جدول المحتويات
تشهد الساحة الموريتانية تحولا رقميا متسارعا يعيد تشكيل سلوك المجتمع وتفاعلاته اليومية. وتظهر القراءة المتأنية لأحدث المؤشرات الصادرة عن تقرير "ديجيتال ربورت" الدولي حول مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد أن الفضاء الافتراضي الموريتاني لم يعد مجرد منصات للترفيه، بل تحول إلى مرآة حقيقية تعكس البنية الديموغرافية والاجتماعية للمجتمع.
وفقا للبيانات الإحصائية المتحصل عليها نهاية العام المنصرم، وصل عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في موريتانيا إلى حوالي 1.87 مليون مستخدم نشط. ويمثل هذا الرقم معدل نفاذ يصل إلى 37.4% من إجمالي السكان.
ما يثير الانتباه في هذه المؤشرات ليس فقط العدد الإجمالي بل وتيرة النمو المتصاعدة، إذ انضم إلى المنصات الرقمية الموريتانية أكثر من 325 ألف مستخدم جديد في غضون عام واحد فقط، مسجلا نسبة نمو سنوي قياسية بلغت 21.1%. عند قيامنا بعزل فئة الأطفال، وحساب نسبة النفاذ بين البالغين، أي 18 سنة فما فوق، فإن النسبة تقفز لتصل إلى 68.6% مما يعني أن ثلثي المجتمع البالغ في موريتانيا بات يمتلك بصمة رقمية.
في سياق آخر، وليس إشهارا معوضا، يستمر موقع فيسبوك في بسط سيطرته المطلقة على المشهد الرقمي المحلي كمنصة أولى دون منازع، مستحوذاً على حصة الأسد بـحصة قدرها 1.7 مليون مستخدم، وهو ما يعادل نحو 90% من إجمالي النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي في البلاد.
وتتمركز الكتلة الحرجة والقوة الضاربة لمستخدمي هذه الشبكة في الفئة العمرية ما بين 25 و34 سنة.
هذا الإقبال الرقمي الهائل يبدو متسقاً وطبيعياً مع الطبيعة الديموغرافية الموريتانية المتميزة بقاعدتها الشبابية الواسعة.
فحسب الإحصاءات الرسمية المتحصل عليها من التعداد العام للسكان والمساكن، المنظم من طرف الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي، تمثل الفئة العمرية دون العشرين عاماً 53% من السكان، في حين تصل نسبة من هم دون الخامسة والعشرين إلى 62.3% من إجمالي المجتمع.
من الناحية النوعية وتوزيع الجمهور تكشف البيانات عن فجوة جندرية واضحة في طبيعة استخدام الإنترنت في موريتانيا، إذ يهيمن الذكور بنسبة قدرها 65.3% على الفضاء الرقمي مقابل مشاركة نسائية تقدرها 34.7% من إجمالي الجمهور النشط، وهو مؤشر يفتح الباب لتساؤلات سوسيولوجية حول أسباب هذا التفاوت في النفاذ إلى الفضاء الافتراضي.
من الناحية الإحصائية الأكاديمية، تجدر الإشارة إلى أن رقم 1.87 مليون يمثل في الأصل حسابات رقمية نشطة وليس بالضرورة أفرادا مستقلين نظرا لامتلاك بعض المستخدمين لأكثر من حساب على المنصة ذاتها، وهو تحفظ منهجي يجب أخذه بعين الاعتبار عند بناء السياسات التسويقية أو التحليلات الكمية للمجتمع.
أما على صعيد سلوك المستخدم وتفاعله عبر أيام الأسبوع، فرصدت الملاحظات الميدانية والتحليلية توزيع أوقات الذروة والنشاط عبر ثلاث فترات رئيسية تهم صناع المحتوى والمسوقين:
الفترة الأولى: الثلاثاء، الأربعاء، والخميس: وتشهد تفاعلا مستقرا ومرتبطا بأنماط العمل والاهتمامات اليومية.
الفترة الثانية: مساء الجمعة والسبت: تمثل ذروة الأسبوع محملة بزخم تفاعلي أكبر تزامنا مع عطلة نهاية الأسبوع.
الفترة الثالثة: يوم الأحد: وتبرز بصفتها الفترة الأقل نشاطا وتفاعلاً على مدار الأسبوع.
أما على مستوى التوقيت اليومي، تجمع المؤشرات السلوكية على أن الفترة الذهبية للنشاط والتفاعل تتركز يوميا في المساء، وتحديداً ما بين الساعة 8:00 والساعة 11:00 مساءً حيث يتحول هذا التوقيت إلى ساعة الذروة الرقمية في موريتانيا.
أعرض هذه الأرقام أمام الفاعلين الاقتصاديين، وصناع القرار، والمؤسسات الإعلامية لإبراز واقع جديد يتطلب إعادة صياغة استراتيجيات التواصل والخطاب الإعلامي ليتناسب مع مجتمع فتي، رقمي، ويتحرك بآليات واضحة تقودها منصات التواصل الاجتماعي.