جدول المحتويات
د. الشيخ يب أعليات
يستوقف المتابع للشأن العام في مختلف الديمقراطيات الحديثة حرص رؤساء الدول وقادة الحكومات على الظهور الدوري أمام وسائل الإعلام، والإجابة عن أسئلة الصحفيين، وتفسير مواقفهم من القضايا التي تشغل الرأي العام.
ولم يعد هذا السلوك يُنظر إليه بوصفه نشاطا إعلاميا يرُافق عمل السلطة، بل غدا أحد مُؤشرات أسلوب الحكم ذاته، وأحد المعايير التي تُقاس بها علاقة الدولة بمواطنيها.
ويأتي اللقاء الإعلامي المفتوح الذي أجراه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع الصحفيين، مساء الجمعة، في هذا السياق، بما يحمله من دلالات تتجاوز بطبيعتها مضامين الإجابات أو طبيعة الملفات التي طُرحت للنقاش.
فرئاسة الجمهورية أوضحت عبر صفحتها على فيسبوك، أن اللقاء يندرج في "إطار نهج يرمي إلى تعزيز الشفافية وترسيخ التواصل المباشر مع الرأي العام"، وهي غاية تستحق التوقف عندها أكثر من التوقف عند هذا التصريح أو ذاك، لأن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما قاله الرئيس، وإنما بما يعنيه أن يصبح التواصل نفسه جزءا من ممارسة الحكم.
وتستند هذه التحولات في واقع الأمر، إلى مسار طويل، عرفت فيه الدولة الحديثة تحولات عميقة في علاقتها بالمجتمع؛ فبعد أن كان همُّ السلطة يذهب أساسا إلى اتخاذ القرار وتنفيذه، أصبحت مطالبة كذلك، بتفسير خياراتها، وتوضيح أهدافها، والإجابة عن التساؤلات التي تُثيرها سياساتها.
ولم يعد الصمت فضيلة سياسية كما كان يُعتقد في مراحل سابقة، بل قد يتحول إلى مساحة تتكاثر فيها التأويلات والشائعات، خاصة في ظل التدفق غير المسبوق للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولعل هذا ما يفسر التحول الذي شهدته مفاهيم الاتصال السياسي خلال العقود الأخيرة؛ فبعدما كان الإعلام يُؤدي دور الناقل لقرارات السلطة، أصبح اليوم فضاء للنقاش العمومي، وأصبحت العلاقة بين الحاكم والمحكوم أكثر مباشرة وأكثر تعرضا للمساءلة.
وبناء على ذلك، لم يعد نجاح السياسات العامة مرهونا بسلامة القرار وحدها، وإنما كذلك بقدرة السلطة على شرحه، وإقناع المواطنين بأهدافه، والإجابة عن الأسئلة التي يثيرها.
وقد تنبه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، منذ وقت مبكر، إلى أن السلطة لا تستند إلى القوة وحدها، وإنما تحتاج إلى الشرعية حتى تستقر وتدوم.
وتطورت هذه الفكرة مع تطور الدولة الحديثة، فأصبحت الشرعية تُبنى كذلك من خلال الثقة، ولا تتولد الثقة إلا إذا شعر المواطن بأن مؤسسات الدولة لا تكتفي بإدارة شؤونه، بل تخاطبه وتفسر له اختياراتها وتُتيح له الاطلاع على منطقها في اتخاذ القرار.
وفي الاتجاه نفسه، يرى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن المجال العام لا يقوم على الخطاب الأحادي، وإنما على الحوار؛ فلا تكفي الرسائل الرسمية مهما بلغت دقتها، إذا ظلت تسير في اتجاه واحد.
لهذا السبب، لم تعد المؤتمرات الصحفية الرئاسية تُقاس بكَمِ التصريحات التي تصدر عنها، بل بقدرتها على فتح مساحة للنقاش المسؤول بين السلطة والرأي العام؛ فالمواطن لا يبحث دائمًا عن إجابات توافق قناعته، بقدر ما يبحث عن مسؤول مستعد للإجابة، وعن مؤسسات لا تتحرج من مواجهة الأسئلة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمثل هذه اللقاءات؛ إذ تُحول السلطة من مُتحدث مُنفرد إلى طرف في حوار عام.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، حيث تتسارع وتيرة تداول الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويضيق الزمن الفاصل بين الحدث والتعليق عليه.
وفي مثل هذا المناخ، يصبح غياب المعلومة الرسمية بيئة خصبة للإشاعات، بينما يسهم انتظام التواصل في تضييق مساحة التأويل، ويُعيد النقاش إلى أرضية الوقائع بدل التخمينات.
ولا يعني ذلك بطبيعة الحال، أن الاكتفاء بعقد مؤتمر صحفي يكفي للحديث عن الشفافية، أو أن كل إجابة تُقدمها السلطة ستكون محل اتفاق؛ فالشفافية لا تُختزل في مناسبة إعلامية، وإنما تُبنى بالتراكم، من خلال انتظام تدفق المعلومات، واحترام حق المواطنين في المعرفة، وتمكين الصحافة من أداء دورها في السؤال والمتابعة.
ولذلك، يبدو السؤال الأهم اليوم أبعد من مضمون اللقاء نفسه: هل يتحول هذا النمط من التواصل إلى تقليد مُؤسسي دائم، أم يظل مرتبطا بظروف سياسية بعينها؟
إنَ الاستمرارية هي التي تمنح مثل هذه المبادرات معناها الحقيقي، وتجعلها جزءا من الثقافة السياسية، لا حدثا استثنائيا يفرضه الظرف.
ثم إن كسب ثقة المواطنين لا يتحقق بالإنجازات وحدها، على أهميتها، وإنما يتعزز بقدرة مؤسسات الدولة على شرح تلك الإنجازات، وتفسير خياراتها، والإصغاء إلى ما يطرحه المجتمع من أسئلة وانتقادات.
ومن هنا، فإن المؤتمرات الصحفية ليست غاية في ذاتها، وإنما تعبير عن تصور جديد للعلاقة بين السلطة والرأي العام، يقوم على أن الاتصال لم يعد تابعا للحكم، بل أصبح أحد مكوناته الأساسية.
ولعل هذا هو الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من اللقاء الإعلامي الأخير؛ فالرؤساء يتركون بصمتهم بما ينجزونه في الواقع، كما قد يتركونها كذلك بالطريقة التي يتحدثون بها إلى شعوبهم، وبالقدر الذي يفتحون فيه أبواب مؤسساتهم للأسئلة والحوار.