تخطى الى المحتوى

رسالة مفتوحة إلى الحكومة بواسطة وزير الدفاع

السعودي ولد جدان - ضابط سابق في الجيش الوطني

جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

في الحقيقة كان تعيين الجنرال حننه ولد سيدي وزيرا للدفاع، بمثابة أول تعيين وزير مناسب وحقيقي لهذه الوزارة التي يعهد إليها برسم السياسات الدفاعية للبلد، وتسيير قطاع حيوي كالجيش. وهي مهمة لا تخلو من صعوبة في حقيقة الأمر. أما قبله فكانت الحقيبة تسند إلى أشخاص من خارج المؤسسة أو إلى اشخاص تعوزهم الإرادة غالبا والكفاءة.

 

لا نبالغ في شيء إذا قلنا إن الرجل كان أهلا لهذه المهمة وأحق بها. فقد بادر الى دراسة أوضاع الجيش وتنظيمه بفعالية تسمح أن يكون الجيش بكامل الاستعداد والجاهزية لمباشرة مهامه النبيلة.

 

وعلى مستوى آخر، شملت عناية الجنرال ابن المؤسسة قطاع الصحة العسكرية كشرط لبلوغ الهدف الأول، وهنا تصدى لها بالتنظيم أيضا واقتناء أجهزة جديدة متطورة، وفضلا عن كل ذلك فتح الباب أمام كل العسكريين، متقاعدين وفي الخدمة للولوج للخدمات الصحية في ظل مساواة مطلقة.

 

أما من جهة ثالثة، فقد تعامل مع المساعدات التي يقدمها حلف شمال الاطلسي، بكل نظافة يد وشفافية لم تعهد من قبل حيث كان يجهل مصير هذه المساعدات قبل الجنرال حننه الذي وظفها بشكل ملموس في الاستثمار والتكوين.

 

يمكن القول اختصارا إن الرجل يتمتع بمزايا وفضائل جمة كالدقة والعدالة والنزاهة.

 

وفي الوقت الذي يسود فيه هذا النفس الايجابي في ظل قيادة رجل هذه مواصفاته فإن رواسب سلبية من الممارسات المجهولة المصدر والمنشأ، باتت تنغص الجو وتعكر الصفو الإيجابيين، لأنها ممارسات مجحفة وظالمة بحق عدد غير قليل من ابناء المؤسسة العسكرية.

 

ومن قبيل ذلك القانون الذي درست وأقرت الحكومة في آخر اجتماع لها أو ما بات يعرف بقانون الجنرالات وكبار الضباط.

 

تتعين الاشارة إلى أن وضعية الجنرالات القديمة أكثر من مريحة، حيث يحتفظ الجنرال المتقاعد براتبه وامتيازاته كاملتين خلال السنوات الخمس الأولى، وفي الخمس الموالية يحتفظ بجل امتيازاته، ليدخل بعد عقد مرحلة التقاعد.

 

أما القانون الجديد حسب التسريبات فيمنح الجنرالات المتقاعدين وكبار الضباط، امتيازات لا حصر لها على حساب ميزانية الدولة التي هي ملك للشعب لا ينازعه فيها إلا ظالم ومتسلط، ويهمل القاعدة العريضة من الجنود وضباط الصف والضباط الأعوان وهي الفئة الهشة التي يمكن تقسيمها الى قسمين:

-       قسم معدوم من حقوقه في التقاعد، معدم،

-       وقسم لا يمكن لمعاشه أن يسدد فاتورة الضوء والماء أحرى أن يقيم الأود.

 

 

إنها إذا الفئة المتضررة أصلا، والتي تحتاج إلى تسوية أوضاع في حين أن من بين زملائهم العسكريين من يتمتع بالتقاعد رغم تنفيذ الانقلابات وحمل السلاح ضد الدولة.

 

بالمختصر المفيد، فإن القانون الجديد وأكرر دائما – حسب التسريبات – يمنح ثلة من نخبة الجيش المتقاعدة امتيازات تجعلهم يعيشون ما يشبه جنة دنيا، مقابل سلب حقوقهم السياسية والمدنية في حين تترك البقية وهي الغالبية العظمى يكتوون بجحيم المعاناة وسلبهم الحقوق السياسية والمدنية التي يكلفها القانون والدستور.

 

إن هذا القانون فضلا عن كونه لا دستوري ويصطدم بمبادئ حقوق الإنسان، فهو يكرس حالة من التمييز السافر بين أفراد الجيش تنسف كل القيم والمبادئ التي تستند عليها المؤسسة العسكرية كالانضباط والولاء للقائد وتنفيذ الأوامر، بمعنى أنها نسف كل أسس الثقة في المؤسسة العسكرية.

 

يعد هذا القانون تجاوزا لصلاحيات الحكومة التي لم تكتسب سلطتها عن إرث أو بمقتضى حق إلاهي.

 

الشعب مصدر السلطات وطبقا لنظرية العقد الاجتماعي – التي يجهلها الكثير ممن يتكلم عنها عندنا – يتنازل أفراد المجتمع عن جزء من حريتهم لصالح هذا الكيان المتعالي والمهيمن على الجميع ليلعب دور الحكم ويخدم المصلحة العليا للمجتمع، الحكومة تمارس صلاحياتها في هذا السياق والاتجاه، ومتى توجهت عكس ذلك فإنها تعرض شرعيتها للزوال، قبل أن تعرض المجتمع للفوضى والانهيار. بأي منطق تحكم هذه الثلة القليلة بأن تعيش نعيم الحياة في الدنيا وعلى الغالبية العظمى بأن تعيش جحيمها؟ أليس هذا هو الطغيان والظلم الذي لا يمكن للدول أن تستقيم عليه؟! من خول الحكومة سلب الحقوق المدنية والسياسية للعسكريين المتقاعدين خلافا للدستور والمواثيق الدولية ومبادئ حقوق الإنسان في الوقت الذي يكون فيه رئيس الجمهورية ضابطا متقاعدا ورئيس البرلمان كذلك، بالإضافة إلى وزير الدفاع؟! إنه الجدل الذي يتوقف فجأة على حد تعبير منتقدي الفلسفة "الهيكلية".

 

الحكومة مدعوة أولا الى التزام حدودها الدستورية في ممارستها لصلاحياتها فلا أحد فوق القانون.

 

ومدعوة ثانيا: لاستحضار قيم العدالة في تعاملها مع وضعية العسكريون المتقاعدون ضباطا، ضباط صف وجنودا وباقي أفراد منتسبي المؤسسة، وكافة أفراد الشعب وهي مدعوة ثالثا وأخيرا إلى التفكير مليا فيما قد ينجر عن ممارسات وقوانين لا تراعي قيم العدالة والمساواة من قلاقل قد تهدد السلم والسكينة العامة.

الأحدث