تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - [email protected]

جدول المحتويات

الجندية وسلفها الصالح

الانفتاح على الثقافات كالانفتاح على الاختلافات لا ينفك أحدهما عن الآخر إذا كان صاحبهما متحل بالروح التي تسكن فيهما حقيقة. النظام الجزائري يسبح في أمواج عاتية وهو يفتقد إلى المهارات اللازمة للنجاة، ولا يملك من أمره في الصراعات الدولية غير العطاء، يعطي من مال الأمة بلا تحفظ، ويعطي من أمنها الثقافي ولا يتحسب، في عالم يتوسل المعرفة ليبقى ويسود، في حين تتوجس الذهنية العسكرية الحاكمة في البلاد خيفة من المعرفة وتعاديها ولا ترى في الانفتاح والتعددية غير انتزاع للحكم من بين يديها. أرى أن المطلوب من حكام بلادنا العودة إلى تمثل مبادئ المؤسس الأول للدولة الجزائرية الأمير عبد القادر (رحمه الله) وتفعيلها في جوانب الحياة كافة، ولهؤلاء السادة أن يبقوا في مواقعهم القيادية من دون أن يدخلوا بالبلاد في مستلزمات الأنظمة الديمقراطية ما داموا متمثلين لقيم الإمارة كما تمثلها ابن محيي الدين، فالاستبداد كالديمقراطية لا يصلحان البتة في بلاد المسلمين بأي حال من الأحوال.

 

الأمن اللغوي موضوعه واسع وذو بال. إنه من أوجه الأمن القومي المتعددة، الروحي، والثقافي، والسياسي، والاقتصادي، والعسكري... واللغوي قسيم لها وليس قسما منها.كما أن للأمن اللغوي بنية أساسية ولواحق، وله إجراءات ومفاعيل، لا بد للسلطة الحاكمة في أي بلد مسلم أن تراعيها، ولا يليق بها أن تبلبل ألسنة الشعب بلغات أجنبية كثيرة منذ المراحل التعليمية الأولى كما هو حاصل في الجزائر القديمة والجديدة، ولا يليق بالمسؤولين أن يخاطبوا شعبهم بلغة المستعمر الفرنسي كلما اقترب منهم الإعلاميون، وكأنهم لا يعرفون العربية أو كأنهم يتباهون بكونهم مثقفين حينما ينطقون بفرنسية لا يستعذبها حتى الفرنسيين أنفسهم. وفي الحقيقة، إنهم يسجلون أمام التاريخ ولاء للأجنبي، ويستهزئون بما حباهم الله به من علم ودين.

 

فراخ صنصالية

قرأت في سوق الرداءة مقالة أعيد نشرها بمناسبة يختلف على شرعيتها الجزائريون، ولولا أنها تمس بأصالة شعبنا الجزائري ما قرأتها، لعلمي بأن هنالك من يسهر على قراءة كل ما هب ودب مما يمس النظام السياسي للدولة؛ فيخضع للمتابعة القضائية من شاء له هؤلاء أن يخضع، ويمنع منها من شاؤوا له أن يمنع.

 

حاولت أن أستشف معاني من هذا النص المدور بلغة الأجنبي فما وجدت فيها غير جهل مطبق وخرفات خطتها يد رجعية تبحث في المقابر عن نقاء الجنس وتعادي الحضارة، ممن يلقب كاتبا وتروج لكتاباته منصات إعلامية غربية المنشأ عربية التمويل، التمويل الخليجي بطبيعة الحال. فأغلب الصحف والقنوات الناطقة بلغتنا ترضع من هذه الحلمات لقاء تأدية قرابين الطاعة والولاء بلا تردد. مقالة تتفجر بالأحقاد الدفينة على الإسلام وشعبه في هذا البلد الطيب الأصيل. ولأن الشجاعة الأدبية تخون أمثال هؤلاء المرضى بالكراهية أمام ما يريدون قوله في هذا المضمار، فقد حام محرره كالغراب الناعب فوق أسود رابضة ولم يتجرأ على الإفصاح بما يعنيه بالغزاة المشارقة ودينهم المغلف بعناية، وغير ذلك مما طفح من هذيان لا يلفظه إلا سكير أو زنديق!

 

لم أجد لهذا الممثل المدعوم غربيا والمبعوث لإثارة الفتنة في بلادنا من بواعث دفعته لأن ينشر عن قومه ما نشر وبلغة من يواليه غير هذه الهجمة الصهيونية الأمريكية الجديدة على الأمة، وغير زيارة لم يك مرضيا عنها قام بها بابا الفاتكان لأول مرة في تاريخنا، رمى فيها الشعب الجزائري بسهم مسمومة حينما أشار إلى التركيبة المزدوجة المجتمع الجزائري "العرب والبربر" لغير حاجة، والتي كان يدأب على إثارتها دائما المستعمرون بإشراف الكارادلة الكاثوليك خلال قرن واثنين وثلاثين عاما من الاحتلال بلا جدوى. ولكي تكتمل دعوى الشر التي ادعاها الكاتب المشبوه ويعمق الحفر الذي بدأه حبره الأعظم، صور "الأمازيغ" كضحية مظلومة، ظلمها كل من جاء غازيا لبلادها، المسلمون الفاتحون والمستعمرون الكفار على حد سواء! في مقالة عنونها بـ"في البدء كان البربر"، في تماه مع افتتاحية إنجيل يوحنا: "في البدء كانت الكلمة"، فـ{كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم}! هكذا بالمطلق كل البربر، الذين لا تجد من بينهم من يقول بهذا الهراء غير فئة قليلة باعت نفسها للشيطان، ولم تجد من يستسيغ سمومها غير حثالة منبوذة في الداخل، والكيان الصهيوني وأشياعه في الخارج.

 

لا يوجد في الجزائر أخطبوط معاد لثوابت الأمة بذراع واحدة ينشط في الإدارات ويسرب أسرار الدولة للأعداء، هنالك أذرع أخرى في الإعلام والثقافة وغيرهما، سيطرت بعد الاستقلال على المشهد وروجت للضحالة والتفاهة، وهي اليوم تتحسس رأسها الحاسر ومشروعها المفلس فتفجر على الملأ، لتنكشف حقيقتها أمام الناس، ويا لها من جريمة مكتملة الأركان بيد العدالة الجزائرية!

 

محاذير التحول الاقتصادي

تسليط الضوء على البؤس في المجتمع الجزائري عبادة إذا خلصت النيات. ولكن من أكل حق هؤلاء من خزائن الجزائر التي يستمتع بها سادة البلاد؟ ثم ما دخل الدعاية التجارية في أعمال البر؟ إذ لا يجتمع دين ودنيا في عمل صالح. إن استغلال العجّز من الناس لإشهار علامات تجارية سلوك يعاقب عليه القانون. ثم إن عيش هؤلاء الشيوخ في حضن الطبيعة أفضل لهم من الحياة في المدينة، والدليل على ذلك ما يرشح لدى كبار السن من نية وبركة، وما اختلط عند زائريهم الشباب فعله والدوافع الخفية إليه.

 

الفلاحة كأي نشاط على الأرض، وضع ليسترزق منه ابن آدم إلى حين، بعدما هبط أبوه من الجنة بسبب معصية. ولكي يعود إليها بنوه لا بد أن يكون كسبهم حلالا زلالا. أسأل هؤلاء المشرفين على الفروع الفلاحية المؤتمنين على الشعب الجزائري ومصلحته، هل التأمين الفلاحي على الكوارث الطبيعية الذي توجهون الفلاحين إليه حلال أم حرام؟ علما بأنكم مسلمون وخرجتم لتحصدوا رزقا ساقه الله إليكم، فحلوا لنا هذه المعادلة بارك الله فيكم!

 

إذا كان الجزائريون قد بدؤوا يستمرئون العيش في الطبيعة، فيلزمهم أن يتحرروا من المدينة ويقطنوا الأرياف، أو ليجمعوا بينهما ما بقي لهم في العمر بقية. فليس من الحكمة أن يتنزهوا ساعة من نهار في هذا الخير العميم وهذه التقاليد الصحية ثم يعودون إلى علب الكبريت في المدينة، خاصة لمن لديه أطفال مقبلون على الحياة. ونهيب بأهلنا الفلاحين في سائر الوطن أن ينتبهوا إلى أمرين مهمين: أن يدرسوا جيدا الأسعار التي يبيعون بها منتجاتهم، بحيث يكون في الربح الحلال الذي يريدونه هامش رحيم بإخوتهم المسلمين؛ والأمر الثاني يتعلق برأس المال الذي به يتكسبون، فحذار أن يكون قرضا ربويا أو استثمارا بفائدة محرمة! فذلكم مهلكة لهم ولمشاريعهم أيما مهلكة، حفظهم الله منها!

 

الفلاح الجزائري يفتقد للمتابعة الإرشادية والحماية الحقيقية كما المواطن المستهلك تماما. يقال إن الأسمدة تسخن الأرض وتزيد في المردود، أي تكثّر المحصول وتاليا الأرباح. ولكن، كم سيدفع الفلاح ومن يستهلك هذا المنتوج من مال لقاء العلاج من أمراض مزمنة بتناوله هذا الطعام المشوب بالكيمياويات، وما أكثر هؤلاء في المستشفيات، وبعضهم غادرنا إلى المقابر والجبانات؟ الألمان تركوا كل هذا بعدما جربوه قرونا وعادوا إلى الزراعة الحية تدريجيا ولو قل المحصول، لأنهم وصلوا إلى قناعة بأن إنسانا ألمانيا يعيش مئة عام بلا أمراض خير من إنسان يعيش أقل من ذلك ويعاني من الأسقام.

 

أنصح إخوتي الفلاحين باتباع الزراعة الحيوية كما كان ديدن أجدادهم من قبل، وليقنعوا بما أعطى الله قليلا كان المحصول أم كثيرا، "فالرزق اللي ضامنو ربي يجيك"، كما يقول المثل الشعبي، والمقويات العضوية خير من الأسمدة الكيمياوية بكثير. وعلى الجزائريين الأحرار ألا يقحموا الدولة وحسناتها القليلة في خطابهم كلما اقترب منهم الإعلام فيفقدوا المصداقية أمام الناس، لأن الناس تعلم تقصير السلطة وتعاملها بالربا وفساد إدارتها. فلنحمد الله وحده ولنزدرع الأرض على خطى الخير والصلاح.

الأحدث