جدول المحتويات
حينما يُتداول مفهوم "المكوّن الاجتماعي" في الخطاب العام ينبغي أن نفهمه في إطاره العلمي بوصفه توصيفًا لواقع اجتماعي لا حكمًا بالقيمة ولا انتقاصًا من أي فئة، فالمجتمع في حقيقته وحدة متكاملة تتداخل فيها الروابط الثقافية والتاريخية والاقتصادية ولا يمكن اختزاله في تقسيمات جامدة أو متناحرة.
غير أن ما يُلاحظ في بعض المقالات والخطابات، هو توظيف هذا المفهوم خارج سياقه، حيث يتم تضخيم فكرة "المكوّنات" وإبرازها بشكل يوحي بوجود حدود فاصلة وصراعات كامنة بينها وهنا تكمن الإشكالية، فبدل أن يكون الحديث عن التنوع مدخلًا للفهم والتكامل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام.
وعند استحضار المقارنة بين مكوّنات مثل البيظان ولحراطين، فإن المقاربة السطحية قد تحاول تصويرهما ككيانين منفصلين تمامًا، لكل منهما ثقافة ونفوذ ومصالح متناقضة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وتداخلاً فكلاهما يشتركان في نفس الفضاء الثقافي العام "من لغة ودين وعادات"، كما أن بينهما تاريخًا طويلًا من التداخل الاجتماعي والإنساني والاختلافات القائمة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية، هي نتاج مسارات تاريخية وظروف بنيوية وليست دليلًا على وجود مجتمعين منفصلين.
إن تقديم هذه المقارنة بطريقة توحي بالصراع أو التمايز الحاد، يغفل عن حقيقة أساسية وهي أن المجتمع الموريتاني بمختلف مكوّناته ظلّ دائمًا في حالة تفاعل وتشابك، لا في حالة قطيعة، فالعلاقات الاجتماعية، وروابط القرابة، والمصالح المشتركة، كلها عوامل تُضعف أي محاولة لرسم حدود فاصلة ونهائية بين هذه المكوّنات.
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من المقارنات حين يُقدَّم خارج سياقه العلمي، قد يُستغل كوسيلة من قبل بعض الطامحين لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، عبر اللعب على وتر الهوية والانتماء، فبدل أن تكون المقارنة أداة للفهم والتحليل تتحول إلى وسيلة للتعبئة والتقسيم، تُغذّي الشعور بالاختلاف بدل تعزيزه كعامل غنى وتكامل.
لذلك، فإن المقارنة بين البيظان ولحراطين يجب أن تُبنى على أساس علمي موضوعي، يُبرز أوجه التشابه بقدر ما يُحلل أوجه الاختلاف، دون تضخيم أو توظيف إيديولوجي، فليس الهدف من المقارنة إثبات التفوق أو ترسيخ الفوارق، بل فهم الواقع من أجل تجاوزه نحو مزيد من العدالة والاندماج.
وتبقى الحقيقة الأهم أن هذه التصنيفات، مهما بدت حاضرة في الخطاب، لا ينبغي أن تتحول إلى حدود نفسية أو اجتماعية فاصلة، فالمجتمع لا يُبنى على التقسيم، بل على الاعتراف المتبادل والتكامل والسعي المشترك نحو مستقبل واحد.