تخطى الى المحتوى

حين يضيق الفكر وتتسع الخصومة

أحمد محمد حماده - كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

ليس من علامات صحة المجال العام أن ترتفع الأصوات، بل أن ترتفع جودة الأفكار. فالمجتمعات لا تُقاس بحجم الجدل الذي يدور فيها، وإنما بمستوى ما يُنتجه ذلك الجدل من معنى، وما يفتحه من آفاق للفهم والمراجعة والتطوير.

 

لكن ما يبعث على التأمل اليوم هو ذلك الانحدار الذي أصاب خطاب بعض النخب؛ حيث أصبح النقاش أقل انشغالًا بما يُقال وأكثر انشغالًا بمن يقوله. وكأن الأفكار فقدت استقلالها، وصارت تُحاكم بأسماء أصحابها لا بمنطقها الداخلي.

 

في لحظة ما، يتوقف النقد عن أن يكون فعلًا معرفيًا، ويتحول إلى ممارسة إقصائية ناعمة؛ لا تهدم الحجة بل تُضعف صاحبها، لا تناقش الفكرة بل تبحث في ماضي قائلها أو نواياه أو أخطائه أو صورته لدى الجمهور. وهنا يصبح التجريح بديلًا عن التحليل، واللمز اختصارًا للحوار.

 

غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ إن بعض أشكال الخطاب المنحدر لم تعد تكتفي برفض المخالف أو مجادلته، بل باتت تسعى إلى إعادة تشكيل صورته بالكامل أمام الناس. تبدأ العملية بانتزاعه من أفكاره وإلباسه صفات لم يقلها ولم يُعرف بها، ثم تتراكم الإيحاءات والتوصيفات حتى يتحول في المخيال العام من صاحب رأي إلى خصم يجب الحذر منه أو النفور منه. إنها محاولة لا لمواجهة حضوره، بل لإلغاء أثره؛ لا عبر تفكيك ما يطرحه، وإنما عبر إنهاك صورته لدى المتعاطفين معه وتقويض مكانته لدى من يرون فيه نموذجًا أو صوتًا جديرًا بالإنصات.

 

في هذا السياق تصبح التهمة أسرع انتشارًا من الحجة، ويغدو التشويه أداة أسهل من الإقناع. فلا يعود الهدف الوصول إلى الحقيقة، بل كسب الجمهور؛ ولا يصبح السؤال: هل هذا الرأي صحيح؟ بل: كيف نُسقط صاحبه؟ ومع الوقت تتراجع المسافة بين النخبة والجمهور، لا لأن الناس ارتقت إلى مستوى الخطاب، بل لأن الخطاب نفسه هبط إلى مستوى ردود الأفعال.

 

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يسيء إلى الأشخاص بقدر ما يسيء إلى قيمة التفكير نفسها. لأن الفكرة التي لا تجد من يناقشها ستجد من يسخر منها، والرأي الذي لا يُفند بالحجة سيُستهدف بالتشكيك، حتى يصبح الانتصار في النقاش مرهونًا بمهارة الهدم لا بقوة البناء.

 

وربما ما يزيد الإحساس بخطورة هذا التراجع أن المجتمعات لا تعيش على المؤسسات وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى نماذج تُلهم وتُقتدى. فالنخب، مهما اختلفت مواقعها السياسية أو الاجتماعية أو الإعلامية، لا تؤدي دورًا وظيفيًا فقط، بل تمارس تأثيرًا رمزيًا يتجاوز ما تقول إلى الطريقة التي تقول بها، وإلى الأخلاق التي تدير بها اختلافها. لذلك يصبح حضور القدوات حاجة عامة لا ترفًا فكريًا؛ قدوات تُظهر أن الحزم لا يناقض الاحترام، وأن الاختلاف لا يلغي الإنصاف، وأن الدفاع عن المواقف لا يستدعي اغتيال المخالف معنويًا.

 

إن المجتمعات التي تفتقد شخصيات عامة تُلهم بالسلوك قبل الخطاب تجد نفسها أمام أجيال تتعلم أن الشهرة تُبنى على الضجيج، وأن التأثير يتحقق بالاستقطاب لا بالقيمة. ومن هنا فإن استعادة مستوى الخطاب ليست مسؤولية فردية فحسب، بل هي جزء من إعادة بناء صورة النخبة باعتبارها مرآة لما ينبغي أن يكون عليه المجال العام لا انعكاسًا لأسوأ ما فيه.

 

النقد ضرورة، بل هو أحد شروط الحياة العامة الصحية، لكن النقد الذي يفقد احترامه للفكرة يتحول إلى خصومة، والخصومة حين ترتدي ثوب الفكر لا تنتج إلا مزيدًا من الضجيج.

 

ربما آن الأوان لاستعادة قاعدة قديمة وبسيطة: أن قوة الرأي لا تُقاس بقدرتنا على النيل من أصحابه، بل بقدرتنا على مواجهته بما هو أقوى منه. فالأفكار لا تُهزم بالسخرية، ولا تُفنَّد بالتجريح، وإنما تُراجع بفكرة أخرى أكثر اتساعًا وصدقًا. أما شيطنة المخالف فقد تمنح انتصارًا عابرًا، لكنها لا تصنع مجتمعًا أكثر وعيًا، ولا نخبة أكثر نضجًا.

الأحدث