جدول المحتويات
الذي أعلمه عن سيدنا إبراهيم (عليه السلام) أنه استخدم الحجاج بمنطق الخصم على أرضية الدعوة إلى الإله الواحد الأحد لا إلى المفاخرة بما قدمناه للإنسانية كيف ما كانت صحته، وماذا قدم "أوغسطين" لها لنتبناه غير الصد عن الله ورسوله؟ أن تحاجج الخصم بحجته رغبة في دعوته خير من أن تحاججه لتفحمه بما هو عقيم، لأنك لن تستطيع الارتكاز على ما تقبله خصمك لتصحح له شيئا بعد ذلك يعتقده. وهنالك فرق بين الموقفين يضبط تلك المنهجية.
لدينا مشكلة مع التحليل الاجتماعي الذي يستخدم على نطاق واسع، رغم كونه يعاني من أزمة في الأسس التي انبنى عليها هذا العلم في الغرب ولا يزال يستخدم كمسلمات علمية بلا مراجعات جذرية. ولعل أعقد مسألة في هذا المضمار والتي يصعب كثيرا حلها، قضية تغيير الأنظمة السياسية عندنا بالآليات التي ينصح بها "علماء" الاجتماع، فلقد جربت نصائحهم وجربت حتى فلت ولم تغير من واقعنا شيئا. ولم تسلم من ذلك التجريب الحركات والأحزاب التي تريد إصلاح السياسة بالإسلام، ووقعت في آفة الغربة وهي بداخل الأمة ولا تزال، ولا أراها تفكر بجد حتى الآن في الطريقة المجدية للتماهي مع الأمة والسير بها نحو الخلاص، الأمة الإسلامية التي صاغها الوحي وقدمها للعالم كخير أمة أخرجت للناس.
ومثل تلك الفروق تتجلى في تحليل انقلاب جانفي المشؤوم في الجزائر، فإن أقصى ما يرى فيه علماء الاجتماع الغربيون صراعا طبقيا ورغبة شعبية في التحرر من الإقطاعيين الذين حكموا البلاد. أي أنه مظهر لصراع اجتماعي ذي بعد اقتصادي قد يتشكل في حراك سلمي أو في حرب أهلية. ولا عجب أن تتبنى قيادة الأركان هذا التحليل وتمضي فيه من دون أن تفصل كيف ولماذا؟ ويمكننا أن نقرأ في ذلك كمسلمين تجربة إصلاحية وإرادة لتغيير المنكر؛ ولعل الفشل في هذا المسعى النبيل مرجعه إلى عيوب بنيوية شابت المشروع الإسلامي من الناحية الدعوية والأخلاقية. علماء الاجتماع الغربيون لا يدركون هذا الجانب الأخير ويعتبرونه خارج نطاقهم، وقد يصنفونه في الميتافيزيقيا.
الاتكال التام على السننية كعدمه، وفي قول الله عز وجل: {وحملناه على ذات ألواح ودسر}، إشارة إلى وهن الاتكال على هذه السنن وهو يضيف الحمل إلى ذاته العلية لا إلى مسامير وأخشاب. ولهذا ربط ابن خلدون نهضة الأمة دوما بالوحي فحسب، ولو قيض لهذه الأمة من يوفر لها شروط نهضة أمم أخرى ما أفلحت. فمن أين لابن خلدون بهذا الرؤية؟ ومن عمل طويلا على تسويق الديمقراطية والتداول على السلطة في مجتمع مسلم كتونس، وقف ذات ليلة أمام برلمانه الموصد بالسلاسل مشدوها، وهو لا يزال يقبع في السجن إلى اليوم، فك الله أسره!
محاضن الماء المنوي وبيعه للنساء الراغبات في الأمومة في الغرب عبث بالإنسانية، وتدمير للأسس الصحيحة والصحية للحياة البشرية. فرغم التقدم المادي الذي بلغته هذه الشعوب إلا أنها تعيش في جاهلية جهلاء، تنشئ محاضن للأمراض النفسية والجسدية ولا تستطيع أن تبصر بؤس ذلك مع الأسف الشديد. يقع هذا الفلتان حينما توظف المعرفة بغير هدي من الله. حتى استخراج هذا الماء المهين من صلب الإنسان له طريقته الطبيعية التي تنكبوا عنها وقد استغنت النساء عن الرجال واستغنى الرجال عن النساء، مرورا باحتمالية الوقوع في تزاوج الإخوة المجهولي النسب، الذي سيضعف النسل القادم لتشابه الكروموسومات لا ريب في ذلك، ناهيكم عما يحدث للطفل من خلل في الشخصية حينما يكبر وهو محروم من العائلة.
ولنتأمل كيف تخادع الأمهات الجانحات صغارها حينما يمنن عليهم بنعمة الإيجاد، ولولا أنهن لم يفعلن ذلك لوجد غيرهم! غيرهم الذي سيطرح عليهن السؤال ذاته، ولكنهن قد لا يجدن من سيتفهمهن؛ إنه الفساد الكبير بعينه أعاذنا الله منه! ولكن ماذا لو "تبرعت" النساء بأطفالهن لرجال آخرين بدل أن يتبرع الرجال بحيواناتهم المنوية للنساء؟ أليس هذا طورا آخر من "حقوق الإنسان" قادم على هذه المجتمعات المتخلفة حقا؟
ومن أقنع تلك المرأة بحقها في العمل، وأخرجها من بيتها، وقلل نسلها، وأخذ منها مالها لقاء أجرة سكن لا يمكنها أن تتملكه؟ ومن دفع بها إلى هذا النصب لتسافر في كل يوم تاركة صغارها في ضياع ولا تدري هي أين تبيت؟ وماذا عن العمال المساكين الذين لا يجدون بيوتا تؤويهم بعد سنوات الشقاء؟ ولصالح من تسلب زهرة الأعمار؟ العجيب ألا تجد الإعلام ينتقد هذا النمط من العيش، النمط الرأسمالي الذي خدع الناس بالحرية والتحضر. لقد سلبت من نساء الغرب الأنوثة كما سلبت منهن الأمومة وتركن في العراء لقاء حقنة دولارات لا يقمن حياة وادعة، ثم تسترد منهن أرزاقهن بطرق رأسمالية ماكرة.
هنالك مجتمعات مسلمة لا تعرف المرأة فيها حق العمل إلا في بيتها، بل إنها تملك حق عدم العمل في خارجه، لأن نفقتها مضمونة، ضمنها الخالق من فوق سبع سماوات والويل لمن يخالف! امرأة حرة لا يتعرض لها أحد في السوق يستغل جهدها لقاء دريهمات كفاها زوجها وأبناؤها مؤونة السعي لجمعها. نساء فضليات مدللات يستمتعن بأوقاتهن مع الأبناء والحفدة، ولهن ديار كثيرات تتنافس كلها على الحظوة بهن، وما على هؤلاء الأمهات إلا أن يأمرن، والجميع يلبي فرحا.
بلدة تقدم المتعة للأثرياء والمشاهير ولا تشعر فيها بالملل، فهلا عرفنا قصة "سانت موريتز" الذي سميت البلدة على اسمه؟ لم أجد فيما يجذب هؤلاء المترفين إلى هذه القرية غير الرغبة في الدعة والمرح، وليتهم ذاقوا لذة المناجاة في ليالي الثلج البيضاء، لعلهم يستشعرون كنه الطبيعة الساحرة التي جمعتهم من كل أنحاء العالم بدلا من روائح الأطعمة الممزوجة بالشامبانيا؟ وانظر كيف استبقت الأقدار القمم الشامخة والوديان السحيقة والبحيرة الجميلة، وأخذت من الإنسان عمره فغادر الحياة الزائرون المميزون من غادرها واكتسحت التجاعيد من بقي منهم ينتظر. ترى في أي فندق هم الآن ينزلون!؟ فـ{ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، فسوف يعلمون}.
هنالك جبهة جديدة فتحت في الحرب الروسية الأكرانية وقد تأخرت كثيرا لخطورتها. وخطورتها تعني انتقال الحرب إلى داخل الفضاء الأوروبي- أي "الناتو"- وبداية لمرحلة جديدة، قد لا تنتهي إلا باتفاقات إنهاء حرب عالمية ثالثة. وكل الأوراق التي يمتلكها هذان العملاقان- الولايات المتحدة والصين- لا تخرجان عن القوة والمال، أي أن صراع الفيلة هذا لا يحمل قيما يمكن تقديمها للعالم الذي ينظر وينتظر النتيجة؛ وفي نهاية المطاف سيقع الضعفاء صيدا ثمينا بعد أن تخلو الحلبة لأقوى مفترس، يا لشقاء العالم بهاته الإمبراطوريات "المتحضرة"!
الغرب ينظر لنيجيريا بمنظار والأمة الإسلامية تنظر إليها بمنظار غيره. نيجيريا بالنسبة للغرب كعكة وإلا فهو الانفجار، لنتأمل سياسة العصا والجزرة في هذه النظرة، إنها من ميكيافيلية بائسة! وهذا البلد بالنسبة للأمة المسلمة عضو من جسدها الطاهر، ولا يهمها التنوع الثقافي الذي تزخر به، ما دامت الأغلبية تحترم الأقلية وبالعكس، والتاريخ خير شاهد على ذلك. "الهندسة الدينية" التي يغمز بها الإعلام المغرض هي ضمانة لأمن هذا البلد وليست خيراته التي تتطلع إليها تماسيح الشرق والغرب. على الشعب النيجيري أن يعرف مصالحه الاستراتيجية ولا ينجر وراء كل داع للفتنة، حماه الله منها!
كان صراع المسلمين في القرون الوسطى مع الفرس والروم بداية حضارة عالمية حملت الهداية للعالم، ولم يصارع المسلمون إلا من أجل قيمة معنوية هي الإيمان بالله والامتثال لأوامره؛ فكانت دمشق وبغداد والأندلس، فأي الفريقين خير مقاما وأحسن ناديا!