جدول المحتويات
"مقال استراتيجي استشرافي"
بعد انتهاء حرب اتراهو على إيران ودول الخليج؛ وبعد الاتفاقية الأميركية الإذعانية من الطرف الأميركي؛ وبعد إعلان المجرم النتنياهو "العصيان المتذبذب" على شقه الثاني اترامب.. وبعد انشطار اتراهو ذو الوجهين إلى شطريه الأصليين بصورة متزايدة بعد الاتفاق؛
وبعد هزيمة كل الأهداف المعلنة والمتولدة لتراهو ميدانيا - كما توقعتُ قبل الحرب وفي المراحل الأولى منها - وتجسيد الهزيمة على مستوى معركة المفاوضات، من خلال اتفاقية الضرورة القصوى؛
فإنني؛ إذ أشعر بالارتياح لصدق أغلب توقعاتي الاستباقية في وقتها حول مضاعفات ونتائج هذه الحماقة؛ سأحاول استشراف النتائج الزلزالية اللاحقة لهذه الحرب الوحشية، المشؤومة على مهندسها الأول: النتياهو وصنوه اترامب.
وسأطرح أسئلة ثلاثة للإجابة عليها في هذا السياق:
- الأول: هل كانت الحرب الجنونية الأخيرة جديدة المنشأ أم هي من مضاعفات أحداث سابقة لها؟
- الثاني: بعد انتهاء الحرب بتوقيع الاتفاقية الأخيرة مع إيران البارحة، فماذا ترتب من نتائج استراتيجية الأثر على أميركا وغيرها من أطراف الحرب المباشرين؟
- الثالث: إلى أين تتجه عظمة أميركا الآن: أنحن أمام انهيار لاحق؛ أم أن الأمر لا يعدو كبوة مؤقتة يمكن تداركها عند إعادة ضبط الإيقاع الداخلي والخارجي للبلاد؟
المعالجة:
1. حرب ارتدادية:
هل كانت الحرب الأخيرة على إيران ودول الخليج العربي جديدة مستقلة بذاتها؛ أم هي حلقة من مضاعفات أحداث سابقة، أو ارتداد لها؟
نزعم أن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط هي نتيجة واحدة من نتائج "طوفان الأقصى"، وامتداد لفلسفة الإبادة الجماعية في غزة، وما تولد عنها من ضراوة لا تنطفئ قرما لسفك الدماء... وهو سُعار أصاب النتن.. وسرت عدواه لشقه الثاني اترامب لكثرة ما صافحه وتعاتق معه.
لقد كانت هذه الحرب متولدة من شطح خيال النتن.. المكلوم، وربما تكون عقابا عاجلا للحليفين على الإبادة في غزة تنفيذا مباشرا أو دعما بلا حدود. فساقتهما الأقدار إلى حرب خاسرة طمعا في المزيد، ليحصدا الشوك والجراح وتجريب مرارة العجز عن تحقيق الأهداف الشنيعة بالقوة القاهرة..
لقد تجرعا كأسها صافية زعافا.
لأن الحرب حرب غطرسة عمياء كان الهدف منها مزدوجا، بتحقيق توسع لإسرائيل الكبرى؛ من جهة، وتحقيق هيمنة أميركية على الشرق الأوسط تحت أعتاب موسكو وبكين؛ فهل حققت الحرب هذين الهدفين الاستراتيجيين ومشتقاتهما؟ سنرى.
2. الثاني:
بعد انتهاء الحرب بتوقيع الاتفاقية الأخيرة مع إيران البارحة فماذا ترتب من نتائج استراتيجية الأثر على أميركا وغيرها من أطاف الحرب المباشرين؟
الثاني: بعد انتهاء الحرب بتوقيع الاتفاقية الأخيرة مع إيران البارحة فماذا ترتب من نتائج استراتيجية الأثر على أميركا وغيرها من أطاف الحرب المباشرين؟
أهداف معلقة ونتائج مخيبة للآمال
بعد اتفاقية الإذعان المجحفة باترامب، المرة في قلب النتياهو؛ لم يعد ثمة أدنى شك في تحديد من انهزم؟ ومن انتصر؟
- قيل إن هرمز فتح. وهو تحصيل حاصل. إذ كانت مفتوحة قبل الحرب.
- تمت إعادة تدمير المفاعلات النووية. وكانت مدمرة من قبل.
- تم قتل المرشد المسن، ولكن هدف تغيير النظام لم يتحقق؛ بل تجدد النظام وحارب بضراوة وعنفوان إلى النهاية وتوج نجاحه في الصمود بنجاحه في المفاوضات.
- ضربت إسرائيل حزب الله في جنوب لبنان لقطع جناح إيران وفصل ساحات المقاومة، وفتحت مفاوضات استعراضية مع الحكومة. لكن توطدت الصلة بين حزب الله وإيران بمقتضى اتفاقية اترامب وخامنئ الابن.. فقضي على تحقيق هدف تحطيم النفوذ الإيراني في المنطقة.
- توطدت وحدة الساحات بانخراط الحوثيين في الحرب وإغلاق باب المندب.
- قصفت إيران شمال إسرائيل موازنة بينه وبين ضاحية بيروت. وعجزت إسرائيل عن مكافحة المسيرات ذات الألياف الضوئية، فاستحر القتل في جنودها مقابل قتلها للمزيد من المنازل والشقق!!
- عجزت أميركا عن فتح مضيق هرمز عسكريا في رابعة النهار.
- تحطمت صورة أميركا الحامية في أذهان دول الخليج العربي بعد تحطيم قواعدها عن دع البلاء عن نفسها جهارا في هذه الدول.
- أفلس السلاح الأميركي الجوي وحاملات طائراته في حماية قطعه البحرية الثمينة من جراد المسيرات الإيرانية الرخيصة، مما جعلها تحتمي بالبعد في أعالي البحار، ليقتصر دورها على نوع من قرصنة السفن المحملة بالنفط، في انهيار معنويات واضح..
- فقدت إسرائيل الرأي العام الأميركي، وبدأت تعاني من تململ اترامب، وتضايقه المعلن من رعونة رفيق دربه الدامي. واستنفاد طاقته التعبوية من خزانات الصبر والبذل بغير حساب.
- فشل الحصار الأميركي لإيران لأنه افتقد الجدوى لكونه حصارا على حصار.
- حصلت إيران على أكثر مما كانت تحلم به، من أموال ومكاسب.
- خسر اترامب جزء أساسيا من داعميه في حركة "ماگا" المؤيدة له، وفقد أكثر من نصف ناخبيه في الرأي الأميركي، وضاعت ثقته في نفسه من تزاحم الأضداد.. وتكرر بدأب ملفت تهديد سلامته الشخصية من مواطنيه.
- خسرت أميركا هيبتها العسكرية عالميا.
لا يعني كل هذا طبعا أن إيران وحلفاءها لم يخسروا؛ لكن خسارتهم كانت في الأعيان والأفراد، لا في الموقع ولا في الوضع الداخلي والإقليمي والدولي الاستراتيجي. كما كان أداؤها في المفاوضات أكثر كفاءة من أدائها الحربي المقبول في وجه أعتى قوة عالمية.
- خسر اترامب تعاطف حلف شمال الأطلسي. وخسر نتياهو اترامب إلى حد بعيد. وبدأ ينزف دما ويغرق وحده بين أسماك القرش السياسيين المتربصة به في بلده..
فمن الخاسر إذن؟
3. إلى أين تتجه عظمة أميركا الآن؟
لن تكتمل مؤشرات الجواب على السؤال إلا بعد شهرين من التعاطي مع ملف تتراماه أطراف ثلاثة مثل جمرة يد ملتهبة: أميركا وإيران، وإسرائيل.
ولن يألو النتن.. جهدا ولا كيدا في إفشال الاتفاق حتى ولو أدى منه ذلك الإقدام على حماقة غير متوقعة، تعبئة للأصوات الانتخابية التي أصبحت معبوده ومعبود شقه الذي يتكتم على تمرده.
وأتوقع أن يبدأ خط انحدار أميركي معنوي واستراتيجي، وقد يكون مؤقتا، لكنه قد يكون استراتيجيا إن استمرت قيادتها المصابين بخرف الشيخوخة حتى تتهاوى كما تهاوى الاتحاد السوفيتي بعد تتالي سيل من المخرفين والمجانين على قيادته، ففسد فساد السمكة من رأسها.
إن أميركا - إلى حد الآن، بعد هذه الحرب ومترتباتها - تواجه تدهورا واضحا المعالم في أسباب قوتها الخمسة:
- الهيبة العسكرية؛
- الريادة السياسية؛
- السطوة الإعلامية؛
- المرجعية الحقوقية.
- الثقة الاقتصادية.
هذه القوى الخمس مستنزفة الآن إلى حد مروع..
وإلى أن يتوقف النزيف المتزايد بفعل فاعل جديد سيتسارع الانحدار والتردي.
هذا ما أتوقعه. والقادم سيجيب بالنفي أو بالموافقة تأكيدا.