جدول المحتويات
تُقاس قيمة الحوارات الوطنية بمدى قدرتها على استيعاب مختلف القوى الحية في المجتمع، لا بعدد المشاركين فيها ولا بحجم التغطية الإعلامية المصاحبة لها. فالحوار الذي يُراد له أن يعالج القضايا الكبرى للأمة لا يمكن أن يكتسب شرعيته ومصداقيته إلا من خلال الشمولية الحقيقية، القائمة على إشراك جميع الفاعلين الوطنيين دون إقصاء أو تهميش.
ومن هذا المنطلق، يثير تغييب المجتمع المدني والشباب عن التحضيرات الجارية للحوار الوطني المرتقب جملة من التساؤلات المشروعة حول مدى انسجام هذا المسار مع مبدأ الشمولية الذي رُفع عنوانًا للحوار منذ بدايته.
فالمجتمع المدني ليس مكونًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه، بل يمثل إحدى أهم أدوات المشاركة المواطنة والرقابة المجتمعية ومواكبة السياسات العمومية. كما أن الشباب ليسوا مجرد فئة اجتماعية ضمن فئات المجتمع، بل يمثلون الشريحة الأكبر عددًا والأكثر ارتباطًا بمستقبل البلاد وتحدياتها التنموية والسياسية والاقتصادية.
إن استبعاد المجتمع المدني والشباب لا يعني فقط حرمانهما من حق المشاركة، بل يحرم الحوار نفسه من رؤى ميدانية وخبرات مجتمعية ضرورية لفهم الواقع وتشخيص الاختلالات واقتراح الحلول. فبينما تعبر الأحزاب السياسية عن رؤى وبرامج ومواقف سياسية، يظل المجتمع المدني الأقرب إلى هموم المواطنين اليومية والأقدر على رصد آثار السياسات العمومية في الميدان.
واللافت أن ملفات الحوكمة والشفافية والمواطنة والتنمية المحلية والتمكين الشبابي، وهي ملفات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأدوار المجتمع المدني والشباب، تُطرح للنقاش في وقت يغيب فيه أصحاب الخبرة الميدانية والفاعلون الأكثر احتكاكًا بتحدياتها وإكراهاتها.
إن أي حوار وطني يُراد له أن يفضي إلى إصلاحات مستدامة لا يمكن أن ينحصر في النخب السياسية وحدها، لأن القضايا الوطنية تتجاوز الحسابات الحزبية وتمس حياة المواطنين في مختلف جوانبها. ولذلك فإن إشراك المجتمع المدني والشباب ليس مطلبًا فئويًا ولا امتيازًا خاصًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الحوار وأهدافه.
وتزداد أهمية هذا الحضور عندما ننتقل إلى مرحلة ما بعد الحوار، حيث تبرز الحاجة إلى جهات مستقلة وقريبة من المواطنين تواكب تنفيذ المخرجات، وترصد مستوى تطبيقها، وتقيس أثرها على الواقع، وتسهم في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وهي أدوار لا يمكن تجاهل المكانة المحورية التي يشغلها فيها المجتمع المدني والشباب.
لقد أثبتت التجارب أن الحوارات الأكثر نجاحًا هي تلك التي اتسعت دوائر المشاركة فيها، واستوعبت مختلف القوى الوطنية، بينما ظلت الحوارات التي بُنيت على الانتقائية والإقصاء محدودة الأثر وعاجزة عن تحقيق التوافقات المطلوبة.
إن الشمولية ليست شعارًا يُرفع في البيانات والخطابات، بل ممارسة تُترجم إلى تمثيل عادل ومشاركة حقيقية لجميع الفاعلين المعنيين بمستقبل الوطن. ولذلك فإن مراجعة مسألة تغييب المجتمع المدني والشباب لم تعد مجرد مطلب لفئة بعينها، بل أصبحت ضرورة لضمان مصداقية الحوار وتعزيز فرص نجاحه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لحوار يُراد له أن يرسم ملامح المستقبل أن يغيب عنه من يمثلون نبض المجتمع وصوت شبابه وقواه المدنية؟
إن قوة الحوار لا تكمن في عدد الملفات المطروحة على طاولته، بل في قدرته على جمع كل من يملك مصلحة في نجاح الوطن. فالحوارات تُصنع بالشراكة، أما الإقصاء فلا يصنع سوى مزيد من المسافات بين الدولة والمجتمع.
وإذا كان الهدف هو بناء توافق وطني مستدام، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ من توسيع دائرة المشاركة، لا من تضييقها؛ ومن إشراك المجتمع المدني والشباب، لا من الاكتفاء بالحديث عنهم في غيابهم.