تخطى الى المحتوى

ما بعد التوبة: كيف تتحول المراجعات الفكرية إلى فرصة للمجتمع؟

أحمد محمد حماده - كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

أعاد إعلان مجموعة من السجناء السلفيين السابقين في موريتانيا انضمامهم إلى مبادرة جماعية لتجديد التوبة والتبرؤ مما وصفوه بأخطاء الماضي طرح سؤال يتجاوز الأشخاص والحدث نفسه: ماذا يفعل المجتمع حين يقرر بعض أبنائه مراجعة أفكارهم والعودة إلى المجال العام؟

 

البيان الذي صدر عن المجموعة حمل لغة واضحة في التأكيد على الاعتدال، والاحتكام إلى المرجعية العلمية الشرعية، ودعم الأمن والاستقرار، والحفاظ على سلامة المواطنين والمقيمين والزوار، إلى جانب طلب الصفح والمسامحة عما مضى. وهي رسائل لا يمكن فصلها عن المسار الذي عرفته موريتانيا خلال السنوات الماضية، والقائم على الحوار ومحاولة معالجة الأفكار بمنطق الإقناع لا الاكتفاء بمنطق الردع.

 

لكن قيمة مثل هذه الإعلانات لا تُختبر عند لحظة صدورها، بل فيما يأتي بعدها. فالمراجعات الفكرية لا تصبح ذات أثر لمجرد إعلانها، وإنما حين تتحول إلى سلوك يومي وإلى قدرة فعلية على بناء علاقة جديدة مع المجتمع تقوم على المسؤولية والانخراط الإيجابي.

 

وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الأفكار التي تتغير داخل العزلة تحتاج إلى بيئة تسمح لها بأن تستقر خارجها. لذلك فإن نجاح أي مراجعة لا يرتبط فقط بمن يقوم بها، بل أيضًا بمدى استعداد المجتمع لاستقبالها.

 

وهنا يظهر دور النخب الفكرية والإعلامية وصناع الرأي. فالمجتمعات التي تطلب من الأفراد الاعتراف بالخطأ ثم ترفض الاعتراف بحقهم في التغيير، تنتهي إلى إفراغ فكرة المراجعة من معناها. أما التعاطي الإيجابي فلا يعني السذاجة ولا إسقاط الذاكرة، بل يعني الإيمان بأن الإنسان قادر على إعادة النظر، وأن المجتمع الواثق من نفسه لا يخشى احتواء من اختار طريق العودة.

 

إن التعامل مع أصحاب المراجعات بمنطق التوجس الدائم أو الوصم المستمر قد يخلق عزلة جديدة بدل أن يفتح أفقًا جديدًا. بينما يمنحهم الاندماج الاجتماعي والثقافي والمهني فرصة لإثبات صدق التحول، ويمنح المجتمع فرصة للاستفادة من نجاح تجربة تقوم على الاحتواء لا الإقصاء.

 

وفي هذا السياق، يبرز الإعلام بوصفه أحد الفاعلين الأكثر تأثيرًا في نجاح أو تعثر مسارات الاندماج. فوسائل الإعلام لا تنقل الوقائع فقط، بل تسهم أيضًا في تشكيل التصورات العامة وصناعة المزاج الاجتماعي تجاه القضايا الحساسة. ولذلك، فإن تناول مثل هذه المراجعات يحتاج إلى قدر من المهنية والتوازن؛ بعيدًا عن التهويل الذي يحول الحدث إلى مادة للريبة الدائمة، وبعيدًا كذلك عن التبسيط الذي يتجاهل تعقيدات التحول الفكري.

 

إن الدور المنتظر من الإعلام لا يتمثل في منح صكوك البراءة أو ممارسة الوصاية، وإنما في فتح نقاش عمومي رصين يوازن بين حق المجتمع في الاطمئنان وحق الأفراد في أن تُقاس تحولاتهم بما يقدمونه بعد المراجعة لا بما كانوا عليه قبلها. فالإعلام المسؤول لا يصنع النسيان، لكنه يساعد على بناء مناخ يسمح بالاندماج ويشجع ثقافة الفرصة الثانية بدل تكريس الوصم والإقصاء.

 

غير أن هذا المسار لا يمكن أن يُترك للمجتمع وحده. فالدولة، بحكم مسؤوليتها عن الاستقرار وبناء السياسات العامة، مطالبة بأن تنظر إلى إطلاق السراح باعتباره بداية مرحلة لا نهايتها. إذ لا يكفي أن يُغلق باب السجن إذا بقيت أبواب الحياة الأخرى موصدة.

 

إعادة الإدماج تحتاج إلى أدوات عملية: برامج للتكوين والتأهيل، فرص للعمل، تسهيلات للمبادرات الاقتصادية الصغيرة، وآليات تمويل تسمح ببناء حياة مستقرة ومنتجة. فحين يشعر الإنسان أن أمامه مكانًا في المجتمع، يصبح أكثر ارتباطًا به وأكثر حرصًا على استقراره.

 

ولا يتعلق الأمر هنا بمنح امتيازات استثنائية، وإنما بخلق شروط عادلة تساعد على الانتقال من الهامش إلى المشاركة، ومن الماضي إلى المستقبل. فالاستثمار في الإدماج ليس مكافأة على ما كان، بل رهان على ما يمكن أن يكون.

 

وفي المقابل، تبقى المسؤولية مشتركة. فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى بالتراكم. وعلى أصحاب المراجعات أن يترجموا ما أعلنوه إلى ممارسة وسلوك واستمرارية، حتى تصبح التوبة موقفًا متجذرًا لا مجرد لحظة خطابية.

 

ربما لا يكون السؤال الأهم هو: هل أعلنوا المراجعة؟ بل: هل نملك جميعًا – دولةً ومجتمعًا ونخبًا وإعلامًا – القدرة على تحويل هذه المراجعة إلى فرصة؟ لأن المجتمعات لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطاء، بل أيضًا بقدرتها على فتح أبواب العودة لمن اختار أن يبدأ من جديد.

الأحدث