجربة حزب النهضة الوطنية الموريتانية، بين سنتي 1958 و1961، عن مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ موريتانيا الحديث، اتسمت بتداخل النضال من أجل الاستقلال مع الصراع حول طبيعة الدولة الوطنية الناشئة، وبإعادة تشكيل التحالفات السياسية وفقا لمتطلبات المرحلة، فقد ولدت النهضة في أعقاب الانقسامات التي رافقت مشروع الوحدة الحزبية سنة 1958، وعبّرت عن تيار سياسي أكثر تشددا في موقفه من الاستعمار والعلاقة مع فرنسا، كما حمل خطابها أبعادا عروبية وإسلامية واضحة، ثم دخلت في مواجهة سياسية مع السلطة، فقاطعت انتخابات 1959، وازدادت المواجهة حدة بعد الاستقلال، وانتهت بحل الحزب وإخضاع عدد من قياداته للإقامة الجبرية سنة 1960.

 

غير أن هذه النهاية لم تكن خاتمة فعلية لدور النهضة؛ فقد أفضت التطورات السياسية سنة 1961 إلى الإفراج عن قياداتها، وفتح قنوات الحوار معها، ثم مشاركتها في المائدة المستديرة للأحزاب والتيارات السياسية، وصولا إلى مؤتمر الوحدة وتأسيس حزب الشعب الموريتاني في ديسمبر من العام نفسه، ومن ثم فإن أهمية النهضة في التاريخ السياسي الموريتاني لا تكمن فقط في مدة وجودها القصيرة، وإنما في طبيعة القضايا التي أثارتها وفي الدور الذي أدته قياداتها في مرحلة تأسيس الدولة، فقد شكلت تجربتها حلقة وصل بين الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار وبين النخبة السياسية التي شاركت في بناء مؤسسات الدولة المستقلة.

 

كما تكشف قصة النهضة عن مفارقة أساسية في التاريخ السياسي الموريتاني المبكر: فالشخصيات التي واجهت السلطة في مرحلة التأسيس وأودعت الإقامة الجبرية سرعان ما عادت إلى المشهد السياسي من خلال الحوار والمصالحة، بل أصبح بعضها جزءا من مؤسسات الدولة والحزب الحاكم، ولذلك فإن مسار النهضة، من التأسيس إلى الحل، ومن الإقامة الجبرية إلى المائدة المستديرة، ثم إلى الوحدة والاندماج السياسي، يمثل نموذجا دالا على التحولات السريعة التي عرفتها النخبة الموريتانية في الانتقال من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها.

الأحدث