جدول المحتويات
لا يمكن لأي باحث في تحولات البنية الاجتماعية الموريتانية المعاصرة، أو مراقب لخط سير الحياة اليومية داخل بيوتنا، إلا أن يقف مذهولا ومتأملا أمام تدفق قيم غريبة بدأت تزيح الموروث القيمي الأصيل وتؤسس لواقع أسري مأزوم، إننا نواجه اليوم ظاهرة اجتماعية مقلقة بدأت تتفشى كالنار في الهشيم، وهي ظاهرة الكسل المنزلي الحاد والخمول غير الطبيعي الذي أصاب سيدة البيت، حيث تحول هذا الخمول من مجرد رغبة عابرة في الراحة أو استراحة محارب تقضيها المرأة بعد عناء، إلى ثقافة مجتمعية سائدة وعقيدة اتكالية مطلقة يتم شرعنتها والتباهي بها في المجالس، هذا التحول الخطير لم يعد مجرد سلوك فردي يمكن التغاضي عنه، بل أصبح نمط حياة يهدد كيان الأسرة في الصميم، وينذر بانهيار الأدوار الفطرية والواجبات الدينية والإنسانية والأخلاقية المنوطة بالمرأة بوصفها عماد البيت وحاضنة الأجيال، مما يستوجب منا وقفة مكاشفة صريحة لتشخيص هذا الداء ومعرفة مسبباته ومآلاته على مستقبل المجتمع.
وتتجلى أولى مظاهر هذا التحول في الرفض القاطع وغير المبرر من طرف المرأة الموريتانية اليوم للقيام بأي مجهود أو عمل داخل بيتها، مهما كان بسيطا، حيث لم يعد وجود العمالة المنزلية في الفكر النسوي المعاصر ترفا تمليه الضرورة الإنسانية أو سعة الرزق، بل أصبح شرطا أساسيا لا تنازل عنه للقبول بالاستقرار، وصار يفرض فرضا حتى في أضعف البيوت دخلا وأقلها إمكانيات مادية، ولعل المتابع يلحظ كيف أصبحت الاستعانة بما يعرف محليا بـ "دمي جورنى" - وهي العاملة لنصف اليوم - أمرا حتميا ولا غنى عنه في أوساط الأسر ذات الدخل المحدود، حيث يضطر الزوج المثقل بالأعباء والاقتراض إلى استقطاع جزء من قوته اليومي لتلبية هذا الشرط المفروض، أما إن كان دخل الزوج ميسورا أو متوسطا، فإن المسألة تخرج عن نطاق الحاجة لتتحول إلى استعراض ومباهاة، حيث تتعدد الخادمات في البيت الواحد ويوزعن بين الطبخ والتنظيف والغسيل ورعاية الترف، في مظهر صاخب من مظاهر التفاخر الاجتماعي والمنافسة غير الشريفة أمام الجارات والصديقات، دون أي مراعاة لجيوب الرجال أو للضغوط الاقتصادية المتزايدة.
والخطير في الأمر أن هذا الكسل والاتكال لم يتوقف عند حدود المطبخ ونظافة الأواني وإعداد الطعام، بل امتد لينخر أقدس وأعظم وظيفة فطرية للمرأة، وهي وظيفة الأمومة ورعاية الأبناء وتربيتهم، حيث أصبحت سيدة المنزل المعاصرة في كثير من الأحيان غائبة حاضرة، تعيش مع أبنائها تحت سقف واحد كالغريبة، لا تكترث لشؤونهم، ولا تتابع تفاصيل دراستهم، ولا ترعى سلوكهم، بل إنها لا تبالي بسلامتهم الجسدية والنفسية، ونتيجة لهذا الجفاء العاطفي والإهمال التربوي، انقلبت الفطرة الإنسانية في بيوتنا بشكل مرعب، حيث أصبح الأبناء يميلون إلى آبائهم ويتعلقون بهم أكثر مما يتعلقون بأمهاتهم، لأنهم ببساطة باتوا يجدون العطف والحنان والأمان والإنصات عند الأب الذي يعود متعبا من عمله ليحتضنهم، في حين لا يجدون من الأم إلا الصد، والانشغال، والتهرب من المسؤولية، مستسلمة بالكامل لشاشتها الساحرة وهاتفها الذكي الذي سلب عقول ربات البيوت، حيث يقضين الساعات الطوال في متابعة غيبوبية للمسلسلات التركية والمصرية والسورية، حتى باتت تفاصيل حياة أبطال الشاشات الوهمية وقصصهم الغرامية أكثر أهمية لديهن من واقع أسرهم الحقيقية، ومن راحة وغذاء أزواجهن الذين باتوا في مرتبة ثانوية وهامشية لا قيمة لها ولا اعتبار لدخولهم أو خروجهم.
ولست أطلق القول على عواهنه أو أبالغ في هذا الوصف، بل إنني عاينت بنفسي واقعة مؤلمة واجهتها في الطريق تختزل حجم هذا الاستهتار وتكشف عمق المأساة التي نعيشها، حين كنت في طريقي إلى المنزل، فإذا بصبي صغير لا يتجاوز السادسة من عمره يركض فجأة ودون انتباه ليقطع الطريق متجها نحو الحانوت وهو يحمل قطعا نقدية (فضة) في يده الصغيرة، ولحسن الحظ ولطف الله بنا وبالصبي، كنت أقود السيارة بسرعة منخفضة جدا، وإلا لكان الولد في عداد الموتى تحت العجلات، ورغم أن السيارة وقفت تماما، إلا أن الولد من شدة ركضه اصطدم بها فسقط أرضا وأصيب بجرح خفيف، وتملكه خوف شديد جعله ينفجر ببكاء مرير ومرعب ملأ أرجاء المكان، وفي لمح البصر تجمع المارة حول الصبي، في حين هربت فتاة مراهقة كانت تسير خلفه في الشارع لتنادي أهله، لتخرج الأم مندفعة من البيت وهي في حالة من الهلع الشديد تصرخ وتولول بأعلى صوتها "مات.. مات!"، لكن المشهد السريالي المخزي الذي أذهل الحاضرين وصدم مشاعرهم، هو أن هذه الأم وهي تصرخ وتندب حظها، كانت تقبض بيدها هاتفها الذكي، وكان صوت مسلسل "باب الحارة" السوري يصدح منه بأقصى مجهر للصوت، ليكون أعلى من صوت صراخها وعويلها ومن أصوات الناس المتجمهرين في مكان الحادث، لقد كانت أما تتباكى بجسدها، بينما عقلها وأذنها وعاطفتها معلقة بحدث درامي على الشاشة، مما أثار موجة عارمة من الاستنكار والدهشة بين المارة، حتى إن أحد الحاضرين لم يتمالك نفسه من شدة الغيظ والإنكار لفعلها الشنيع فقال لها مستغربا ومنددا: "يا ليتك كنت مكانه".
إن هذا المشهد المؤثر يوضح بجلاء انعدام الرعاية وضياع المسؤولية الأولى والواجب الديني والإنساني لدى الكثير من الأمهات في هذا العصر، وإذا أردنا أن نضع الإصبع على موضع الجرح الحقيقي ونشخص هذا الداء بكل شجاعة وإنصاف، فإنني لا أبرئ أحدا بل أضع اللوم كله وبشكل قاطع على عاتق الأزواج (الرجال)، فهم الذين أفسدوا نساءهم بأيديهم وبسوء تدبيرهم.
إن هذا الواقع المرير مرده في الأساس إلى كرم الرجل الموريتاني المفرط، وحسن عشرته المتوارثة، ورأفته الزائدة بالمرأة لعلمه واعتقاده بأنها كائن ضعيف تجب مداراته وإكرامه وتجنيبه مشاق الحياة، لكن هذا النبل وهذه الشهامة المتأصلة في طباع رجالنا تحولت، للأسف الشديد، إلى نقطة ضعف قاتلة استغلتها المرأة بشكل عكسي تماما، فبدل أن تحفظ للرجل هذا الجميل، وتقابل كرمه بالامتنان، وتحيط بيته بالرعاية وحفظ ماله وعياله، حدث العكس تماما حيث حقرت هذا الكرم، وتجاوزت حدودها، واستخفت بقوامته ومكانته، مصداقا للمثل الحساني السائر والعميق: "أعطيل لمرأه اشبر تكبظ اذراع"، لقد تمادت المرأة في دلالها واستهتارها مستغلة صمت الرجل، وتغاضيه المستمر، وتسامحه الذي فهم خطأ على أنه ضعف، حتى تحول البيت من سكن مريح ومؤسسة تربوية تبنى فيها الأجيال، إلى مجرد فندق بارد تديره الخادمات، وتعيش فيه الزوجة كضيفة شرف ثقيلة لا شغل لها ولا شاغل إلا المشاهدة والاتكالية والإنفاق البذخي.
ولم يقف ضرر هذا التمادي في فرض الطلبات التعجيزية، والاستنزاف المالي المستمر لجيوب الرجال من أجل توفير الخادمات والإنفاق على مظاهر التباهي الأجوف عند حدود تدمير العلاقات الأسرية وتربية الأبناء فحسب، بل تعدى ذلك ليكون معول هدم لأخلاق المجتمع وقيمه المستقيمة، فحين يجد الزوج نفسه مطوقا بمتطلبات تفوق طاقته المادية ومحاصرا بضغط اجتماعي ونسوي لا يرحم، فإن أصحاب القلوب الضعيفة من الرجال - للأسف - ينهارون أمام هذا الثقل، فيقودهم دلال نسائهم المفرط وضغوطهن المتواصلة إلى سلوك طرق ملتوية لم يكن ليرضوها لأنفسهم من قبل، فيصبح هذا الاستنزاف المالي هو المحرك الأساسي وراء وقوع بعض الرجال في مستنقع الكسب الحرام، والفساد الإداري، والرشوة، بل والاختلاس والسرقة من الأموال العامة والخاصة، فقط ليسدوا رمق هذا الترف المصطنع ويلبوا رغبات زوجاتهم الاتكاليات اللواتي لا يشبعن، وبذلك تكون سيدة البيت بكسلها وجشعها للمظاهر قد أفسدت ذمة زوجها المالية والدينية، وحولته من رجل شريف يكدح لرزق حلال إلى فاسد أو سارق يطعم عائلته من سحت، مما يعيدنا لتأكيد أن غياب القوامة الحازمة منذ البداية هو السبب والنتيجة في هذه الحلقة المفرغة من الضياع.
تأسيسا على ما تقدم، فإننا نقف اليوم أمام مفترق طرق خطير يتطلب منا لفتة حاسمة وصحوة مجتمعية شاملة لإنقاذ أسرنا من هذا المنزلق الذي يقودنا نحو التفكك الاجتماعي الحتمي، إن أولى خطوات الإصلاح يجب أن تبدأ من الرجل نفسه، عبر إعادة ضبط مفهوم القوامة بمسؤولية وحزم، فالرفق بالمرأة وإكرامها واجب شرعي وخلقي، لكن رعاية البيت وتوزيع الأدوار ومحاسبة المقصر فرض لا يسقط بالدلال، كما يجب قطع دابر ظاهرة "الخادمات للتباهي" وترشيد الاستعانة بالعمالة المنزلية إلا في حالات الضرورة القصوى كالمرض أو عمل المرأة الخارجي، وإلزام سيدة البيت بالاضطلاع بدورها الطبيعي، ويتكامل هذا الدور مع حملات توعية دينية وأخلاقية مكثفة عبر المنابر ووسائل الإعلام، لتذكير النساء بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "..والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها"، لعل أمهات اليوم يستفِقن من غيبوبة الهواتف والمسلسلات والأوهام البصرية، ويدركن أن بناء طفل سوي وحفظ سلامة الأسرة مقدم شرعا وعقلا على كل الملهيات، فالمجتمعات لا تبنى بالكسل، والبيوت لا تستقيم بالاتكال، ولن يعود لأسرنا وقارها إلا إذا عادت الأم لتكون مدرسة حقيقية، وعاد الأب ليكون قائدا حازما ورحيما يصون بيته ويحمي رعيته.